كيف التوجّه شرقاً؟ رغم بساطة السؤال، إلا أن الإجابة معقّدة ومركّبة. يكمن ذلك في تحديد المشاريع التي ستؤدّي إلى الانفتاح والتشبيك، والآليات التي يجب استحداثها إن لم تكن موجودة، وتجاوز العقبات. ويضاف إلى ذلك، الظرف الاقتصادي والاجتماعي الضاغط في لبنان الذي يفرض إيجاد حلول سريعة تسهم في تخفيف وطأة الأزمة. فالتوجه شرقاً هو خيار يمثل قطيعة مع موروث سياسي وتاريخي أوجده المستعمر وإرساليّاته التربوية والثقافية والحركة الاستشراقية.

هناك محوران متلازمان في هذا التوجّه: الأول، هو تلقّي العروض الشرقية لإعادة تأهيل البنى التحتية في لبنان، سواء كان مصدرها روسياً أو صينياً أو إيرانياً. أما الثاني، فهو التشبيك بمعنى أوسع ضمن مراحل أُولاها سوريا والعراق ثم الأردن، وبعدها مع سائر الدول العربية الراغبة، ثم مع إيران وتركيا، ومع الصين وروسيا وعدد من دول الجنوب.

أولاً: العروض الشرقية
في ما يتعلّق بالعروض الشرقية، فمصدر المعلومات من وسائل الإعلام. وهي تأتي في قطاع النفط والغاز لجهة التنقيب والاستخراج، وفي قطاع الطاقة لجهة إعادة تأهيل ما هو موجود وبناء مصادر جديدة للطاقة الكهربائية، وإعادة تأهيل مصفاة طرابلس وتشغيل أنبوب النفط الآتي من العراق. أما على صعيد شبكة المواصلات فهناك مشاريع لإعادة تأهيل الطرق وخاصة سكك الحديد. كما هناك مشاريع لتدوير النفايات وجعلها مصادر للطاقة. وهناك مشاريع لإعادة تأهيل مرفأَي بيروت وطرابلس ومنها عروض شرقية وغربية في آن واحد. وهناك أيضاً مشاريع لإعادة تأهيل مطار بيروت وإنشاء مطار آخر في الداخل اللبناني ربما في شمال البقاع أو سهل عكار.

أنجل بوليغان ــ المكسيك

جميع هذه المشاريع خارج إطار قدرة الدولة والقطاع الخاص على تمويلها لما يرافقها من استثمارات ثقيلة وطويلة المدى. لكنّ عدداً من العروض الشرقية تتضمن تمويلاً يُسدّد بالليرة اللبنانية ما يخفّف الحاجة إلى العملة الأجنبية. والتسهيلات المعروضة تجعل عبء الدين على الدولة اللبنانية يمتدّ إلى سنوات عدة من دون إرهاق مواردها. وهذه المشاريع يجب أن تُدرس من قبل المختصين التقنيين اللبنانيين ثم عرض النتائج على الحكومة.
وهناك مشاريع تُعرض بناءً ثم تشغيل المرافق وبعد فترة يتم الاتفاق على نقل الإدارة إلى الدولة. طيلة فترة الاستثمار تكون الدولة المالكة ولكن الشركة المستثمرة تكون هي التي تدير وتستعيد استثمارها وتعطي جعالة للدولة. هذا هو فحوى ما يُسمّى بطريقة الـBOT.
كل هذه المشاريع يجب أن يُخطط لها وفقاً لأولويات محدّدة والباقي ضمن خطط رباعية أو خماسية أو سداسية. في رأينا، الأولوية يجب أن تكون لإعادة تأهيل مصادر الطاقة والمياه، ومعها شبكة سكك الحديد. وفي مرحلة لاحقة تتم إعادة تأهيل مرفأ بيروت التي تتلازم مع إعادة تأهيل مرفأ طرابلس الذي تمّ إهماله منذ الاستقلال وهو المرفأ الطبيعي الذي ينعم بعمق المياه لاستقبال البواخر العملاقة.

