نناقش في هذا المقال وما يليه موقع النخبة المهيمنة، ولا سيما المالية منها، من الأزمة الاقتصادية التي يمرّ بها لبنان. ولا يخلو السياق من اقتباسات نظريّة الغرض منها امتلاك فهم أعمق للتعقيدات والملابسات التي أحاطت بعمليّة اتخاذ القرار وقادتنا إلى المأزق الذي نحن فيه. يعتمد المقال مصطلح «النخبة» بدلاً من الطبقة الحاكمة الذي يشيع استخدامه من دون أن يُضمر مديحاً لأفرادها، بل يأخذ في الاعتبار أنهم لا يشكّلون في واقع الحال طبقة اجتماعية موحّدة المصلحة والخلفيّة، ولا يمسكون بزمام الحكم بالطريقة المألوفة، فضلاً عمّا يشوب تعبير الطبقة من دلالات إيديولوجية قد تخرج عن المطلوب


لقد استمدّت «النخبة» في لبنان وحدتها منذ التسعينيات من المحاصصة وإطلاق اليد في استخدام المال العام، كما استفادت من الإنفاق التعويضي الذي ينطوي على تبادل للمنافع هدفه كسب أوسع موافقة ممكنة على مشروع اقتصادي صُمّم في الأساس ليخدم أقلية ضئيلة من الناس. وقد احتلت السلطة النقدية دون ضجيج موقعاً مركزيّاً في هذه المقاربة، فحازت أفضليّة على باقي السلطات مستعينة باستقلالها النسبيّ وانعدام شفافيتها وضعف الرقابة عليها، وبذلك استطاعت أن ترسم ما تشاء من سياسات من دون أن تمرّ بمخاضات وتسويات سياسيّة من أجل إقرارها، كتلك التي تخوضها الحكومة مثلاً عند إقرار الموازنات العامة. وحتى حصول الانهيار اكتسب البنك المركزي حصانة في وجه الضغوط الشعبية وكان بمنأى عن متناول جماعات الضغط الطائفي إلّا في الحالات التي يقرّر فيها حاكمه مقاسمة الآخرين بعض سلطاته.
من الوحدة إلى التفرّق

نهاد علم الدين ــ لبنان

هذا الأمر يقدّم تفسيراً ما، لمحافظة «النخبة» بفروعها السياسيّة والاقتصاديّة والطائفيّة على وحدتها طوال ربع قرن مضى على تسوية الطائف، رغم تناقضاتها العميقة وتضارب مصالحها واختلاف رهاناتها الخارجية ووقوعها في مهبّ عواصف محليّة وإقليميّة عدّة. فعلى مسرح السلطة النقدية وسياساتها كانت «تحلّ» المشاكل المستعصية، والتي لا مكان آخر لحلها، مثل: ضعف موارد الدولة، ونقص المال السياسي، وصعوبة إعادة تمويل الديون، واستعصاء التوافق على برامج حلّ الأزمة، وهشاشة الرفاهية المصطنعة التي استفادت منها القواعد العريضة للقوى السياسية والطائفية وهدّأت من غضبها. بعبارة أخرى كانت السياسة النقدية هي الوسيلة الأنجع لشراء الوقت، والبديل الذي أعفانا من عناء البحث عن عقد اقتصادي-اجتماعي جديد يجنّبنا الانهيار ويضع الاقتصاد على مسار جديد. لكنّ نجاح تلك السلطة في الحفاظ على الحد الأدنى من تماسك «النخبة» المسيطرة كان رهن أمرين آخرين: وجود بيئة حاضنة للفساد في جانب، وضمان تدفق الدعم الخارجي بأشكاله العلنيّة والمبطنة في جانب آخر، علماً بأن الدعم المذكور كان في غالبيته ديوناً على القطاعين العام والخاص، أو مطلوبات شبيهة بالديون على القطاع المصرفي، مع نزر يسير من المعونات أو القروض الميسّرة.
وبناءً عليه لم تُطلق يد السلطة النقدية على نحو عبثي أو تلقائي أو بسبب سوء التقدير، بل كان ذلك ضروريّاً لتمكين آلة المحاصصة من العمل، وللمحافظة على تماسك «النخبة» ووحدتها. لكنّ الثمن كان يتراكم بعيداً من الإنظار خلف ستارة من البيانات والأرقام «المبهرة» عن أداء الاقتصاد، والتي بانت هشاشتها مع توالي فصول الأزمة. والمثال الأكثر دلالة على ذلك ما حصل مع انفجار فقاعة الأصول، التي بدّدت في ضربة واحدة ما لا يقل عن ثلاثة أرباع القيمة الإجمالية لثروة لبنان المالية وغير المالية (قُدّرت عام 2018 بنحو 182 مليار دولار)، فتراجعت حصّة الفرد الواحد من الثروة الصافية إلى أقل من أربعة آلاف دولار، بعد أن كانت 23 ألف دولار أميركي تقريباً قبل الانهيار.
رسم حدود فاصلة بين السلطة وأفراد النخبة من رجال أعمال ومصرفيين وسواهم الذين يعيدون انتشارهم منها وإليها بحسب الظروف، فيتكثّف حضورهم في أروقة الدولة خلال الازدهار ونراهم يقفزون من مراكبها ما إن تلوح عاصفة في الأفق


