ثمّة الكثير من الأمثلة عن مدى فعالية النموذج القائم في معاداة التنمية، والصناعة أبرزها. فالنظام تعامل مع القطاع الصناعي باعتباره غير مطلوب اقتصادياً واجتماعياً، لذا يظهر تركّز القطاع الصناعي في مناطق ساحلية محدّدة وهو أمر يعود جزئياً إلى أسباب تاريخية متصلة بالاستعمار، بينما لا وجود فعلياً للصناعة في مناطق الأطراف.

في آخر 20 سنة، كان متوسط كلفة الودائع المصرفية في لبنان يبلغ 6.9% على الليرة، و3.63% على الدولار. في المقابل، كان متوسط كلفة القروض بالليرة يبلغ 10.2% وبالدولار يبلغ 8.1%. الهوامش بين الودائع والقروض كانت كبيرة، وكانت أكبر حين تُقارن مع مردود الاستثمار في القطاع الصناعي. هكذا استحوذ القطاع المصرفي على الودائع ووظّفها مع مصرف لبنان بشكل أساسي وفي الدين الحكومي. فلم يكن مجدياً له إقراض الأموال للقطاع الصناعي والزراعي لأنه سيأخذ مخاطر عالية تجاه المقترضين، بينما كان يرى مخاطره مع مصرف لبنان شبه معدومة وسهلة وسريعة الكسب. ولا طبقة رجال الأعمال وجدت في توظيف الأموال في الصناعة أو في الزراعة مردوداً أكثر إغراءً من مردود التوظيف السهل والسريع بينما كانت كلفة الاقتراض من المصارف مرتفعة جداً.


في المحصلة، انعكس هذا الأمر على التوزّع الجغرافي للمصانع في لبنان. ففي مقابل 59.9% من المصانع الموجودة في محافظة جبل لبنان، كانت فقط 35% من المصانع موجودة في المحافظات الريفية: الشمال، عكار، النبطية، الجنوب، بعلبك الهرمل والبقاع. أما في بيروت التي كانت تستحوذ على الجزء الأهمّ من النشاط الريعي في الفوائد والعقارات، فلم يكن فيها سوى 218 مصنعاً من أصل 5211 مصنعاً موجوداً في لبنان في عام 2018.
في الواقع، لم تكن الصناعة تعاني، طوال فترة ما بعد الطائف ولغاية الانهيار في مطلع 2019، من حجب التمويل عنها بسبب أسعار الفائدة المرتفعة فحسب، بل كانت تعاني من تداعيات هذا الأمر في أسعار العقارات المرتفعة المرتبطة ارتباطاً وثيقاً ببنية النموذج المالية، ومن انعدام البنية التحتية اللازمة لنهوض هذا القطاع، سواء في عمليات النقل والكهرباء اللازمة للإنتاج وسواها.
كان النموذج يفرض نمطه على الصناعة. ويفترض نموذج الاقتصاد السياسي، أن استمراريته مرتبطة بالتدفقات المالية الآتية من الخارج. لذا، كان يُبقي هامشاً واسعاً بين أسعار الفائدة المحلية وأسعار الفائدة في الخارج. هذا الأمر كان يرفع كلفة الإنتاج الصناعي الناجمة عن الاقتراض سواء بهدف توسيع خطوط الإنتاج أو تحسين جودة المنتج، أو فتح أسواق جديدة للتصريف. وفي السياق نفسه، كان الاستثمار في العقارات للحاجات الصناعية أقلّ مردوداً من التجارة فيها. فضلاً عن أن مشكلة ارتفاع أسعار العقارات مرتبطة أصلاً بالبنية التحتية. ففي ظل غياب بنية تحتية مناسبة للاستثمار الصناعي في مناطق الأطراف حيث كلفة العقارات متدنية نسبياً، كانت كلفة نقل المُنتجات القابلة للتصدير، إلى مرفأ بيروت، مرتفعة ما يؤدي تلقائياً إلى رفع كلفة الإنتاج النهائية وخفض القدرات التنافسية لهذه المنتجات في أسواق التصريف المحلي والخارجي. والتغذية بالتيار الكهربائي التي يعتمد عليها الكثير من الصناعات بنسبة تصل إلى 40% من كلفة الإنتاج النهائي، كانت متدنية في المناطق خلافاً للتغذية شبه المتواصلة في بيروت. ويضاف إلى ذلك، أن العمالة الماهرة في القطاع الصناعي كانت قد نزحت أصلاً إلى المدن وهجرت الأرياف، وبعضها هاجر، بسبب العلاقة الطردية مع النموذج الساعي لتعزيز قطاع الريع والخدمات على سواه. فمثل هذا النموذج لا يتّسع إلا للقلّة.
يمكن الاستدلال بالكثير من المؤشرات على القتل المتعمّد للصناعة ومعها قتل التنمية في المناطق، مثل مداخيل الأسر في المدن، وتحديداً في بيروت وجبل لبنان، مقابل مداخيلها في المناطق الأخرى، أو مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي مقابل مساهمة القطاع المصرفي، أو الانخفاض المطّرد في عدد المصانع وتوقف كامل لبعض الصناعات… إلا أن كل المقارنات توصل إلى نتيجة واحدة: النموذج كان يطرد الصناعة من لبنان طالما أنه يتغذّى على التدفّقات من الخارج.
حالياً، انهار النموذج بسبب اعتماده المفرط على هذه التدفقات، لكن ليست هناك مؤشرات إلى أن القوى الحاكمة التي تنضوي فيها طبقة رجال الأعمال، راغبة في الانتقال إلى نموذج يعتمد التنمية كأساس لانطلاقته الجديدة. كل ما تبحث عنه القوى الحاكمة، هو كيفية إعادة إنتاج النظام القائم على التدفقات. فموجة الهجرة الجارية حالياً والمتوقّع أن تصل إلى مليون مهاجر، ستُفرغ البلد من اليد العاملة الماهرة، وبالتالي ستعاني الصناعة أكثر فأكثر. وسيعاني القطاع الصناعي أيضاً، من غياب التمويل، ومن غياب التخطيط، ومن فقدان قدرات التوسّع… كل ذلك يضاف إلى الوهن الذي أصابه من الانهيار وتداعياته سواء في تعدّد أسعار الصرف، وارتفاع كلفة الإنتاج بسبب ارتفاع كلفة المحروقات، وغياب الدولة عن الدعم. ستعاني الصناعة لأنها ليست على جدول أعمال علاقة الحكومة مع صندوق النقد الدولي، ولأن نهوضها يعني استثمارات بلا خوات سياسية من أحد، ولأنها تخلق فرص عمل أقلّ زبائنية ولأنها تصدّر منتجات مقابل عملات أجنبية ولا تصدّر مغتربين مقابل تحويلاتهم.