إنه الصيف الثاني على التوالي الذي ننعم فيه بأنشطة موسيقية حيّة ذات شكل موسَّع للفنان زياد الرحباني، بعد فترة العزلة التامة، المشؤومة والصعبة، التي مرّت عليه (وعلينا) بين خريف عام 2015 وربيع عام 2018. السنة الماضية، افتتح «مهرجانات بيت الدين الدولية» بأمسيتَين استثنائيتَين وبرنامج حوى مفاجأة موسيقية وغنائية وشملّ كل مراحل إبداعه الموسيقي والأنماط التي خلق من خلالها كمّاً هائلاً من التحف. زياد مثل الطبيعة، بالمقارنة مع الفنانين الآخرين (أساطير كانوا أم متواضعي المستوى) الذين هم أقرب إلى الحديقة المنزلية. معظم صنّاع الموسيقى في العالم، منذ أقدم العصور لغاية اليوم، برعوا في نمط واحد، أو اثنين أو حتى أكثر. لكن قلّما شهدنا في هذه المهنة رجلاً واحداً يمرّ على معظم المدارس والتيارات والألوان الموسيقية، في الشرق والغرب، النخبوية منها (يروّضها زياد لتصبح مقبولة شعبياً) والشعبية (يرتقي بها إلى المستوى الذي يثير إعجاب النخبويين). الطبيعة هي هكذا أيضاً. نجد فيها كل الأزهار والنباتات والأشجار، بخلاف الحديقة المنزلية التي قد تكون تحفة فنية، لكنها محدودة لناحية التنوّع. جمالها مرتّب، منمّق، يمكن الإحاطة به ومعرفة أسباب تناسقه. إنه الجمال الأليف. أما الطبيعة، فجمالها من نوع آخر. جمال التنوّع بذروته، في إطار جمالي غير قابل للإحاطة بأسباب روعة تناسقه. إنه جمال برّي، وعدائي أحياناً. هذه مقارنة بين عالمَين مختلفين. بين الصورة (الطبيعة والحديقة) والصوت (الموسيقى). لكن يمكن لهذه المقارنة، في إطار المثل ذاته، أن تكون صحيحة ضمن العالم الواحد، أي الصوت. فصوت الحديقة جميل. مثير للراحة. مهدّئ للأعصاب والروح. إنه صوتٌ أليف ومعروف المصدر. أما صوت الطبيعة، فهو ساحر، مثير للرهبة، ومجهول المصدر. سنقترح عليكم تجربة نظرية، لكنها قابلة وسهلة التنفيذ، إن أردتم المحاولة، لتوضيح هذه الفكرة. شغّلوا في غرفة واحدة عشرين مقطوعة موسيقية أو أغنية لفنان واحد، من أيّ نمط كان، من الكلاسيك إلى الجاز والروك والبوب الغربي والعربي، الراقي أو الاستهلاكي. هذا ممكن إن تأمّن عشرون هاتفاً خلوياً، إذ يمكن إيجاد معظم ريبرتوارات الفنانين على يوتيوب أو غيره من المنصّات. كرروا التجربة مع عشرين عنواناً لزياد الرحباني (شرط ألا تكون كلها من ريبرتواره الشرقي مثلاً، الذي يجب أن يُمثَّل بعنوان واحد، والجاز بواحد، والكلاسيك بواحد، والفانك بواحد، والبوب بعشرة [!]، وهكذا دواليك). «بيت الدين» السنة الماضية هي محاكاة لهذه التجربة النظرية، مع فارق وحيد أن العشرين عنواناً مرّت في الحفلة بشكل متتال لا متزامن! لمزيدٍ من الدقة، قد تقعون على أسماء قليلة في العالم مارست نوعاً من تعدد الأنماط في نتاجها، لكن هذا التعدد لن يكون بالتشعّب والشمولية (والمتانة الثابتة تقريباً) الذي يتميّز به ريبرتوار زياد.



هذه المقاربة سبق أن غصنا فيها أثناء تغطية افتتاح «بيت الدين»، وما من سبب للعودة إليها سوى أنها تحتل وجداننا منذ الصيف الماضي، وترفض الانتقال إلى مستودع الأفكار المعالَجة بشكل كامل ونهائي أو إلى حاوية المواضيع المنتهية الصلاحية في الدماغ، لسبب بسيط: لأن المسألة ستتكرّر في الحفلات المقبلة التي سنتناولها في السياق، ومن المفيد وضع الجمهور في حالة جهوزية للانتباه إلى هذه الخصوصية النادرة في مجال الموسيقى الحية، هنا، كما في أي مكان في العالم.
