يزداد الضغط البيئي على حكومات العالم اليوم. حرارة كوكب الأرض مستمرة بالارتفاع ولا يبدو أنّ الحلول الترقيعيّة لتخفيض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون قد خفّفت شيئاً من أوجاع رئة الأرض. الحلّ قاسٍ. على البشرية أن تنسلخ عن الوقود الأحفوري، أي عن مصدر الطاقة الذي حرقته من أجل التقدّم والذي سُفكت من أجله دماء شعوب تحت ذريعة «إرساء الديموقراطية». لكنّ الأسبوع الماضي لم يكن عادياً. فقد انطلقت سفينة هي الأولى من نوعها من جنوب أستراليا متّجهة إلى اليابان بحمولة غير عادية: هيدروجين سائل مصنوع من الفحم. وقد تكون، قد، فاتحة عصر جديد للوصول إلى صافي انبعاثات صفرية في وقت ما في منتصف القرن الجاري. وبعيداً من الغرام المستحدث لكل ما هو أخضر ونظيف، فإن الهيدروجين يمكن صنعه، أي أنّه ليس محكوماً بالجغرافيا. وهذا قد يخلق مراكز قوّة جديدة بين مُصدِّرين ومُستهلكين، وصولاً إلى تغيّر موازين التجارة العالمية على جثّة النفط.

(موقع شركة تويوتا)

أنواع الهيدروجين وصنعه
الهيدروجين (H2) متوافر على الأرض بوفرة. إلّا أنّه موجود غالباً، كجزء من مركّب آخر مثل الماء (H2O) أو الميثان (CH4) الذي يتوجّب فصله إلى هيدروجين نقي (H2) بهدف استخدامه. ويمكن إنتاج الهيدروجين من مصادر محليّة متنوّعة، بما في ذلك الوقود الأحفوري والتخمير والتحليل الكهربائي للماء بالكهرباء (لهذا هو غير محكوم بوجود موارد طبيعيّة). ويعتمد التأثير البيئي وكفاءة الطاقة للهيدروجين على آلية إنتاجه، علماً بأن هناك العديد من المشاريع الجارية لخفض الأكلاف المرتبطة بإنتاج الهيدروجين. من هنا، بات لدينا عدة ألوان أو أنواع هيدروجين. أبرزهم:
- الهيدروجين الأخضر: هو أنظف أنواع الهيدروجين، ويُصنع من خلال استخدام مصادر طاقة متجدّدة (الرياح، الطاقة الشمسية، المدّ والجزر...) لتوليد الكهرباء. إذ تُستخدم الكهرباء لفصل الماء (H2O) عن طريق التحليل الكهربائي إلى غازات الهيدروجين والأكسيجن (H2 و O2). وتسمى هذه العملية «التحليل الكهربائي» (Electrolysis).
- الهيدروجين البنّي: هذا اللّون يُستخدم كمظلّة لعدّة ألوان (البني، الأسود، والرمادي). تأخذ جميع العمليات الثلاث الوقود الأحفوري من الأرض وتحوّله إلى غاز الهيدروجين. لكن بطبيعة الحال، الإنتاج هنا أدّى إلى إطلاق ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي. ولا يُعد هذا النوع من الهيدروجين كامل النظافة.
- الهيدروجين الأزرق: يتم إنتاجه مثل البنّي، لكن مع اختلاف رئيسي في أنّ التقنيات المتطوّرة تُستخدم بعد ذلك لالتقاط نسبة من ثاني أكسيد الكربون الذي تمّ إطلاقه وتخزينه، غالباً تحت الأرض. يمكن أن تختلف كثافة الكربون في هذه العملية بشكل كبير. وتعدّ تقنيات الالتقاط على نطاقات أكبر مجالاً للتطوّر الكبير. ويمتلك الهيدروجين الأزرق القدرة على أن يكون وقوداً منخفض الكربون.

