بَطُلَ العجب متى بدأنا في صياغة هذه السطور. فأحد ضيوف «مهرجانات بيبلوس الدولية» هو مارتين غاريكس (3 آب/ أغسطس) والشاب العشريني لا نعرفه إلّا بالاسم. نعرف أيضاً أنه DJ. أكثر من ذلك، لا شيء. كنا سنكتفي بهذا القدر المحدود من الاطلاع عليه. هذا أكثر من كافٍ، على المستوى الشخصي. لكن على المستوى المهني، وبفعل مشاركته في أحد مهرجانات الصيف اللبنانية، وَجَبَ التعمق في الموضوع إلى ما تحت القشرة بقليل، لا أكثر طبعاً. فالوقت، أثناء العبور السريع على الوجود، أثمن من أن يُهدَر بهذا الشكل النافر من المجّانية. تحت القشرة بقليل يعني، أولاً، وفي هذه الحال بالذات، أن نجد تفسيراً لأنفسنا عن سبب إدراج هذه الحفلة في «بيبلوس» للمرة الأولى منذ إطلاقه. عادةً، شلة الـDJ’s العالميي الشهرة يأتون بشكل مستقل إلى لبنان، ويحيون سهرات في أماكن مثل الـ«بيال» أو ما يعادله. ندخل إلى يوتيوب، فتفرّ من الشاشة الأرقام العشرة من عدد مشاهدات أحد كليباته: مليار وكذا… يا إلهي! أما الحفلات الكاملة (تسجّل عادةً أرقاماً منخفضة، لطولها ولأسباب أخرى) فتصل أرقامها في أحد النماذج إلى 62 مليون مشاهدة! ناهيكم عن شعور التأكّد النهائي أن البشرية ليست بخير، تفسّر هذه الأرقام الاتجاه الجديد الذي اتخذه منظمو المهرجان الجبَيلي في سياسة البرمجة. نحن على يقين، ونتمنى أن نكون مخطئين وأن تُخرِّسنا في المستقبل اللجان المنظمة للمهرجانات الكبيرة الأخرى، أننا سنشهد مواعيد مماثلة على برامج الدورات المقبلة (من ضمنها تكرار التجربة في «بيبلوس»). فالأرقام تفتح الشهية، وشيطان المال سيبتسم منتصراً على ملائكة الجمال.

مارتين غاريكس هو DJ هولندي، يعد من العشرة الأوائل في العالم. ومعيار الترتيب هذا هو مدخوله السنوي، لا حجم عبقريته الموسيقية وتفانيه الفني. إنه من نادي الشباب الذين يقفون على المنصات العالية كالآلهة، كالأباطرة الرومان، ويرفعون أيديهم رمزياً للدلالة على السيطرة الكاملة التي سيمارسونها على أجساد آلاف المراهقين والشباب المنتشين (الحضور الواعي لهكذا سهرات يعدّ ضرب هبل) وسيحرّكونها كما تشاء إرادتهم من خلال جيوش برامج الصوت والمعدات ولواء الدعم الخلفي من إضاءة ومؤثرات، صُمِّمَت لترفع من حالة استسلام الحاضرين. أمسية الـDJ الشهير لا تحتاج إلى حث الناس على حضورها ولا إلى ثنيهم عن التجربة. ستحصل بالشكل الذي ستحصل به مهما قيل. كما أنها لا تحتاج إلى تقييم فني أو موسيقي ولا إلى عرض ريبرتوار وتناول إصدارات.
لكن، يبقى أجمل شعور عندما يحاول أحدهم أن يقنعك بكم هي مشغولة هذه الموسيقى وكيف يدخل هذا الصوت هنا ليمزج مع تلك «القشطة»، وكيف تُعجن النبرات بعبقرية تتخطى سترافينسكي، وكيف تسير الأصوات المختلفة وتصعد وتنزل وتتداخل بعبقرية أخرى تتخطى باخ (يتمتّع الـDJ بعبقريتَين على الأقل. بعضهم لديه ثلاثة). يا حبيبي، إنت كنت مرتاحاً لهذه الموسيقى وتستسيغها، وترى أنها تناسب مزاجك، فليكن، لكن دعك من شرح أهمية الرجل الذي وراءها، الـDJ الذي لا نرى فيه إلا شخصاً يستغل كل ما صنعته البشرية (علوم، موسيقى، فنون، معلوماتية…) وحنكته لا تكمن سوى في قدرته على شراء المعدات الحديثة وتعلّم كيفية تشغيلها. لاقِ إلهك الذي سيسيطر على كل حركة ستقوم بها مع الجمهور المخدّر بالأصوات المكرّرة، ولا تنس أن تدّخِر نصف ما تيسّر من مواد في جيبك للاحتفال بحضور الحفلة بعد الحفلة.