Serial Plaideur مرافعة مونودراميّة من أجل عدالة في متناول الجميع. بطلها المحامي الفرنسي الأشهر الذي يعيد هنا إلى المسرح فضيلته الأولى، كفضاء يحتضن النقاش ويدعو المشاهد إلى التفكير. شخصيّة إشكاليّة تحطّ رحالها الليلة في مدينة مأزومة، من شوارعها يتصاعد صدى كلمات جوفاء مثل «المحكمة» و«الحقيقة»


بيار أبي صعب
ليس فقط عرضاً مسرحيّاً بالمعنى السائد والمتعارف عليه للكلمة، ذلك الذي سيشاهده الجمهور اللبناني الليلة على خشبة الـ«ميوزكهول« (بيروت). نحن على موعد خاص مع رجل استثنائيّ وإشكاليّ، هو أحد الشهود الأساسيّين على جزء مهمّ (ومشوّش) من التاريخ المعاصر (راجع البورتريه معه في الصفحة الأخيرة من هذا العدد). جاك فيرجيس أيضاً مثقّف بالمعنى الفولتيري للكلمة، ولعلّه أشهر محامي فرنسا على المستوى العالمي

، بسبب القضايا التي انخرط فيها، والمتهمين «المشهورين» الذين قبل الدفاع عنهم (بين مناضل ثوري ومجرم نازي وزعيم سياسي مارس التطهير العرقي... وصولاً إلى ذلك البستاني المغربي المهاجر الذي اتهم بقتل ربّة عمله الفرنسيّة في التسعينيات). لعلّه يدين أيضاً بشهرته إلى طريقة استعراضيّة في التعاطي مع الإعلام، وخيارات سياسيّة راديكاليّة معادية للاستعمار... من دون أن ننسى بقع الظل في مسيرته، ومواقفه الملتبسة أحياناً، وتنظيره المثير للجدل لضرورة الدفاع عن أخطر المجرمين، لما للجريمة من قدرة على تسليط الضوء على ذلك الجانب الخبيء من إنسانيّتهم.
هذا المحامي الثمانيني الذي لاحقته الأوصاف والنعوت، من «الوغد المضيء» إلى «محامي الرعب» (عنوان فيلم كرّسه له السينمائي السويسري ــــ الفرنسي باربيه شرودر قبل ثلاث سنوات)... ليس ممثلاً في الأساس. ولم يخض في حياته تجربة مماثلة، قبل ذلك اليوم من خريف ٢٠٠٨ حين قرّر الوقوف على خشبة «مسرح المادلين» الباريسي، ليقدّم مونودراما حول «مهنة المحامي»، وروح القضاء وفلسفة العدالة. مونودراما بعنوان «سفّاح المرافعات»Serial Plaideur (*)، هو بطلها وموضوعها ومؤلّفها ومؤدّيها، شاركه في كتابتها لوي ــــ شارل سيرجاك الذي أخرجها أيضاً بالاشتراك مع ماري نيكولا.
يقف العمل عند تلك الحدود المشتركة بين خشبة المسرح وقاعة المحكمة، بين التمثيل والمرافعة، بين المجرم والبطل التراجيدي، ليقارن بين لعبتين خطيرتين: الأولى يبقى تأثيرها عند حدود المجاز والرمز والتأمّل الفكري والأخلاقي، فيما تنعكس الأخرى على الواقع مباشرة. المسرحيّة الأولى نعرف نهايتها قبل دخول القاعة، أما الثانية فتبقى خاتمتها مجهولة حتّى اللحظات الأخيرة التي تسبق صدور الحكم. هل يعرف القاضي الحقيقة في النهاية، أم يجد نفسه أمام تأويلات وقراءات مختلفة متناقضة ــــ انطلاقاً من الملفّ نفسه ــــ لتلك «الحقيقة»؟ كل ذلك سيتناوله فيرجيس، ليدافع عن فلسفته الأثيرة: ليست مهمّة المحامي تبرير الجريمة، ولا اختلاق الأعذار لها، بل محاولة فهمها خدمة للعدالة وللمجتمع. هنا يحيلنا الرجل ـــ في زحمة مراجعه الفكريّة والأدبيّة ـــ إلى ديدرو ومؤلفه المرجعي «مفارقات حول الممثّل». على الممثّل أن يقترب من الشخصيّة التي يؤدّيها من دون أن يتقمّصها تماماً، وأن يبقى نفسه في آن معاً، يقول ديدرو. على المحامي أن ينغمس في عوالم المجرم، من دون أن يتقمّصه ويندمج معه، يضيف «الوغد المضيء».
يجلس الأستاذ فيرجيس أمامنا في ديكور مطابق لمكتبه (الإخراج ليس أهم ما في العمل!)، مع تماثيله وسيجاره وقدرته الأثيرة على غواية جمهوره. يستحضر شخصياته الأثيرة الآتية من الأدب والتاريخ والواقع: أنتيغونا وجان دارك وفيليب سوريل وجاك باقر البطون وكتّاباً مثل ستاندال وجان جينيه. ينطلق من فرضيّة أنّ المجرم هو الذي يعيد النظر بنظام أخلاقي أو سياسي سائد في لحظة معيّنة. فالممنوع اليوم قد يصبح القاعدة غداً، من هنا ضرورة الوقوف عند نسبيّة الأحكام والمعايير. فيرجيس هو المتّهم هنا، وهو محامي الدفاع الذي يتحكّم كالعادة في أسطورته الشخصيّة. يردّ على منتقديه تاركاً للجمهور دور القاضي. يصعد إلى قمّة مسنّنة منها يطلّ على الهاوية، مواصلاً تطبيق استراتيجيّته الدفاعيّة الشهيرة القائمة على «تقنيّة القطيعة». يقدّم مرافعة من أجل عدالة في متناول الجميع.
كل ذلك يتخذ وقعاً خاصاً في بيروت، حيث يعيش القضاء، منذ سنوات، امتحانات صعبة عرفت ذروتها خلال الأسابيع الأخيرة. بل قل يتخذ العمل هنا بعداً تحريضيّاً مثيراً: في ظلّ خطاب موحّد ومنمّط عن «المحكمة» و«الحقيقة»، جاء جاك فيرجيس إلى بيروت كي يستأنف (منها) مسيرته الاستفزازيّة.



9:00 مساء اليوم ــ «ميوزكهول» (ستاركو) ــــ للحجز: 03/807555

(*) يلعب العنوان على عبارة إنكليزيّة معروفة هي serial killer التي تطلق على السفّاح الذي يرتكب جرائم متسلسلة. حلّت هنا كلمة «مرافع» بالفرنسيّة (plaideur)، مكان مفردة «قاتل» الأصليّة بالإنكليزيّة (killer)، لتبقى القافية نفسها في اللفظ الفرنسي. الترجمة الحرفيّة إذاً: «مرتكب المرافعات المتسلسلة»، فضّلنا عليها عنواناً جديداً «سفّاح المرافعات»