اليابان في الطليعة
رغم الإقبال الكثيف عليها، تُعاني السيارات العاملة بالطاقة الكهربائية من مشكلة جوهرية لم يتم إيجاد حلّ جذري لها، وهو الوقت الذي تستغرقه في إعادة شحن البطاريات. فعلى سبيل المثال، تستغرق سيارات شركة «تسلا» من 8 إلى 12 ساعة كي يتم إعادة شحنها بشكلٍ كلي عبر جهاز شحن منزلي. في حين أن تقنية «الشحن الفائق» (Super Charging)، والمتواجد بكثرة على الطرقات الأميركية، يمكنها شحن ما يوازي السير لمسافة 200 ميلٍ خلال 15 دقيقة (من أجل التخفيف من وقع الانتظار، يمكن من يشحن سيارته من نوع «تسلا» عبر شاحن سريع طلب فنجان قهوة من دون كلفة). كما أنّه حتى اللحظة، لا يمكن الاتّكال على تكنولوجيا البطاريات الموجودة حالياً ووضعها داخل السفن أو الطائرات. وزن البطاريات لتقديم الخدمة المطلوبة، سيكون هائلاً. ناهيك عن فترة إعادة الشحن. وهنا تحديداً، تظهر أهمية الهيدروجين. إذ يمكن تعبئته داخل المركبات بنفس آلية ملء الوقود تقريباً، وبنفس السرعة. بالإضافة إلى ذلك، وبدلاً من الانبعاثات التي تخرج من عادم السيارات، مع استخدام الهيدروجين سيخرج الماء. الأمور لا يمكن أن تصبح أنظف من ذلك.
الاستثمار بالهيدروجين يسمح بالتحرّر من سوق الطاقة العالمية


بحسب موقع «ستاتيستا»، تتقدّم اليابان على سائر دول العالم في عدد محطّات تعبئة الهيدروجين والبالغة 134 محطة. تليها ألمانيا بـ90 محطة، ثم الولايات المتحدة بـ46 محطة، فكوريا الجنوبية بـ43 محطة، والصين بـ39 محطة. وفي تحليل نشره مركز «CSIS» عن سبب تقدم اليابان في هذا القطاع، يُشير إلى أنّ كونها بلداً صناعياً متقدماً يعاني من نقص حادّ في موارد الطاقة، بما في ذلك أمن الطاقة والقدرة التنافسية الصناعية وسياسات خفض انبعاثات الكربون. وفي عام 2017، أصدرت اليابان استراتيجية الهيدروجين الأساسية، لتصبح أول دولة تتبنى إطار عمل وطني للهيدروجين. وتركّز اليابان بشكل كبير على تأمين الوصول إلى المواد الأولية للهيدروجين. لذلك بدأت في اختبار خيارات مختلفة للحصول على الهيدروجين. كما توفر الحكومة اليابانية تمويلاً كبيراً لمشاريع البحث والتطوير في هذا القطاع.
بالإضافة إلى ذلك، التزم عمالقة صناعة السيارات اليابانية «تويوتا» و«هونداي» بإنتاج سيارات عاملة بالهيدروجين منذ سنوات عدّة. وأصبحت البلاد رائدة في تكنولوجيا خلايا الوقود، وتحديداً مركبات خلايا الوقود (FCVs) الخاصة بسيارات الهيدروجين. كما يرغب القادة اليابانيون في تصدير هذه التكنولوجيا إلى بقية العالم. منذ آذار الماضي، استُخدم نحو 5.28 ألف مركبة كهربائية تعمل بخلايا الوقود في اليابان، وهي سيارات ركاب تعمل بالهيدروجين، علماً بأن عدد هذا النوع من السيارات كان 200 فقط عام 2015.
وعلى مدى العقود الثلاثة المقبلة، يُتوقع أن يزداد بشكل كبير عدد البلدان التي ستكون قادرة على إنتاج الهيدروجين المشتقّ من مصادر الطاقة المتجدّدة مقابل يورو واحد فقط لكل كيلوغرام. بالنسبة للكلفة، فإن تشيلي تصنّف حول العالم، المُنتج الأقلّ كلفة لإنتاج الهيدروجين الأخضر، مستفيدةً من بنيتها التحتية الحالية للطاقة المتجدّدة لتوليد ما يتراوح بين 3.5 يورو، و3.75 يورو لكل كيلوغرام.


