يقول الكاتب مارك تواين: الجميع يشتكي من اللامساواة، لكن لا أحد يفعل شيئاً حيال ذلك.

كل ما يفعلونه هو استخدام اللامساواة كنقطة انطلاق لوجهات نظرهم حول جعل المجتمع أكثر ازدهاراً وأكثر مساواة في الوقت نفسه. تعتمد هذه الآراء، بشكل أساسي، على رأيهم في فئة الـ1% الأغنى في العالم. فإما ينظرون إليهم على أنهم فئة مبتكرة وذكية ومبدعة، تصنع ثروتها من خلال مساعدة بقية المجتمع، أو أنها تتكون من أشخاص ريعين، كما أشار الاقتصاديون الكبار، ما يجعل دخولهم وثرواتهم تأتي على عاتق الـ99% الباقين من المجتمع، مثلما يفعل ملّاك الأراضي والمحتكرون والمصرفيون المفترسون.

أنجل بوليغان ــ المكسيك

تبيّن الإحصاءات الاقتصادية أن الاتجاه عالمياً هو إلى المزيد من اللامساواة. فبعدما بلغت هذه الظاهرة ذروتها في العشرينيات، ساعدت الإصلاحات التي تلت الكساد الكبير في جعل توزيع الدخل أكثر إنصافاً واستقراراً حتى عام 1980. ثم، بعد «التاتشرية» في بريطانيا و«اقتصاد ريغان» في الولايات المتحدة، عادت اللامساواة لتنطلق من جديد. انطلقت، إلى حدّ كبير، من قِبل القطاع المالي، (خصوصاً أن أسعار الفائدة تراجعت عن أعلى مستوياتها البالغة 20% في عام 1980، ما أدى إلى أكبر طفرة في سوق السندات في التاريخ).
وازداد انعدام المساواة، بشكل مطّرد، إلى أن وصلنا إلى الانهيار المالي العالمي في عام 2008. ومنذ ذلك الحين، مع الإنقاذ الذي حصل للمصرفيين وحاملي السندات على حساب الاقتصاد، ابتعدت فئة الواحد في المئة الأغنى عن ما تبقى من الاقتصاد. وفي الوقت نفسه، شهد أفقر 25% تدهوراً في صافي ثروتهم ودخلهم، نسبة إلى الفئة الأولى.
وغني عن القول أن الأثرياء، لديهم وكلاء العلاقات العامة الخاصون بهم، وهم مدعومون من قِبل كتائب من «الحمقى المفيدين» الأكاديميين.
ومن الأمثلة على ذلك، الاقتصادي الاسكتلندي أنغوس ديتون، مؤلف كتاب «الهروب الكبير: الصحة، الثروة ومصادر اللامساواة». الذي تم انتخابه رئيساً للرابطة الاقتصادية الأميركية في عام 2010. وحصل على جائزة نوبل للاقتصاد في عام 2015 لتحليل الاتجاهات الخاصّة بالاستهلاك وتوزيع الدخل والفقر والرفاهية، بطرق لا تسبّب أي إهانة للأثرياء، بل تتعامل مع الوضع الراهن غير المنصف على أنه وضع طبيعي وتوازن رياضي.
يشبّه كتاب دايتون الواقع الحالي بأحداث فيلم «الهروب الكبير». ويشير ساخراً إلى أن أحداً لم يكن ليطلق على الفيلم اسم «السجناء الذين تركوا لمصيرهم». واصفاً «الهاربين» في الفيلم بأنهم مبتكرون عبقريون، وبشكل مماثل يفترض أن أغنى 1% هم أيضاً أذكياء ومبدعون بما يكفي لكسر روابط التفكير التقليدي للابتكار. ويقول الكاتب إن مؤسّسي Apple و Microsoft وشركات تكنولوجيا المعلومات الأخرى جعلوا حياة الجميع أكثر ثراءً. كما يقول إن الاقتصاد شهد عموماً نمواً ثابتاً إلى حدّ ما، وخاصة في مجال الصحة العامة حيث ازداد متوسط عمر الإنسان، وتمكّن العالم من التغلب على الأمراض من خلال الابتكار في قطاع الأدوية.
أجد تشبيه دايتون للواقع بفيلم «الهروب الكبير» مناسباً بطريقة ما. فقد هرب الأثرياء فعلاً. لكن القضية الحقيقية تتعلق بما هربوا منه. لقد أفلتوا من القوانين والضرائب (بفضل الجيوب المصرفية الخارجية وإعادة صياغة قوانين الضرائب لتحويل العبء المالي على العمالة والصناعات). والأهم من ذلك كلّه، هرب المصرفيون في وول ستريت من الملاحقة الجنائية. ليس هناك حاجة للهروب من السجن إذا كان بإمكانك تجنّب إلقاء القبض والحكم عليك في المقام الأول!
وهناك عدد من الكتب الحديثة - التي يتردّد صداها أسبوعياً في الصفحة الافتتاحية لوول ستريت جورنال – التي تنسب نسبة الـ1% الأكثر ثراءً إلى افتراض أنهم أكثر ذكاءً من معظم الأشخاص الآخرين. أو على الأقل، يتمتّعون بذكاء كافٍ للدخول إلى كليات إدارة الأعمال الكبرى والحصول على ماجستير في إدارة الأعمال، لتعلّم كيفية تمويل الشركات من خلال الهندسات المالية أو غيرها من طرق الاستدانة، وجني مكافآت ضخمة مقابل هذه المهارات.
ليس عليك أن تكون ذكياً لتكسب الكثير من المال، كل ما تحتاجه هو الجشع وهذا لا يمكن تدريسه في كليات إدارة الأعمال


