في مطلع السبعينيات كانت نسبة السكان الناشطين اقتصادياً من الذين تزيد أعمارهم عن 15 سنة توازي 45%، إلا أنه لم تطرأ تطورات كثيرة على هذه النسبة لغاية اليوم بل كانت شبه مستقرّة طوال العقود الخمسة الماضية لتسجّل اليوم نحو 43%. غير أنه في المقابل، سجّل عدد الاتحادات النقايبة زيادة كبيرة من 16 اتحاداً نقابياً إلى 66 اتحاداً، علماً بأن غالبية الزيادة حصلت في الفترة التي تلت انتهاء الحرب الأهلية، أي في التسعينيات مع بداية توغّل النظام بطابعه الريعي واندماج قوى الطائف بشقيها الميليشياوي والمالي. هذه المفارقة في تطوّر عدد العمالة اللبنانية مقارنة مع تطوّر أعداد الأطر النقابية لها، لا يترك مجالاً للشك بأن العمل النقابي باتت له هوية مطبوعة على شكل المنظومة التي هيمنت في هذه المرحلة. ففي إطار سيطرة قوى السلطة على آليات توزيع الدخل والثروة لتسخيرها في تمويل استمراريتها، كان لا بدّ من السيطرة على العمل النقابي لتسخيره أيضاً في إطار الهدف نفسه أيضاً، أي منع الحركة الاعتراضية عن مواجهة هذه الهيمنة على كل مفاصل آليات تدفق الدخل والثروة، واستخدام العمال في مشاريع تخدم حصراً القوى المهيمنة.



انكشفت هذه الهيمنة في الكثير من المراحل، إلا أنها كانت أكثر وضوحاً منذ سنتين حين انهار القطاع المصرفي وانهارت معه قنوات التوزيع. فالانهيار كشف عن وجود خسائر هائلة في بنية النظام المالي التي كانت القناة الأساسية لعملية التوزيع الزبائني التي مارستها قوى السلطة منذ اندماج الميليشيا مع رأس المال. وهذا الأمر أطلق معركة توزيع الخسائر التي كان يفترض أن تتصدرها الحركة العمالية. كان يفترض أن تدافع عن المجتمع في مواجهة تحالف الميليشيا مع رأس المال، أي أن تمنع تعميم الخسائر على المجتمع وأن تركّز على تحميل الجزء الأكبر من الخسائر للفئات الأكثر قوّة في النظام والتي كانت الأكثر استفادة منه. كان يمكن القول إنه يترتب على الحركة النقابية مسؤولية الكشف المبكر عن أزمات كهذه، ومواجهة مشاريع التشويه التي أصابت قوّة العمل في لبنان بدلاً من الانخراط في تشويه العمل وضرب تقديمات العمال... هذه الحركة النقابية هي نفسها التي رفضت مشروع تصحيح الأجور الذي قدّمه شربل نحاس يوم كان وزيراً للعمل، لأنه كان يهدف إلى نزع تأثيرات الزبائنية عن أجور العمال. هذه الحركة النقابية التي رفضت أن تنخرط في مشروع التغطية الصحية الشاملة المموّلة من الضريبة لأن مشروعاً كهذا يضرب زبائنية النظام وينزع أداة زبائنية من يد قوى السلطة.
أما اليوم، فما حصل هو أن الاتحاد العمالي العام الذي يزعم أنه يمثّل العمال، مارس بانتظام، أثناء الانهيار ولغاية اليوم، دوراً يتماهى مع حالة الإنكار التي عاشتها قوى السلطة. فبدلاً من دفع عملية معركة توزيع الخسائر بعيداً عن المجتمع، وقف الاتحاد يتفرّج على انهيار الليرة وتضخّم الأسعار والسطو على المدخرات. وفي السياق نفسه، قرّر الاتحاد العمالي العام التصفيق لعمليات صرف العمال من العمل. لم تحصل أي مواجهة بينه وبين جمعية المصارف التي صرفت لغاية اليوم نحو 4000 عامل، ويتردّد أن هناك 5000 عامل سيُطردون من أعمالهم خلال السنة الجارية (المفارقة أن اتحاد نقابات موظفي المصارف صار يدافع عن المصارف في مواجهة المودعين!). بحسب إحصاءات الضمان، فإن أكثر من 50 ألف عائلة طُردت من تغطية الضمان، أي باتت بلا تقديمات صحية أو عائلية لأنها صُرفت من العمل أو هاجرت من لبنان. الاتحاد نفسه كان يتفرّج على إذلال الناس على محطات المحروقات، وعلى آليات الدعم التي أهدرت كمية كبيرة من آخر ما تبقى للبنان بالعملات الأجنبية من دون أن يكون للفقراء نصيب فعلي منها.
سلوك الاتحاد كان متآلفاً مع قوى السلطة وبارداً جداً تجاه التعامل مع أزمة صنّفها البنك الدولي بين ثلاث أسوأ أزمات عالمياً منذ منتصف القرن التاسع عشر. فها هو يجتمع مجدداً مع رئيس الهيئات الاقتصادية محمد شقير للالتفاف على اجتماعات لجنة المؤشر التي ستُعقد قريباً. في نهاية الاجتماع، يقول الأسمر إن لقاء موسعاً سيُعقد الأسبوع المقبل (هذا الأسبوع) يجمع الهيئات الاقتصادية ونقابات المهن الحرة بمشاركة رئيس المجلس الاقتصادي الاجتماعي شارل عربيد «سيكون صرخة لوقف التدهور ولإيجاد استقرار نقدي والضرب بيد من حديد للمخالفين والمحتكرين».
نعم، الأسمر سيضرب المحتكرين، وسيصرخ لوقف التدهور، وسيوجد استقراراً نقدياً. عملياً، لم نشهد يوماً أن الأسمر أو أياً من جماعته في الاتحاد قد «تحرّك» ضدّ المحتكرين، ولم يصرخ يوماً إلا بما كانت تريده عين التينة، ولم يقف يوماً في مواجهة المخرّب رياض سلامة. هذه هي صيغة الاتفاق مع محمد شقير. هي الصيغة التي يتحوّل فيها الاتحاد إلى تمثيل السلطة في مواجهة العمال. هكذا يصبح اتحاد العمالة العام.

تابع «رأس المال» على إنستاغرام