إذاً، بعد عودته (بصحةٍ ممتازة) من أوروبا التي سبقها مكوث لبضعة أسابيع في ألمانيا في ختام جولة الحفلات الموسيقية التي شملت عواصم ومدناً عدة بدءاً من برلين وصولاً إلى روتردام مروراً بباريس وبروكسل ولندن، يستعد الفنان زياد الرحباني للدخول في صيف حافل منذ يومه الأول، مع أولى حفلاته الكبيرة التي يستضيفها، الليلة، متحف «نابو» (منطقة الهري الساحلية/ شمال لبنان) وتحمل عنوان «بما إنو…». هذا الموعد، الذي صَمم ملصقه المميّز التشكيلي العراقي المخضرم ضياء العزاوي، يأتي كمقدّمة لسلسلة إطلالات، في لبنان وخارجه، أوّلها وأضخمها تلك التي يقيمها زياد على واجهة بيروت البحرية في 19 تموز (يوليو) المقبل، ضمن مهرجان «أعياد بيروت» الذي يعود إليه الرحباني للمرة الثالثة (بعد مشاركتَيه المتتاليتَين عامَي 2013 و2014).
تقديم أعمال جديدة ومشاركة حازم شاهين، ودعاء سباعي

في الحالتَين، سيكون الجمهور مع برنامج استثنائي: في «نابو» البرنامج يميل إلى الغنائي/الشعبي، تنفّذه فرقة كبيرة وكورس، بالإضافة إلى منال سمعان وحازم شاهين (غناء منفرِد). أمّا في بيروت فسنسمع أعمالاً جديدة للمرة الأولى، وبنسخة «نهائية» شكلاً، بما أن الأوركسترا التي سترافقه مكتملة النصاب لناحية عائلات الآلات وتنوعها وعدد الموسيقيين في كل قسم منها. والأهم أن الموسيقيين الهولنديين الذين شكّلوا فرقته في الجولة الأوروبية، سيرافقونه في بيروت، ما يدفعنا إلى التأكيد المسبق على مستوى التنفيذ العالي الذي ستشهده الأعمال المدرجة على البرنامج. أما الحدث الأبرز في إطار هذه الأمسية، فهو مشاركة مغنية الجاز الأميركية ليزا سيمون (1962)، ابنة إحدى أكبر رموز الغناء الأسود في القرن العشرين، الراحلة نينا سيمون. هذه الإطلالة هي شرف متبادل بين الطرفين، على الرغم من أن أهمية المضيف، فناً وريبرتواراً وخبرةً، أكبر بما لا يقاس من قيمة الضيفة الفنية، المحترمة لا شك. أن تكون المغنية، التي سبق أن زارت لبنان قبل سنتين (بعلبك)، ابنة نينا سيمون، هو عنصر دعم كبير لها، وموضع تقدير واحترام من جهتنا، لكن ليس له أي توظيف (باستثناء الشق المعنوي) في الكيان الفني العام لليزا سيمون، ونقصد صوتها وإنجازاتها الفنية الخاصة (أغانيها وألبوماتها). زياد أيضاً ابن أساطير عالمية. لكن، إن نزعنا عنه أي علاقة بأهله، سيبقى كبيراً بإنجازاته الشخصية المستقلة، في الموسيقى وفي المسرح أيضاً. ستغني ليزا سيمون في الأمسية مجموعة من أغنيات والدتها الشهيرة، لكن الجزء الأكبر من البرنامج محجوز طبعاً لريبرتوار زياد، الذي سيشارك في تنفيذه، في الشقّ المغنّى، الفنانَان المصريَّان، جبل الأداء الحسن حازم شاهين الذي بات جزءاً من أنشطة زياد الحية، وذلك في كل ما يميل نحو الشرقي في البرنامج، والشابة دعاء سباعي التي قدّمت مساهمة محترمة في حفلة الرحباني في القاهرة الخريف الماضي، وذلك في الريبرتوار ذي الطابع الغربي عموماً.
فُتِح باب «المعمل». معمل الجمال Notta Studio. دخل زياد والموسيقيون والتقنيون والمساعدون والمتطوّعون. انطلقت التمارين المكثّفة. تمارين على البرنامج بالنسبة إلى الجميع… وعلى الاستمرار بالنسبة إلى زياد.



