لبنان يغرق. هذا كان عنوان النشرة الدورية الصادرة عن مرصد البنك الدولي للاقتصاد اللبناني في حزيران 2021. وللعنوان تتمّة: «نحو إحدى أشدّ الأزمات العالمية حدّة، وسط تقاعس متعمّد». العنوان وتتمّته يعبّران عن واقع حقيقي مستمرّ منذ مطلع 2019 ولغاية اليوم. هي أزمة أشدّ من أزمات أصابت العديد من الدول منذ منتصف القرن التاسع عشر. هكذا يبدو الكساد العظيم في أميركا، أزمة مماثلة إن لم تكن أقلّ وطأة، مقارنة مع لبنان. وفي السياق نفسه، تبدو المقارنة سهلة أكثر مع دول خرجت من الحرب العالمية الثانية مُنهكة ومُثقلة بالدمار والديون. فلبنان اليوم مُثقَل بالدمار الذي مارسته بحق الاقتصاد قوى السلطة التي يشكّل رأس المال جزءاً من نسيجها وقوّتها واستمراريتها، وهو منهك بالديون التي وزّعتها هذه القوى عبر قنوات توزيع نقدية ومالية. فمن خلال مصرف لبنان جرى تثبيت سعر الصرف، ما أتاح لكل المقيمين قوّة شرائية هائلة تستهلك كل ما يستورد وتموّل أرباح التجّار من المال العام والخاص، ومن خلال تفتيت مؤسسات الدولة وتشتيتها وضرب القوانين والتعمّق في الاجتهادات الدستورية الخنفشارية والسويّة تحوّلت المالية العامة إلى مجموعة صناديق تموّل صفقات وبرامج بلا مردود اقتصادي أو اجتماعي، بل كان المردود الوحيد هو في إعادة توزيع الثروة نحو جيوب الدائنين، والمزيد لهم كل مرّة.

ولكن الآن وقعنا. والمعالجة ليست موجودة إلا عبر سياسات نقدية بلا مردود أيضاً. فقد أنفق مصرف لبنان نحو 19 مليار دولار على دعم استيراد موادّ استهلاكية، وعلى تحويلات إلى بعض المنتفعين من نخبة الحكم وأزلامهم والقطاع المالي. المعالجة تتم عبر تبديد ما تبقّى بدلاً من رسم طريقة خروج واضحة وآمنة. الطريق الوحيد الذي يتم البحث عنه، هو الخروج الآمن لبعض أركان النظام مثل حاكم مصرف لبنان رياض سلامة. انفصام قوى السلطة بكل تشكيلاتها المالية والسياسية، لم يؤدّ فقط إلى تبديد ما تبقّى، بل ضرب النسبة الكبرى من احتمالات النهوض المستقبلية. العودة إلى ما كنّا عليه تتطلب في الحدّ الأدنى 10 سنوات، وقد تصل إلى 20 سنة. الترجمة الرقمية لهذا الأمر، هو أن بلوغ الناتج المحلي الإجمالي نحو 21.8 مليار دولار، كما ورد في التقرير الأخير للبنك الدولي، يعني أن لبنان لن يعود إلى ناتجه قبل الأزمة والبالغ 55 مليار دولار (بالأسعار الثابتة) إلا بعد مرور الكثير من الوقت. هذا الأمر هو خسارة في الوقت، وخسارة في ما يُسمّى رأس المال البشري، أو جفاف الأدمغة، وخسارة في المؤسّسات، وفي الوظائف... كل ذلك يترجم بمزيد من البطالة والفقر، وبمزيد من العنف.
حالياً، الحكومة بما تمثّله من قوى السلطة وتشكيلاتها، تقف متفرّجة أمام استحقاق زيادة الأجور. تقف وهي تريد بكل قوّتها استعادة أمجاد النظام المنهار الذي كانت أولوياته، منح المزيد لأصحاب رأس المال، أي أصحاب العمل، المزيد لهم عبر حرمان الأجراء من مستقبلهم. لا يكفي أنهم قضوا على حاضرهم من خلال خسائر العملة والتضخّم وهجرة الأبناء ودمار الخدمات الصحية والتعليمية وسواها، بل يريدون القضاء على مستقبل العمال الكامن في تعويضات نهاية الخدمة. أصحاب العمل يريدون ألا تكون هناك أي زيادة للأجور تُحتسب في التعويضات. يسعون لاقتناص تعب العمّال مجدداً. السلطة تقف إلى جانبهم مدّعية أنه لا يمكن تصحيح الأجور النقدية من دون تسعير تضخّم الأسعار. في الواقع، إن قوى السلطة تريد الحفاظ على ما راكمته في السنتين الماضيتين من أوزار التصحيح. فأيّ عملية تصحيح إرادية، أو تقوم بها بشكل مباشر، كان يمكن أن تكون لها ارتدادات شعبية وعنفية، لكنّ الطريقة الجارية حالياً، أي أن يكون التصحيح بشكل مقنّع ومؤلم جداً ضمن جرعات صغيرة وسريعة ومتتالية، كان لها مفعول مخدّر، ولم تلقَ أي ردّة فعل شعبية. فقد رُفعت أسعار المحروقات الداخلية خلال شهر واحد ليصبح سعرها بالليرة شبه مواز لسعرها بالدولار النقدي. قبلها كان الناس يقفون بصفوف طويلة لساعات وأحياناً لأيام على المحطات، ويعانون من تقنين قاسٍ في التغذية بالتيار الكهربائي، وهم يواصلون لغاية اليوم التفتيش عن الأدوية رغم ارتفاع أسعارها بشكل هائل، وفيما أسرّة المستشفيات شبه فارغة يعاني المواطنون أيضاً من صعوبة الولوج إلى الاستشفاء بسبب الأكلاف الإضافية المسعّرة بالدولار ولا مموّل لها سوى الجيوب. هي جيوب الفقراء والمعدمين. رغم كل ذلك، يحتمل المقيمون في لبنان كل ذلك.
الأمل بأن الغد أفضل يبدو وهماً. فإذا نظرنا إلى تجارب الدول التي لم تعان من ثالث أشدّ أزمة في التاريخ منذ القرن التاسع عشر كما يعاني لبنان، وهي في غالبيتها دول رأسمالية وليبرالية، نرى أن حكوماتها فرضت بعد الأزمات تدابير عاجلة وسريعة وضرورية لتعزيز قدرة الناس على الاستمرار. في لبنان النقاش مستمرّ حول مستوى زيادة الأجور إذا كانت تشمل الحدّ الأدنى فقط أو الأجور لغاية 4 ملايين ليرة شهرياً، أو استبدال كل زيادة الأجور بمبلغ مقطوع، أو بزيادة بدل النقل حصراً... نقاشات لا طائل منها طالما أن بريطانيا وفرنسا جعلتا التأميم أداتهما الأساسية للنهوض من الحرب العالمية الثانية، وطالما أنهما فرضتا التغطية الصحية الشاملة أو ما يوازيها لتعزيز قدرات المواطنين على الاستمرار والإنتاج والنهوض. بيسمارك قام بذلك، «الشيطان الأكبر» في أميركا تحوّل دولة الرعاية الاجتماعية التي تمنح من الخزينة لتمويل خدمات أساسية للمواطنين. إنه الأجر الاجتماعي يا جهلة.