الحقيقة أنه ليس عليك أن تكون ذكياً لتكسب الكثير من المال، كل ما تحتاجه هو الجشع. وهذا لا يمكن تدريسه في كليات إدارة الأعمال. عندما ذهبت للعمل كمحلّل لميزان المدفوعات في «تشيس مانهاتن» عام 1964، قيل لي إن أفضل تجار العملات يأتون من الأحياء الفقيرة في بروكلين أو هونغ كونغ. كانت حياتهم كلها مكرّسة لكسب الأموال، والارتقاء إلى فئة الأثرياء، ليصبحوا من طبقة «النوفو ريش» التي تفتقر إلى الثقافة الحقيقية أو الفضول الفكري.
وبالطبع، بالنسبة إلى المصرفيين الذين يجرؤون على «توسيع الظرف» (التعبير الملطّف الذي يستخدمه المحتالون لخرق القانون، كما فعل مصرف «سيتي غروب» في عام 1999 عندما اندمج مع شركة «ترافيليرز» للتأمين قبل أن ترفض إدارة كلينتون قانون «غلاس-ستيغال»)، فأنت بحاجة إلى محامين أذكياء. ولكن حتى مع المحامين الأذكياء، يوضح دونالد ترامب المفتاح الذي تعلّمه من محامي العصابات روي كوهن: «القانون ليس بقدر أهمية القاضي الذي يحكم». لذا، قد تمت أيضاً خصخصة المحاكم الأميركية من خلال انتخاب قضاة يدعم مساهمو حملاتهم الانتخابية في إلغاء القوانين التنظيمية. هكذا يهرب الأثرياء من الخضوع للقانون.
ورغم أن رواد السينما لن يرغبوا في رؤية أبطال فيلم «الهروب الكبير» وهم يُلقى القبض عليهم وتجري إعادتهم إلى السجن، إلا أن عدداً كبيراً من الناس يتمنّون أن يتم إرسال محتالي وول ستريت من «سيتي غروب» و«بانك أوف أميركا» وغيرهما، إلى السجن، إلى جانب أنجيلو مازيلو من شركة «كونتري وايد فاينانشل». فهناك كره تجاه أعضاء جماعات الضغط السياسي مثل ألان غرينسبان، والمدّعي العام إريك هولدر، ولاني بروير، وموظفيهم الذين رفضوا إخضاع المحتالين الماليين للقضاء.
يلحظ كتاب دايتون بعض المشاكل لكن ليس في النظام الاقتصادي نفسه. لا في الديون، ولا في الاحتكار، ولا في أزمة الرهن العقاري غير المرغوب به أو الاحتيال المالي. ويستشهد بالاحتباس الحراري باعتباره المشكلة الرئيسية، لكنه لا يذكر القوة السياسية لقطاع النفط. وقد خصَّ التعليم على أنه السبيل إلى ارتقاء الـ99% الأفقر- لكنه لم يقُل شيئاً عن مشكلة قروض الطلاب، والجامعات الربحية التي تموّل التعليم بقروض بنكية مضمونة من الحكومة. وقد استشهد دايتون بـ«الباحثين عن الريع»، ولكن من نفس المنطلق الذي تحدث منه سلفه بوكانان الحائز جائزة نوبل، حيث حدّد الريع على أنه ذلك الذي يُسعى إليه من داخل الحكومة، وليس العقارات والاحتكارات مثل الأدوية وتكنولوجيا المعلومات والتأمين الصحي والشركات المالية. لذا فإنّ أيّ لوم يقع على عاتق الحكومة أو المدينين والمستأجرين والعاطلين عن العمل والذين هم الضحايا الرئيسيون للاقتصاد الريعي اليوم.