ثانياً: تمكين التشبيك
التوجّه شرقاً يجب أن ترافقه استراتيجية تمكّنه من تحقيقه، وهي تتضمّن إجراءات فورية وأخرى متوسطة وطويلة المدى؛
- من الإجراءات الفورية إعادة العلاقات مع سوريا وليس ديبلوماسياً فقط، بل سياسياً وأمنياً واقتصادياً وبيئياً في آن واحد. يجب تفعيل مجلس العلاقات اللبنانية السورية للبحث في القضايا الضاغطة التي تخصّ البلدين، كقضية النازحين السوريين إلى لبنان، ومرور الشاحنات اللبنانية على سبيل المثال. وعلى المجلس أن يبحث في تطوير شبكات الطاقة، من الغاز والنفط والكهرباء، لتأمين الحاجات المتبادلة ولتوثيق العلاقات التكاملية التي تسعى إلى تشكيل قاعدة اقتصادية متينة إنتاجية. كما يمكن إعادة إحياء اتفاقيات السوق العربية المشتركة المُقرَّة منذ الستينيات والتي بقيت حبراً على ورق. هذا يعني أن الحكومة اللبنانية الحالية أو المقبلة مدعوّة إلى المبادرة بكسر القطيعة الرسمية مع سوريا وإن كان ذلك القرار سيغضب الحلف الغربي الصهيوني الرجعي العربي.
وفي هذا السياق ندعو إلى إنشاء الهيئة المشتركة للطاقة والغاز والنفط أسوة بما جرى في أوروبا عندما أُنشئت بعد الحرب العالمية الثانية لجنة التعاون في الصلب والفحم (CECA) التي كانت العَمود الفقري لمشروع السوق الأوروبية المشتركة. والهيئة تضمّ كلاً من لبنان وسوريا والعراق والأردن في مرحلة أولى تليها في ما بعد دول الجزيرة العربية ووادي النيل والقرن الأفريقي والمغرب الكبير. إنشاء هذه اللجنة ضروري للتنسيق بين مختلف المشاريع التشبيكية وخاصة في القطاعات المذكورة.
- من ضمن الإجراءات المتوسطة والطويلة الأجل يجب أن يعمل مجلس العلاقات اللبنانية السورية على إعادة ربط سكة الحديد بين لبنان وسوريا وإعداد دراسة جدوى لإعادة تأهيل الشبكة لجهة القطار السريع. هنا تكون التكنولوجيا الصينية مطلوبة خاصة إذا أرادت الأخيرة امتداد طريق الحرير الجديد إلى كل من سوريا ولبنان وللاستفادة من التواصل الفائق السرعة. وهذا يعني ربط لبنان وسوريا والعراق وإيران إلى الشبكة التي امتدت من الصين إلى باكستان.
كما يمكن للمجلس دراسة مشاريع مشتركة على الحدود اللبنانية السورية. من ضمن هذه المشاريع نقترح بناء مدينة نموذجية تكون قطباً اقتصادياً إقليمياً للتنمية والتطور التكنولوجي. أما المشاريع الأخرى فقد تكون مشاريع صناعية مشتركة برأس المال واليد العاملة تتناول الصناعات التحويلية التقليدية إضافة إلى صناعات جديدة تعتمد التكنولوجيا الحديثة.
ومن ضمن المشاريع ذات الطابع الاستراتيجي بين البلدين، من الضروري إشراك الدول العربية في المشرق العربي ودول وادي النيل والمغرب العربي لإنشاء شبكة عنكبوتية خاصة ومحرّكات استكشاف، أي إنترنت عربي للخروج من السطوة والهيمنة الغربيتيْن، لأن ذلك هو الطريق للاستقلال التكنولوجي والنهوض الاقتصادي والاجتماعي.

