منذ أن فرضت المصارف قيوداً غير شرعية على السحوبات والتحويل، بدأ المودعون يبحثون عن طرق فرعية لإنقاذ أموالهم. وُجهة «اللجوء» الأولى كانت قطاع العقارات، «المُعِين الأول» للمواطنين عند كلّ طارئ. لِسنوات، سُوّق لهذا القطاع بوصفه «أفضل استثمار». إجمالاً، شكّل «العِقار» خياراً لأصحاب الحسابات التي تفوق 100 ألف دولار أميركي كأفضل حلّ لمن يُريد تحرير أمواله من جهة، ولمن يُريد تسديد ديون عليه من أصحاب الشقق أو المُطورين العقاريين وغيرهم. كانت المصلحة متطابقة على التسديد والقبض بالشيكات المصرفية. لكن، على خطّ موازٍ، وُجد خيار آخر تجلّى في محلّات البضائع «الفخمة»: شراء السيارات الفاخرة، المجوهرات، الساعات، السجّاد، اللوحات، أثاث المنازل، البنزين، المازوت… بشيكات مصرفية أو نقداً بالليرة اللبنانية.

ينقسم هؤلاء إلى فئات عدّة ذات توجّهات مختلفة: أصحاب الحسابات المتوسطة، التنويع بمحفظة السلع التي يشترون فيها (عقارات، وبضائع فخمة)، شراء السلع الثمينة بهدف إعادة بيعها والحصول على «الدولارات الطازجة».
عملياً، صحيح أنّ من اشترى عقاراً «نجا» بأمواله من المصارف، ولكنّه بقي عالقاً في قلب «المنظومة» وسيكون صعباً عليه أن يُسيّله قريباً، فضلاً عن تكبّده أكلافاً إضافية، لها علاقة بالضريبة ورسوم الصيانة والتشغيل، وتدني القيمة. أما الذين اشتروا قطعاً فنية أو سجادة عجمية أو ليرة الذهب، فقد يكون سهلاً عليهم تسييل هذه السلع في أي مكان في العالم مقابل سيولة نقدية بالدولارات الحقيقية.


ورغم أنّ طبيعة «المسؤولية» تتفاوت، إلا أن هذه العملية تُعدّ واحدة من أشكال إخراج الأموال من النظام المصرفي ولبنان، وهي تتشابه شكلياً مع أولئك الذين تمكّنوا من «تهريب» أموالهم إلى الخارج حين كان ممنوعاً على «مودع صغير» أن يسحب 100 ألف ليرة.
برزت هذه الظاهرة مع بداية الأزمة التي انفجرت في نهاية الـ2019. خلفيتها عدم ثقة المودعين بالقطاع المصرفي وقلقهم من عملية اقتطاع لودائعهم. كُتب الكثير من التقارير الصحافية في المطبوعات الغربية عن هذه الموجة. عن تُجّار بضائع فخمة ازدهرت مبيعاتهم بسبب أشخاص يُريدون الشراء من خلال بطاقات الائتمان أو الشيك المصرفي. إحداهنّ فضّلت «استثمار» الـ20 ألف دولار التي تملكها في ساعة يد من الماركات الشهيرة. مُغترب أخرج 200 ألف دولار من المصرف كشيك مصرفي، واشترى فيها عدداً من البضائع المُصنفة فخمة. معارض فنية صارت تستقبل أفراداً لم تألفهم سابقاً كهواة «تجميع لوحات»، يريدون شراءها. استمرت هذه الموجة لأشهر قبل بدء انحسارها.
يروي أحد العاملين في القطاع المالي أنّه قرّر شراء لوحة بـ100 ألف دولار. «كان البائع راضياً بقبض الثمن كاملاً كشيك مصرفي». وفي الأسابيع الأخيرة تبدّلت الشروط «طالباً تسديد نسبة من قيمتها نقداً». ما الذي تغيّر؟ «بدأ التجّار يُدركون أنّ الشيك المصرفي يفقد نسبة من قيمته كلما توغّلنا أكثر في انهيار الليرة اللبنانية، والفرق الشاسع في القيمة بين الليبانو - دولار، والدولار الحقيقي».
يعتقد أحد تجّار اللوحات الفنية أنّ «موجة الشراء والبيع عبر الشيكات أو بطاقات الائتمان ستستمر طالما المصارف تفرض قيوداً على السحوبات». ولكن إضافةً إلى خفّ «جاذبية» الشيك، هناك سبب آخر لفرملة هذه العمليات يتعلّق بانفجار مرفأ بيروت، «الذي بدّل اهتمامات الناس». في الدائرة الأولى التي أصابتها أضرار الانفجار مباشرةً، «قسم كبير من أبناء الطبقة المتوسطة أو الذين يملكون رصيداً كبيراً في المصارف. هؤلاء أعادوا ترتيب أولوياتهم نحو ترميم منازلهم وشركاتهم. لا يُخفي هذا التاجر، أنّ شراء السلع الثمينة «وسيلة لإعادة تسييلها في الخارج»، مشيراً إلى «وجود شقّ إيجابي يختلف عمّن هرّبوا مبالغ هائلة إلى الخارج، يكمن في أنّ شاري البضائع الثمينة اشترى فيها من لبنان، ما يعني تحريك الدورة الاقتصادية بحدّ مُعيّن».
موجة الشراء والبيع عبر الشيكات أو بطاقات الائتمان ستستمرّ طالما المصارف تفرض قيوداً


ثمة دلالة واضحة على ما يحصل. فقد انخفضت ودائع القطاع المصرفي بقيمة 15,6 مليار دولار في الأشهر السبعة الأولى من الـ2020، بين من سُمح له بتحويل الأموال إلى الخارج، ومن سحب أمواله النقدية من المصرف، ومن قرّر شراء العقارات أو البضائع الثمينة. حالياً، يقول أحد المسؤولين المصرفيين إنّ «قلّة من التجّار لا تزال توافق على الدفع بالشيكات أو بطاقات الائتمان، لأنّ من يشتري البضائع الثمينة يضع هدفاً له هو بيعها وتحصيل الدولارات الطازجة منها. تدنّت قيمة الشيك، وبات التاجر يعتبر أنّه عوضاً عن بيع سيارة مثلاً بشيك مصرفي لا يمكن تحصيله مباشرة، فإنه قادر على تصدير السيارة وبيعها والاستفادة مباشرةً». ويلفت إلى أنّ «ليست كلّ الودائع التي سُحبت بواسطة الشيكات استُعملت لتمويل شراء بضائع فخمة أو عقارات بها، فهناك نسبة منها محجوزة مع أصحابها». من لم يتصرّف بالشيك، «إنّما اعتقد أنّه بذلك يُحافظ على أمواله من أي اقتطاع للودائع، مُراهناً على أنّه حين تصطلح الأمور وتُعاد هيكلة المصارف، يتمكّن من إعادة إيداعه كما لو أنّه حساب جديد، من دون أن يتنبّه إلى أنّ الإجراءات قد تطال الشيكات حسب تاريخ إصدارها».

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا