صحيح أن اللغة الفرنسية تراجعت كثيراً في لبنان، لكننا في الأصل بلد فرنكوفوني. هذا ما يبرر الحضور الدائم للأغنية الفرنسية في المهرجانات اللبنانية الدورية (الصيفية) أو في بعض المواسم (عيد العشاق مثلاً). هذه السنة هناك أربعة أسماء فرنسية، حوّلنا أحدها ــ كندجي جيراك ـــ إلى خانة البوب، نظراً إلى الغلاف الموسيقي الذي يحيط بتجربة النجم الشاب. هكذا، يتقاسم حصة الأغنية الفرنسية هذا الصيف مهرجانات «بعلبك» و«بيبلوس» و«صيف جونيه»، رغم الاختلاف النسبي بين الأسماء المدعوة وجمهورها المفترَض. في «بعلبك» حفلة للموسيقي ومغني الروك الفرنسي اللبناني الأصل، ماتيو شديد (4 آب)، المعروف باسمه الفني M، في «بيبلوس» أمسية لنانا موسكوري، في حين أحيا الفنان المخضرم جوليان كلير أمسية رومنسية في «جونيه».

ماتيو شديد (1971) هو نجل المغني الفرنسي لوي (لويس) شديد، وحفيد الأديبة اللبنانية الفرانكوفونية الراحلة أندريه شديد. شديد الابن مولود في فرنسا، في بيت أمّن له الأجواء اللازمة للتوجّه نحو الفن وصناعة الأغنية الفرنسية. بدأ مسيرته أواخر التسعينيات مع صدور باكورته Le baptême (1998) وحقق الشهرة الكبيرة بعد ألبومه الثاني Je dis aime الذي صدر عام 1999 (حوى أشعاراً لأندريه شديد، منها القصيدة التي أعطت اسمها للعمل بمجمله) وبات «ماركته المسجّلة» إذا صح التعبير، إذ لعب على الكلام بين Aime ولقبه الفني الذي يتألف من أول حرف من اسمه، أي «-M-». كذلك، اعتمد تسريحته الشهيرة التي ترسم بشكل ما هذا الحرف اللاتيني، ونظّارته المصمَّمة بالاتجاه ذاته. بعد ذلك، أصدر ديسكات عدة بين تسجيلات حية وألبومات استوديو، آخرها يعود إلى عام 2012. يعمل «أَم» ضمن الروك الكلاسيكي مع بعض الإضافات الحديثة (موسيقى إلكترونية، مشاركة DJ…)، ويميل أحياناً إلى السخرية والفكاهة في نصوصه كما في تعبيره. هذا توصيف لزائرنا، ليس إلّا. فتجربته عموماً بين الموسيقى والشعر تستدعي نقداً أقسى بكثير، ونجاح تجربته جماهيرياً في بلد غينسبور وبراسنس لا يلغي سذاجة بعض نصوصه ولا خفة بعض ألحانه.
في «بيبلوس» أمسية من الطراز القديم ذي الجودة العالية، إذ تزورنا المخضرمة نانا موسكوري (21/8)، صاحبة المسيرة الغنيّة التي تعود إلى أكثر من نصف قرن. موسكوري، إلى جانب الراحل جورج موستاكي، هي من أهم رموز الغناء في فرنسا (باللغة الفرنسية وغيرها) المتحدّرين من أصل يوناني. إنها صاحبة الصوت الفريد، والمسيرة الهادئة التي غنت فيها أنماطاً مختلفة (جاز، فولك، أوبرا، بوب،…) وبلغات عدة، لا تشكل الفرنسية إلا جزءاً منها، لكنه الجزء الأساسي. موسكوري الثمانينية لا تزال بكامل نشاطها، إذ أصدرت أخيراً ألبوماً جديداً بعنوان معبّر في هذا الاتجاه، هو «Forever Young». بعد أمسية ماكسيم لوفرستييه الممتازة (توصيفٌ نادراً ما نستخدمه) قبل سنتيَن في «بيبلوس»، ها هو المهرجان الجبيلي يحافظ على مستواه في هذه الفئة، ولو أن «جناح» الأمسية السياسي اختلف بين الأمس واليوم.