ويقيس دايتون التحسّن الكبير في الرفاهية، من خلال الناتج المحلي الإجمالي. وللمفارقة، يصف لويد بلانكفين، من بنك غولدمان ساكس، مديري البنك والشركاء فيه بأنهم أكثر الأفراد إنتاجية في الولايات المتحدة، لكسبهم 20 مليون دولار سنوياً (لا تشمل المكافآت)، وهذه كلها تسجّل على أنها تضاف إلى «ناتج» القطاع المالي من الناتج المحلي الإجمالي.
لكن الإنكار الصارخ للريع يظهر في كتاب جديد لأحد مؤسسي شركة «باين كابيتال» (شركة ميت رومني)، هو إدوارد كونارد، بعنوان «الجانب الإيجابي من اللامساواة». يهاجم هذا الكتاب «الديماغوجيين» وأصحاب البروباغندا الذين يزعمون أن مكاسب فئة أغنى 1% غير مستحقة. ومن الغريب أنه لا يشمل آدم سميث أو ديفيد ريكاردو أو جون ستيوارت ميل بمن يصفهم بأصحاب البروباغندا. رغم أن هذا هو كل ما تدور حوله اقتصاديات السوق الحرة الكلاسيكية: تحرير الاقتصادات من دخل الريع غير المكتسب وارتفاع أسعار الأراضي التي يصنعها الملاك «خلال نومهم»، على حدّ تعبير جون ستيوارت ميل. وهكذا فإن كتاب البروباغندا هذا يحرف البرنامج الذي حثّ عليه كبار مؤسسي الاقتصاد: الملكية العامة أو تحصيل إيجار الأرض، وإيجار الموارد الطبيعية، والتشغيل العام للاحتكارات الطبيعية، بقيادة القطاع المالي.
بالنسبة إلى كونارد، فإن سبب تزايد ثروة فئة أغنى 1% ليس مالياً أو بسبب العقارات أو أي ريع احتكاري آخر، بل هو من عجائب اقتصاد المعلومات. لذا فإن ثروة الـ1% هي مقياس لمسيرة المجتمع إلى الأمام، وليس أرباحاً مفترسة مستخرجة من الاقتصاد ككل.
إن الاستنتاج السياسي لكونارد، هو أن القوانين والضرائب يبطئان مسيرة الاقتصادات نحو الازدهار، الذي تقود نسبة أغنى 1% الاقتصاد نحوه. وكما لخّصت مراجعة وول ستريت جورنال لكتابه: «يبدو أن إعادة توزيع الثروة - سواء تم تحقيقها من خلال الضرائب أو القيود التنظيمية أو المعايير الاجتماعية - لها آثار ضارة كبيرة على الابتكار والإنتاجية، والنمو على المدى الطويل، لا سيما في اقتصاد يؤدّي فيه الابتكار، الناتج عن «المخاطرة الريادية» من قِبل المواهب المدرّبة بشكل مناسب، إلى النمو بشكل متزايد». فالحلّ الذي يقدمه هو خفض الضرائب على الأغنياء!
يشير صديقي ديف كيلي إلى الرسالة السياسية التي تتكرر هذه الأيام إلى حدّ الإزعاج: التأكيد بأن «التحركات التقدمية مثل الضرائب ينتهي بها الأمر إلى الإضرار بالاقتصاد بدلاً من مساعدته. تعتبر نظرية «أود أن أطعمك ولكن قد تصبح معتمداً على الطعام بشكل مفرط» نظرية أساسية في إظهار كيف تعود المجتمعات الاستهلاكية مثل مجتمعاتنا إلى التوزيعات الإقطاعية للثروة».

* نشر هذا المقال على موقع
evonomics.com
** رئيس معهد دراسات الاتجاهات الاقتصادية طويلة الأجل، محلّل مالي في وول ستريت، أستاذ وباحث في الاقتصاد في جامعة ميزوري في مدينة كانساس، مؤلف كتاب «الفقاعة وما بعدها» وكتاب «الإمبريالية الخارقة: أصل وأساسيات الهيمنة الأميركية على العالم»