ثالثاً، معوقات التوجّه شرقاً
من الواضح أن المعوقات الأساسية التي ستواجه مروّجي خيار التوجّه شرقاً، ونحن منهم، هي سياسية بالدرجة الأولى. كما أن هناك معوقات ستفرضها مصالح القوى المتضرّرة من هذا الخيار لأنها كانت تنعم بامتيازات احتكارية للوكالات الحصرية ومن ارتباط المصالح الغربية في لبنان وفي المنطقة.
ففي إطار استراتيجية تربوية وتثقيفية جديدة، لا شكّ في أن التوجّه شرقاً سيصطدم بذهنية متجذّرة عند معظم اللبنانيين الذين يعتبرون الغرب مرجعاً لهم، لذا لا بد من إيجاد الأرضية الذهنية لتقبّل ذلك. لن يحصل ذلك إلاّ بعد إعادة النظر في البرامج التربوية السائدة، على الأقل في ما يتعلّق بلغات الدول التي سنتعامل معها وبتاريخها واقتصاداتها وعاداتها. كذلك يجب أن تكون هناك استراتيجية إعلامية ملائمة تفسّر أبعاد ومنافع التوجّه شرقاً وجنوباً. فالاحتلال الغربي للعقل والإرادة في لبنان جعل الغرب مرجعاً للنخب الحاكمة و/ أو الطامحة إلى الحكم. الموروث الثقافي الغربي كان على حساب الموروث الثقافي الشرقي بشكل عام، والعربي الإسلامي بشكل خاص وبشكل أكثر خصوصية في ما يتعلّق بسوريا والعراق وإيران. الجهل عن قصد أو عن عمد سبب في التردّد في مقاربة الخيار الشرقي.
ليس سهلاً لدوائر القرار في الغرب أن ترى استثماراتها على مدى أكثر من قرن في لبنان تذهب في مهبّ الريح. فهذه الدوائر تعتمد على نخب قامت بتربيتها وتغذيتها وحمايتها لتأمين ديمومة الارتباط بالغرب. كما أنها حرصت على أن يكون الاقتصاد اللبناني اقتصاداً مكشوفاً وتابعاً للغرب، وإن بدت ظواهر عكس ذلك في العقد الماضي.
لقد بات واضحاً أن الشريك التجاري الأول للبنان على الصعيد الدولي هو الصين، بينما أوروبا تراجعت إلى المرتبة الثانية، والولايات المتحدة إلى المرتبة السابعة. لكنّ إحصاءات التجارة الخارجية البينية لا تكشف كل شيء لأن لبنان يستورد أكثر من 90% من احتياجاته. فهناك ارتباط عضوي بشرايين المال الغربية التي تفرض الوصاية على النظام النقدي والمالي في لبنان. من هذه الزاوية ندعو إلى إعادة بناء قطاع مصرفي لا يخضع للمشيئة الغربية ويفكّر مليّاً بالتشبيك مع الشرايين الشرقية الصاعدة.
كما أن لبنان اعتمد النظام الريعي لبنيته الاقتصادية ما أدّى إلى الكارثة الاقتصادية والمالية التي يعيشها. وهذه البنية الريعية ما قامت لولا الغرب لأن الأخير لا يريد مجتمعات منتجة بل مجتمعات مستهلكة لبضائعه وخدماته وثقافته. غير أن الغرب لم يعد لديه ما يقدّمه للعالم بشكل عام وللبنان بشكل خاص سواء الوعود الفارغة. ويرى الغرب أن فرص لبنان للنهوض كبيرة مع امتلاكه الثروات الغازية والنفطية، وهو يريد استثمارها بمفرده وليس مع أي شراكة شرقية وحتى عربية. لذلك لا نعتقد أن الغرب سيسلّم بالتوجّه شرقاً ولا سيما أنه يمتلك طابوراً خامساً مكوّناً من النخب الحاكمة، وحتى تلك التي تطمح إلى الحكم ضمن المنظومة القائمة. وأهم مكوّنات هذا الطابور هو القطاع المصرفي المتمثّل بجمعية المصارف وحاكمية مصرف لبنان. جمعية المصارف كانت وما زالت رأس حربة للسياسات الأميركية المُجحفة باللبنانيين تحت حجة مكافحة الإرهاب وتبييض الأموال بينما في حقيقة الأمر هي محاصرة المقاومة خدمة للكيان الصهيوني.
الدليل على ذلك عدم إقدام النخب الحاكمة على تفحّص العروض التي قُدمت للبنان من قبل إيران وروسيا والصين. لم تتجرّأ هذه النخب على الإدلاء بأي رأي، فلم ترفض العروض المغرية التي تسهم في نهوض لبنان، وهي لا تستطيع قبولها لأنها تغضب الغرب.
عربياً، هناك من يدفع لبنان للاستمرار في التبعية للغرب خدمة لمصالحه السياسية التي لا ترى بعين الرضى تنامي النفوذ الاقتصادي والسياسي للجمهورية الإسلامية في إيران والصين وروسيا. وهذه الدول مرتبطة بدورها بالغرب وتخضع لقراراته وتنفّذ سياساته بل تسهم في محاصرة لبنان اقتصادياً.
جمعية المصارف كانت وما زالت رأس حربة للسياسات الأميركية المُجحفة باللبنانيين تحت حجة مكافحة الإرهاب وتبييض الأموال


