من الصعب تقديم وجبة سينمائية تخص الحرب السورية من دون طلقة واحدة أو مشهد فيه دمّ، بل من خلال الخوض في تفاصيل وجدانية وجردة حساب بانورامية مع تفصيل واحد يعمم على كلّ معطيات الضرب تحت الحزام الذي تعرّض لها السوريون في سبع سنوات عجاف. قرر النجم أيمن زيدان أن تكون أول مشاريعه في الإخراج السينمائي فيلم «أمينة» (عرض أوّل من أخيراً في «سينما سيتي» في دمشق- تأليفه مع سمّاح قتّال وبطولة: نادين خوري، قاسم ملحو، جود سعيد، لمى بدور، لينا حوارنة، حازم زيدان، نجاح مختار، عبد اللطيف عبد الحميد، كرم شعراني، بيدرو برصوميان). الشريط خطوة ضمن مشروع بدأه منذ عقود طويلة، لكن بمفاتيح معاصرة بدت الكفة الراجحة فيه للغة الإخراجية التي اختارت أماكن بكراً، وكوادر وزوايا مهمة ولمّاحة، تركت الباب مفتوحاً للدلالة والترميز بناء على البناء البصري لكل مشهد. الحكاية المكتوبة بسيطة تروي سيرة إمرأة يموت زوجها في المشاهد الافتتاحية للفيلم. نكتشف بأنها تعيش مع ابنتها وابنها وهو مصاب حرب، أفقدته إصابته القدرة على الحركة. تثقل الحياة كاهل المرأة بأعباء إضافية تبدأ من الحصار المادي وسندات أمانة وقّعها زوجها لرجل انتهازي، مروراً بمتطلبات الحياة المقفرة من كل علامات الارتياح في حده الأدنى، فضلاً عن رغبتها بالإبقاء على بيدر تملكه كونه التركة الوحيدة التي يمكن لها أن تفرج ضيقتها وتداري الأسود من قادم أيّامها. هكذا، تبدأ رحلة البحث عن عمل شريف تقتات منه وتتمكن من دعم عائلتها وابنتها الوحيدة التي تريد أن تطمئن عليها بأنها أصبحت معلمة مدرسة. تبرع السيدة في الرد على كلّ من يعتبر بأن ابنها «معاق» وأن الموت كان أسهل عليه. تفلت منها وحشية لبوة تحرس صغارها بدمها لأنها تعتقد بأن الأمل هو الحل الوحيد لإنقاذه. تشاء الأقدار بأن تعمل طباخة لدى عائلة ميسورة سيدتها امرأة لازمت الكرسي النقّال بسبب إصابتها بقذيفة هاون. لكن اليأس حاك خيوطه بقسوة حولها، فمنعها من أي خطوة باتجاه الشفاء. هنا تقرر أمينة أن تبرع في بث جرعات أمل في دروب حياة السيدة، إنطلاقاً من حلمها الأثير بأن يشفى ابنها. تروي لها قصة إصابته وتحكي بالاتكاء على مخيلتها الحالمة كيف تمكّن من الشفاء والعودة إلى حياته بشكل طبيعي، فتسهم القصة في إصرار المرأة على الشفاء لتكتشف ماذا فعلته أمينة لها. في المقابل، تبحث ابنتها عن حلّ لأخيها كونها لا تفهم عليه ماذا يريد في غالبية الأحيان، وتجد ضالتّها في السينما عندما تتابع مشهداً من فيلم The Diving Bell and the Butterfly (كتابة رونالد هاروود وإخراج جوليان شنابل) وتستقي منه طريقة للتعاطي مع أخيها من خلال كتابة الأحرف مبوبة على لوحة، وسؤاله عن الحرف الذي يريده لتشكيل الكلمة التي يقولها. تجابه الفتاة التي تعيش قصة حب مع شاب يقاربها في العمر والطموح، بدناءة الرجل الذي يمسك عليهم سندات أمانة، ويبدأ بحصارها ورغبته بالزواج منها لدرجة أنها تضعف أمام قسوة الحياة، لكنها تتراجع بفضل والدتها التي تقوّم مسارها، فتتعرض أمام أخيها لمحاولة اغتصاب تدافع فيها عن نفسها، لكن فجاعة المشهد تودي بحياة الشاب المصاب فتعود أمّه لتجده جثة هامدة رغم أنها كانت محملة بحلم تحرّكه على كرسي نقّال اصطحبته معها من البيت الذي تشتغل فيه!

الحكاية كان ينقصها التصعيد الدرامي اللازم، والحلول المؤثرة في صياغة منسوب أعلى من التشويق، وخلق حالة صدامية تكسر مزاج التلقي الرتيب بسبب اختيارها حلول بسيطة ومطارح متوقعة. القصة هي الحلقة الأضعف في الشريط، لكن عّوضت هشاشتها حلول إخراجية طازجة، وحركة كاميرا ذكية، وبناء بصري متماسك، وصورة سينمائية أعطت القصة بعداً واقعياً حقيقياً، وحافظت على التوازن السينمائي خاصة في المشهد الافتتاحي لزوج أمينة وهو يدرس القمح بطريقة بدائية، ومشهد الحمّام الذي تبدع فيه نادين بترجمة بصرية مؤثرة لحالة الأمومة والتماهي مع ابنها لدرجة أنها تقبّل قدميه وهي تحممه رغبة منها أن تدب الحياة فيهما من جديد. إلى جانب ذلك يبدو واضحاً الضبط الإخراجي الصارم للسوية الأدائية لدى كلّ الممثلين، ولعبهم بلغة العيون وتشكيل حالة نفسية عميقة ومتباينة لشخصياتهم بما تقتضيه المشاهد وبمنطق أدائي جوّاني موّفق. لكن يعاب على هذا الأداء فلتان اللهجة الساحلية من معظم الممثلين، خاصة أن السينما السورية قدمت أفلاماً كاملة بلهجة أهل الساحل حتى في مناطق نائية وقرى بعيدة!