منذ أن درجت موضة المسلسلات المشتركة، كان واضحاً بأن إسفيناً يدق نعش الدراما السورية، حتى تردّدت قصص عن تصريحات لمنتجين معروفين أعربوا عن نيتهم بإنهاء شيء اسمه دراما سورية. لا يمت الحديث هنا بنظرية المؤامرة والاحتكام المجاني لها لأننا أمام ماكينة إعلامية تتحكم بها رؤوس أموال مهولة، لا تسمح أن تزدهر صناعة الدراما إلا وفق خاطر الحاكم بأمر المال.


وبناء على ذلك، من الأفضل أن يتحوّل تيم حسن الذي يعد أحد نجوم مسلسل «التغريبة الفلسطينية» (وليد سيف وحاتم علي ــ 2004) الذي استحوذ على رصيد مهم من وعي ووجدان الشارع العربي... من الأفضل أن يتحول إلى بطل من ورق في مسلسل «الهيبة» (هوزان عكو وسامر البرقاوي) أو إلى عاشق مخدوع في «نص يوم» (إعداد عن أفلام أجنبية وإخراج سامر البرقاوي) و«الإخوة» (دراما معرّبة لمجموعة مخرجين). ولا ضير بأن يصرف رجل اعمال ثلاثين حلقة من وقته ليستحوذ على زوجة رجل آخر في «تشيللو» (عن فيلم أجنبي سيناريو نجيب نصير وإخراج سامر البرقاوي). على أيّ حال، حتى صرعة الدراما المشتركة وفقاً لقواعدها الحالية باتت على أهبة الأفول، على الأقل بما يخص حصّة السوريين من المقاعد التمثيلية! إذ يفصح بعض العاملين في هذه الصناعة داخل لبنان ـــ من دون الكشف عن أسمائهم حفاظاً على مصدر رزقهم ـــ بأنهم صاروا مهددين بالبطالة، لأنّ بعض الأعمال اللبنانية الخالصة حققت على شاشاتها المحلية نسب مشاهدة مرتفعة جداً في المواسم الرمضانية الثلاثة السابقة، علماً بأن كلفة المسلسل اللبناني أقلّ بأشواط من المسلسل المشترك، وبالتالي سعر بيع الحلقة أقل بكثير. هذا الأمر دفع المحطات اللبنانية إلى الطلب صراحة من المنتجين بإنجاز أعمال محلية خالصة. مؤشر واضح إلى ازدياد عدد تلك الأعمال في الآونة الاخيرة، في حين بقي كبار المنتجين كصادق الصبّاح وجمال سنّان متمترسين بخياراتهم العربية المشتركة، كونهم لا يعتمدون على السوق اللبنانية. وغالباً فإن أعمالهم تنفذ وفق اتفاقات ومحاصصات مع محطات كبرى مثل MBC وغيرها. لكن هذه الأعمال بدأ تنفيذها بطريقة تجارية بحت حيث المتضرر الوحيد منها هو الممثل السوري على اعتبار بأن تلك الأعمال مباعة في كل الأحوال، ولن يكون هناك تعاقد مع ممثلين مصريين كونهم يتقاضون أجوراً عالية جداً. أما بالنسبة إلى الممثلين السوريين، فتنحسر الخيارات بثلاثة ممثلين يضمنون التسويق للخليج والسوق المصرية، وهم تيم حسن، وعابد فهد، وباسل خيّاط وبنسبة أقل قيس الشيخ نجيب.. فيما يستعان بممثلين شباب تركوا انطباعاً جيداً لدى مشاركاتهم مثل أويس مخللاتي ودانا مارديني وآخرين. هكذا، سيتقلّص حضور الممثل السوري، وتبقى حظوظ الكاتب والمخرج السوري أكبر لتقديم أعمال لبنانية خالصة، أو مشتركة تدور أحداثها في بيئة لبنانية. وهو ما حصل في «كراميل» و«جوليا» (كتابة مازن طه وإخراج إيلي ف حبيب، وإنتاج إيغل فيلمز) وهما عملان لبنانيان خالصان. وتكرر الشركة ذاتها تجربة العمل المشترك في «تانغو» (تعريب إياد أبو الشامات وإخراج رامي حنا يشارك فيه ممثلين سوريين فقط هما باسل خيّاط ودانا مارديني) وستكون للشركة تجربة مسلسل لبناني خالص بعد رمضان من كتابة السورية بثينة عوض. على الخط ذاته، تنتج شركة «الصبّاح» هذا العام مسلسلين هما «الهيبة» (سيناريو باسم السلكا إخراج السوري سامر البرقاوي) و«طريق» (عن رواية نجيب محفوظ إخراج رشا شربتجي). في العمل الأخير، يتراجع الحضور السوري مختصراً بالنجم عابد فهد، علماً أنه بحسب مصادر موثوقة، استبعدت الشركة مجموعة كتّاب أولهم ريم حنا، بعد تكليفهم بكتابة النص، بسبب رفضهم إنجاز السيناريو وفق رغبة ومزاج نجمته نادين نسيب نجيم التي تود الاستفراد بالبطولة. كل ما سبق تضاف إليه إمكانية استبعاد الفنيين السوريين تباعاً، إلا ممن تُلزمه الضرورة. علماً أنه خلال سنوات الحرب السورية السبع، أخضع الكاست الفني اللبناني عموماً لما يشبه دورة تدريبية حقيقية من خلال فرق فنية سورية، تعمل بخبرة عالية، وبأجر أقل، ولعدد ساعات طويلة، وبجدية أعلى، إضافة إلى ذلك، طرحت الأعمال العربية المشتركة التي سوّقت وقامت على جهود أسماء سورية، بعض الممثلين اللبنانيين كنجوم مثل طوني عيسى وميرفا القاضي...
في كل الاحتمالات، يفصح المشهد العام عن ضرورة ملحّة لإجبار الصناعة السورية على إعادة تموضع وإنطلاقة حقيقية من داخل دمشق، بأعمال صدامية، تسوّق لمحطات سورية يفترض أن تفتتح تباعاً، ومن ثم تسعى نحو قنوات حديثة بعضها مشفر، لكنها تطلب المسلسل السوري بكثافة مثل osn و bein دراما.