حفلات ومشاريع
بعد افتتاح «مهرجانات بيت الدين الدولية» السنة الماضية، أحيا الفنان زياد الرحباني عدداً كبيراً من الحفلات والأمسيات في المناطق اللبنانية. جال مع فرقته بين قلعة الشقيف (أرنون) وصيدا، وبين حراجل والضبية، ومن «المركز الثقافي الروسي» إلى عدد من الحانات والنوادي في بيروت وخارجها. قدّم بعدها حفلة في القاهرة في ثالث زيارة له إلى مصر، ثم قام بجولة شملت خمسة بلدان أوروبية وعاد إلى بيروت منذ أسابيع وكانت له أيضاً نشاطات موسيقية عدة، آخرها في الـ«باروميتر» (الحمرا). أما بعد حفلتَي «متحف نابو» و«أعياد بيروت»، فسيحيي في آب (آغسطس) عدّة حفلات من بينها اثنتان خارج لبنان، في تونس (2 و3/8)، قبل أن يعود إلى الوطن ليحلّ ضيفاً على جزين جنوباً (9/8) ثم على رحبة شمالاً (11/8). من جهة أخرى، وبعد موسيقى فيلمَي «متحضّرات» و«طيارة من ورق»، ستصدر قريباً جداً تسجيلات حيّة قديمة في ألبوم من أسطوانتَين (double album)، وقد تشهد السنة الجارية أو مطلع السنة المقبلة صدور تسجيلات من جولة أوروبا وولادة عمل موسيقي/ غنائي جديد لزياد، مؤجّل منذ سنوات، بالإضافة إلى مشاريع متفرّقة أخرى مع فنانين لبنانيين وعرب… من بينها واحدٌ سيكون له وقع المفاجأة من العيار الثقيل إن سلك طريقه إلى التنفيذ. في هذه الأثناء، يمكن متابعة حساب زياد الرحباني على Vimeo الذي بات يحوي كمية كبيرة من المواد بالصوت والصورة أو بالصوت والصوَر.


البرامج
يميل برنامج حفلة «متحف نابو» هذا المساء إلى الأجواء الغنائية الشعبية من ريبرتوار زياد الرحباني، ويطال بمروحته الواسعة أعمالاً منذ ما قبل الحرب لغاية الجديد وغير المنشور منها، أو التي لم تقدَّم أبداً في الحفلات. أما في «أعياد بيروت»، فجزء من البرنامج محجوز بطبيعة الحال لمساهمة المغنية السمراء ليزا سيمون التي ستؤدي باقة من أغنيات والدتها، أما الجزء الآخر، فيحوي مقطوعتين موسيقيّتين جديدتين (واحدة كانت معدّة لافتتاح «بيت الدين — 2018» وأخرى أيضاً كانت قيد التحضير لتكون في برنامج الأمسية التي ألغيت عام 2010 في المهرجان الشوفي) بالإضافة إلى «ديار بكر» و«أمراض مزمنة داخلية» ومقدّمة مسرحية «مارتن» (المؤجّلة منذ سنوات!)، بالإضافة إلى عناوين تقدّم للمرة الأولى في عزفٍ حيّ، مثل «المعمل» وDrink وموسيقى الفينال في مسرحية «نزل السرور» وموسيقى «طيّارة من ورق» (نسخة غير التي تُقدَّم عادةً) وغيرها. أما الأغاني، فتراوح بين ريبرتوار زياد/ فيروز وبعض الكلاسيكيات والعناوين الجديدة، لن نذكرها الآن، لأسباب عدة، من بينها التعديلات التي يُحتمل أن تطرأ على البرنامج.
في هذا الخصوص، يجب أن نشير، ربما للمرة الأولى، إلى أن علاقة زياد ببرامج أمسياته خاصّة جداً. فهو دائم القلق والتفكير في هذا الشأن. الموسيقيون الذين يعملون معه يعلمون ذلك. يدركون أن زياد قد يطلب من الفرقة تمارين على مقطوعة جديدة (أو على إضافات في التوزيع) قبل ساعات من الحفلة، في حين أنّ البرنامج النهائي يتسلمون نسخة منه قبَيل صعودهم على المسرح بدقائق… عفواً، البرنامج غير النهائي!