وما يصح على الثروات يسري على الدخل ونوعيّة الحياة والخدمات الاجتماعية والبنية التحتيّة والثقة بالدولة والاقتصاد، وهذه الأمور إنّما تدل على أن كلفة الانهيار ستكون أكبر بما لا يقاس من قيمة المنافع الناتجة عن التضخيم المفتعل للرفاهية ونفخ مستوى المعيشة في العقود الماضية. وما يزيد الأمور سوءاً أنّ لبنان الذي يسجّل أسوأ المؤشرات مقارنة بانهيارات مماثلة في دول أخرى، لم يستفد من انخفاض كلفة الإنتاج في تعزيز تنافسيته كما فعلت تلك الدول، لوجود عقبات بنيويّة وسياسات غير مسؤولة شجّعت عليها «النخبة» محل البحث.
وفيما كانت الوفرة سبباً في تآلف «النخبة» وتعزيز مكانتها وتقوية حججها، فإنّ اشتداد الأزمة وانكشاف دور المصرف المركزي فيها أظهرا تهافتها وانقسامها وتشتّت إراداتها. ونعاين ذلك مثلاً في التباينات التي تطفو على السطح من حين إلى آخر بين جمعية المصارف ومصرف لبنان، أو بين المصارف نفسها، أو بين الكتل السياسيّة ذات العلاقة الحسنة مع المحتكرين بخصوص إلغاء الوكالات الحصريّة أو تبني قانون عصري للمنافسة، والأمر نفسه ظهر في النقاشات المتّصلة بقانون المناقصات العموميّة وغيره من القوانين المحدّدة لطبيعة الاقتصاد اللبناني.

النخبة والسلطة
تؤكد الآراء النظرية المستندة إلى التجارب المعاصرة، أنّ التشابك بين مجتمع النخبة والدولة الحديثة ليس استثناء، بل إنه وثيق الصلة بطبيعتها وتطوّرها التاريخي. وبذلك يصحّ طرح السؤال عمن يضع سياسات الدولة، وموقع القطاع المالي منها والعوامل التي تمنحه قوة هيكليّة إزاءها. أو بتعبير موجز: من الذي يسود فعلاً في المجتمعات الرأسماليّة؟ وكيف يمكن للأقوياء مالياً واقتصادياً أن يمارسوا قوّتهم على سلطة القرار ويفرضوا نفوذهم عليها؟
في عام 1961نشر روبرت أ. داهل، دراسة مهمة، وجد فيها أن منظّري الاقتصاد السياسي ركّزوا على قدرة «النخبة» (أو بالتعبير الماركسي الطبقة الحاكمة) في مجال السيطرة على القرار السياسي، انطلاقاً من فرضيّة مفادها أن النخبة كتلة موحّدة ومتماسكة في جميع الظروف والأوقات. يخالف «داهل» هذا الرأي بسبب ما يعتري النخبة المذكورة من تباين في المصالح والتكوين، فالفاعلون الأساسيون والفئات ذات النفوذ في الدولة والمجتمع يعملون برأيه على تلبية أهداف مقطعية وقطاعية وحزبية مختلفة بل وحتى متنافرة، وهي بسبب ذلك تخوض في ما بينها منافسة شديدة. أي أنّ الصراع داخل الطبقة المسيطرة، يسير جنباً إلى جنب مع صراع هذه الأخيرة مع القوى الاجتماعية المعارضة لها كالنقابات والمنظمات الأهليّة والقوى الاجتماعية الأخرى. وبذلك يقوم نموذج اتخاذ القرار عند «داهل» على تفاعل العديد من مراكز التأثير مثل رجال الأعمال والاتحادات التجارية والسياسيين والمزارعين والناخبين وغيرهم من الكيانات المؤثّرة.
وبحسب جيروم روس فإنّ نموذج التعددية Pluralist mode عند «داهل» هو البرادايم المهيمن في العلوم السياسية الأنغلوساكسونية. لكنّ «تشارلز لندبلوم» أخذ مسافة من صديقه «داهل» بطرحه سؤالاً يقع على محك مقاربة الأخير: إذا لم يكن هناك فئة مهيمنة تتصف بالتماسك والوحدة فلماذا لم يحدث أن رأينا أبداً في نظام ديموقراطي تصويتاً راديكالياً على مسائل تمسّ بالملكيّة الفرديّة أو تدعو إلى تأميم وسائل الإنتاج؟ والإجابة التي يقدّمها في كتابه السياسة والسوق، على هذا السؤال، هي أنّ صانعي القرار أنفسهم واقعون تحت قبضة «النخبة» التي لديها مصلحة مشتركة بحماية مصالح طبقة الأعمال.
وإذا أردنا أن نسترسل أكثر في هذا السياق، سنعثر على وقائع تؤكد وجود نفوذ لا يمكن تجاهله لجماعات النفوذ المسيطرة في اتخاذ القرار ورسم السياسات العامة، مقارنة بتأثير محدود أو حتى معدوم للمواطنين العاديين وممثلي مصالح الجمهور. وقد توصّلت دراسة إحصائيّة متميزة لكل من «مارتين غيلنز» من جامعة برينستون و«بينيامين بيج» من جامعة نورث ويسترن، إلى أن اللوبيات تمارس نفوذاً عميقاً على سياسات الحكومة الأميركيّة، ما يؤكد صوابيّة ما ذهبت إليه نظريات «هيمنة النخب الاقتصادية». وقد اعتمد الكاتبان في دراستهما على تحليل إحصائي متعدّد المتغيّرات لـ1779 قضيّة سياسيّة بين عامَي 1982 و2005. لكنّ لهذه النخب قصّة مختلفة في لبنان، إذ إنها تقاسم الدولة المنافع في حالات الوفرة والرواج، وتلقي على عاتقها تبعات الأزمة عند حدوثها. بل يصعب رسم حدود فاصلة بين السلطة وأفراد النخبة (من رجال أعمال ومصرفيين وسواهم) الذين يعيدون انتشارهم منها وإليها بحسب الظروف، فيتكثّف حضورهم في أروقة الدولة خلال الازدهار، ونراهم يقفزون من مراكبها ما إن تلوح عاصفة في الأفق.