إضافة إلى ذلك، هناك معوقات نفعية داخلية (المصالح الخاصة) ستعترض هذا التوجه، وهي تتمثل بشبكة المصالح الخاصة الاقتصادية والمالية وبطبيعة الحال السياسية الضيّقة التي ليس لديها مصلحة واضحة في هذا التوجه. فالبنية الاقتصادية القائمة التي تقوم على الوكالات الحصرية للشركات الغربية على سبيل المثال لا تستطيع التكيّف مع العروض الشرقية حيث لا وكالات حصرية، بل تعامل مباشر مع الدولة. لكن ما يمكن أن يخفّف من حدّة عداء المصالح الخاصة للتوجّه شرقاً هو قدرة النخب على التكيّف مع موازين القوّة الجديدة التي سيفرضها التوجّه شرقاً إذا كانت المعادلة الإقليمية تقضي بذلك. فهذه النخب لا تحكمها المبادئ ولا المصلحة العامة بل مصالحها الخاصة وبالتالي عندما سترى أن آفاق التوجّه شرقاً ستتيح لها فرصاً جديدة فستحمل اللواء لذلك التوجّه!
وإذا كانت المصالح السياسية الغربية والمصالح الذاتية للنخب الحاكمة في لبنان تشكّل معارضة وازنة للتوجّه شرقاً فما يُساعدها هو البعد الثقافي السائد عند النخب تجاه الشرق. فمن جهة هناك موروث ثقافي ناتج عن التغريب المفرط في الثقافة اللبنانية منذ عهد المتصرّفية، وقد بلغ ذروته في حقبة الانتداب الفرنسي. ومن جهة أخرى، هناك جهل موضوعي للشرق وللجنوب متجذّر في التصوّرات النمطية للشرق روّجها المستعمر الغربي. فالغرب استطاع أن يروّج لنمط استهلاكي للحياة والرفاهية لم يقابله نمطٌ شرقي أو جنوبي له. والمفارقة أن الاستهلاك اللبناني كما الاستهلاك الغربي هو للسلع التي يصنّعها الشرق. فالغرب تنازل عن تصنيع السلع ليكرّس جهوده على الخدمات المالية الريعية. الشرق أصبح مصدر الإنتاج، وسخرية القدر تكمن في التوجه إلى الغرب لاستهلاك سلع يصنعها الشرق!
عندما يصبح مقبولاً السفر إلى بيجينغ أو نيودلهي أو موسكو أو طشقند أو كاراكاس أو دار البيضاء أو الجزائر أو ريو دي جانيرو بدلاً من السفر إلى باريس أو روما أو لندن أو نيويورك، فعندئذ يمكن القول إن الشرق أصبح قيمة مستبطنة في الوعي اللبناني!

* باحث وكاتب اقتصادي سياسي والأمين العام السابق للمؤتمر القومي العربي وعضو الهيئة التأسيسية للمنتدى الاقتصادي والاجتماعي