اتفّق الكثير من المنظرين بفن التمثيل على أهمية تصدّر الممثل للعمل الفني، وإمكانية إيصاله وجهة النظر الإخراجية من خلال تكنيكه وسويّته الأدائية. لذا لا بد لأي لاعب تمثيل محترف أن يتبّع طرائق مرجعية في صياغة الشخصية التي يجسّدها، ولو ترك نفسه لأساليب معاصرة بالشغل. بمعنى أن يترجم شعوره الدرامي من خلال حركة نموذجية مدروسة، ولو عمل بصيغة تلقائية موغلة في العفوية وعدم المبالغة، إلا عندما يتطلّب الأمر إظهار براعة في استحضار حالة حسيّة محددة! من بين نجوم الدراما السورية قلّة تمتلك المفاتيح لتقديم بناء كوميدي صلب، يعتمد على الارتجال والذكاء الفطري وخفّة الظل إلى درجة صوغ حضور عند الجمهور، وفق حالة ربمّا تمكّنها من تطويع هذا الأثر لصالح أدوار تجافي الكوميديا، وتذهب نحو بحث إنساني في الحالة التراجيدية!

غالباً، يعتبر النجم أيمن رضا واحداً من هؤلاء الذين يتركون بصمة خاصة بهم. الملامح الكوميدية ظاهرة في كلّ دور يلعبه! حصل ذلك بشكل واضح عندما أدى دور «صابر» في «الانتظار» (كتابة حسن سامي يوسف ونجيب نصير وإخراج الليث حجو ـــ 2006). أما في الموسم الأخير، فقد انتزع الممثل المكرّس حضوره بدور صغير في مسلسل «عندما تشيخ الذئاب» (عن رواية بالاسم ذاته للراحل جمال ناجي ـ سيناريو حازم سليمان وإخراج عامر فهد). لعب رضا دور «أبو فاروق» السكيّر الذي يحيل مشاهده بذريعة براعته الأدائية، إلى مرّدات واقعية يمكن مصادفتها في كلّ حي شعبي. وربما يكون السبب وراء سحبه البساط نحو هذه الشخصية جعبة صاحبها الوافرة بأنماط مشابهة عايشها فعلياً، ونهل منها في حيّه الدمشقي الشعبي الذي يقيم فيه، وقد افتتح مرّة محل لبيع الدجاج وخالط شخصيات القاع ونماذج مسيّجة بالفقر والعوز، غير آبه بأي «بريستيج» مفترض يجب أن يقترن بصورة الممثل! هكذا، أطل «أبو فاروق» موغلاً في الصدق، كونه يمتلك نسبة وازنة من الحقيقة. نراه مع رفيقي دربه وبطلي الحكاية (الشيخ عبد الجليل) سلوم حداد و (جبران) عابد فهد. الأول هو الأزعر التائب دون معافاة من نفاق ولصوصية... مع ذلك، يلتف حوله مريدون أينما توجّه، لكن تصفعه وقاحة «أبو فاروق» عندما يناديه «جنزير» اسمه السابق الذي يفضح تاريخه، والثاني يساري تائه بين أرشيفه الشيوعي ومستقبله المحفوف بالمفاجآت، إضافة إلى مجابهته المتشدد عمران (محمد حداقي) وصفعه مرتين من دون خشيته في الحق لومة لائم! يفصح «أبو فاروق» عن عوالم إنسانية مركبة عندما يزيح الستار عن تعلّقه الزائد بابنته (هيا مرعشلي) الناوية على الزواج. التأرجح بين عمق الإنساني، ونكهة الكوميدي، ووقاحة السكّير الذي يمنحه الكحول جرأة إضافية، يخلق لعباً لشخصية من لحم ودم لا يمكن إلا أن يكون المشاهد قد مرّ بشبيه لها!
يلعب رضا بعفوية وتلقائية مفرطة، متكئاً على ما تفيض به ذاكرته الانفعالية، فتنجز أسلوبيته الأدائية، تسيّداً للحكاية، كأنه بطل العمل المطلق، رغم أنه يموت قرابة الحلقة العاشرة! كأن السؤال الذي سيلاحق صنّاع هذا المسلسل، لماذا قتلتم أبا فاروق باكراً؟ ربما كان وجوده سيمنح المتابع مزيداً من المتعة والرشاقة، وسط جلافة المرحلة الزمنية التي يعاينها العمل!