لا مركزية السوق
لكنّ سوق الهيدروجين الأخضر لا يزال في طور النشوء. ورغم الاهتمام المتزايد بالفعل، من قبل صانعي السياسات وخبراء الصناعة في جميع أنحاء العالم، لإمكانية إزالة الكربون من القطاعات المتعدّدة كثيفة الانبعاثات، إلّا أنّ أقل من 1% من إنتاج الهيدروجين العالمي الحالي يتم إنشاؤه من خلال التحليل الكهربائي المتجدّد. في حين أن إنتاج الهيدروجين الأزرق بشكل تجاري، كان محصوراً في العام الماضي، بين منشأتين على مستوى العالم تستخدمان الغاز الطبيعي لإنتاج الهيدروجين، إحداهما بإدارة شركة «شل» في ألبرتا، كندا، والثانية بإدارة شركة «Air Products» في تكساس في الولايات المتحدة الأميركية، بحسب «Global CSS Institute».
عملياً، يسمح الاستثمار بالهيدروجين في التحرّر من سوق الطاقة العالمية. والدول التي كانت ذات يوم تعتدّ بنفسها باعتبارها ذي أهمية بحكم الجغرافيا والموارد النفطية، ستخسر مكانتها مع «لامركزية» صناعة الهيدروجين. فمن الممكن أن يشهد العالم سباقاً كبيراً نحو قيادة هذه التقنية المستجدة، ويرجّح أن تنخفض الأكلاف بشكل كبير مع تطور التقنيات والخبرة. كما أن الدول التي تتمتع ببنية تحتية تتيح لها استخدام مصادر الطاقة المتجدّدة بشكل أكبر، ستتمكن من إنتاج الهيدروجين الأخضر بكلفة أقل، وبالتالي تصبح قوة مركزية مشاركة في أمن الطاقة العالمي. بالإضافة إلى ذلك، قد يكون الهيدروجين هو العلاج «السحري» للمساعدة في تصفية أكثر من 35 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون المنبعث كل عام، وتغيير هذا الوضع الراهن.



النقل بحراً بلا جدوى
رغم تصدّر الشحنة الأولى من الهيدروجين السائل عناوين الأخبار العالمية، كجزء من مشروع دولي بقيمة 350 مليون دولار. إلّا أنّها قد تكون أيضاً مضيعة هائلة للمال. بحسب موقع «Rechargenews» المتخصّص. فالتقرير يقول «أنه إذا وضعنا جانباً حقيقة أن مشروع سلسلة إمداد الطاقة الهيدروجينية «قذر» (مصدره الفحم)، تبدو فكرة التصدير عن طريق السفن غير محتملة. وهذا ليس بسبب الانبعاثات، أو نقص السفن أو مرافق الموانئ المناسبة، ولكن بسبب الفيزياء والكلفة فقط». ووفقاً للوكالة الدولية للطاقة المتجددة، ومركز الأبحاث الألماني «Agora Energiewende»، سيكون من المنطقي اقتصادياً شحن الأمونيا (NH3)، وهو مشتق من الهيدروجين، بدلاً من الهيدروجين النقي.
في الواقع، إنّ كثافة الطاقة للهيدروجين بالوزن غير مهمّة عندما يتم نقلها في خزانات معدنية عملاقة، بل ما يهم حقاً هو كثافة طاقتها من حيث الحجم. «نقل الهيدروجين بالسفن ممكن تقنياً لمسافات أكبر حيث لا تكون خطوط الأنابيب خياراً». ويقول تقرير وكالة الدولية للطاقة المتجدّدة صدر أخيراً: «هناك عدة طرق لنقل الهيدروجين عبر السفن، لكن الأمونيا هي أكثر العوامل الواعدة».
وبافتراض وجود سفن من نفس الحجم، فإن الأمر يتطلب، نظرياً، أكثر من ثلاث شحنات من الهيدروجين السائل لنقل نفس كمية الطاقة مثل شحنتين من الأمونيا السائلة (LNH3). ويعني هذا أن تحويل الهيدروجين إلى أمونيا ثم شحنه واستخدامه أو تكريره مجدداً إلى هيدروجين هو أقل كلفة. وبالتالي، ورغم بدء تصدير الهيدروجين بحراً، إلّا أنّ العالم قد يتجه إلى نقله بشكل أمونيا في نهاية المطاف.