القاهرة | عن ثمانين وثلاثة أعوام، رحلت أمس نجمة السينما المصرية نادية لطفي (1937- 2020)، بعد سنوات طويلة من مقاومة المرض والشيخوخة، ظلت خلالها ــــ خاصة حين كانت تتحسن صحتها ومزاجها ــــ محتفظةً بشباب القلب والعقل، متفائلة وجريئة ومحبة للناس وللحياة، قادرة على إثارة البهجة والولع بضحكتها المنطلقة ذات البحة المميزة.

كانت نادية لطفي باختصار واحدة من أجمل وأبرع نجمات العصر الذهبي للسينما المصرية خلال الخمسينيات والستينيات والسبعينيات. بالإضافة إلى ذلك، كانت واحدة من أرقى هؤلاء النجمات بثقافتها ومواقفها الوطنية وأخلاقها.
عقب هزيمة الـ 1967، شاركت نادية لطفي مع مثقفين وفنانين آخرين في حملة جمع التبرعات للمجهود الحربي، وزيارة الجنود على الجبهة. وخلال حرب أكتوبر، كانت من أوائل المتطوعين في المستشفيات لزيارة الجرحى، وقد ظهر ذلك في وثائقي «جيوش الشمس» لشادي عبد السلام.


وخلال الاجتياح الاسرائيلي لبيروت في 1982، كانت نادية لطفي في لبنان، حيث صوّرت الكثير من الشرائط عن المقاومة، للأسف لم تخرج إلى النور حتى الآن، لكنها لا تزال في بيتها.
أنتجت نادية لطفي عدداً من الأفلام الوثائقية من بينها «دير سانت كاترين» للمخرجة نبيهة لطفي، في وقت لم تكن فيه هذه الأفلام سوى مغامرة انتاجية خاسرة. وهناك أيضاً العديد من القصص عن مواقفها الانسانية مع زملائها، حيث لم تبخل بالمال أو الجهد من أجل انتاج أعمال فنية جادة. ومن أشهر هذه القصص موقفها مع شادي عبد السلام في فيلم «المومياء» (1969)، وتطوعها بالظهور في مشاهد محدودة حتى يحمل الفيلم اسم نجمة جماهيرية، لتجاوز العقبات الانتاجية التي وضعها المسؤلون عن الانتاج.
شائعة غريبة لاحقت نادية لطفي طوال عمرها تقول بأنّها من أصل أوروبي وأن أمها بولندية وأن اسمها الحقيقي هو بولا. والحقيقة أن نادية لطفي صعيدية أباً عن جد، أبوها هو محمد مصطفى شفيق، وأمها فاطمة من محافظة الشرقية شمالاً. ربما تكون قد ورثت عنها بعض الملامح الأجنبية من جد قديم، حين كانت الشرقية موطناً للمماليك المتقاعدين منذ قرون. والخلاصة أن جينات نادية لطفي الوراثية مصرية خالصة، ليست فيها دماء بولندية أو أوروبية بالرغم من أنها قد لا تبدو كذلك!
بقدر ما خدمت ملامح نادية لطفي الجميلة نجوميتها ومسيرتها الفنية، بقدر ما حددت وحدّت طبيعة هذه الملامح من مسيرتها، وشكّلت صورتها وأدوارها والتصورات الشائعة عنها لدى الجمهور.
أول ما يلفت الأنظار إلى نادية لطفي هو بنيانها العظمي القوي والعريض والجسم المستقيم المعتدل التضاريس، على عكس البنيان الضئيل، الهزيل العظام، المنحني إلى الأمام بعض الشيء الذي نجده لدى فاتن حمامة وسعاد حسني ومنى زكي مثلاً.
ينتمي وجه نادية لطفي المنحوت إلى البنيان العظمي نفسه: جبهة عريضة ناصعة، إلى جانب وجنتين بارزتين وفك قوي، وملامح هذا الوجه من عينين وأنف وشفاه كبيرة ومرسومة بوضوح مثل تمثال فرعوني أو لوحة من عصر النهضة.
هذه الملامح تتسم أيضاً بأنها «عالمية» يمكن أن تنتمي إلى أي عرق أو جنسية، ولون بشرتها الأبيض الأوروبي، وشعرها، عندما كانت تصبغه بالأصفر، كانت تبدو مثل شقراء من أوروبا الشرقية. وعندما تتركه على لونه الكستنائي المموج، تبدو إسكندنافية، تذكرك مثلاً بجولي كريستي في «الدكتور زيفاغو».
لكن وسط ذلك كله، تصعد عينا نادية لطفي العسليتان المكحلتان، المزينتان بحاجبين عريضين مقوسين، كما لو كانت ملكة فرعونية قادمة من وراء القرون. لكن حين تقترب الكاميرا من هاتين العينين، فإنها تنقلان ضعفاً وخجلاً عربيين، وبهذه العيون الجريئة الخجلة، استطاعت نادية لطفي أن تعبر عن انكسار وانتصار المرأة المصرية، ربما أكثر من أي عيون أخرى في السينما.
منذ سنوات، احتلت عينا نادية لطفي ملصق «مهرجان القاهرة السينمائي» عام 2014، وكان من أبرز وأنجح بوسترات المهرجان، حيث تجلى في هذه العينين العصر الذهبي للسينما المصرية كلها، بسحره وجاذبيته وغموضه الروحاني، في تكرار لما فعله المخرج شادي عبد السلام في رائعته «المومياء» عندما حول عيني نادية لطفي إلى أيقونة ورمز للغواية والشجن والخجل.
لم تستغل عينا ولا طاقات نادية لطفي كما تستحق، وكل تاريخها الفني يضم سبعين فيلماً فقط على مدار حوالي ربع قرن من 1959 حتى 1986. ولم يكن هناك عدد كاف أو جيد من الأفلام التي تستوعب امكانياتها التعبيرية، والتي يمكن أن نراها كأفضل ما يكون مع مخرجين أمثال يوسف شاهين، وكمال الشيخ وشادي عبد السلام... والثلاثة تجمع بينهم ثقافة ومزاج «أرستقراطي» إذا جاز التعبير.


مع شاهين، أشرقت نادية لطفي مثل شمس شتوية ذهبية في «الناصر صلاح الدين» من خلال دور «لويزا» الأوروبية الطيبة التي تقع في غرام محارب عربي. ومع كمال الشيخ، تألقت تحت اضاءة الأبيض والأسود التعبيرية المستلهمة من أسلوب الـ«فيلم نوار» الذي تعتمد على التباين بين النور والظل، خاصة في فيلم «الخائنة». هنا بدا جمالها كما لو كان مخلوقاً لمثل هذه الإضاءة التعبيرية. ويتأكد ذلك من خلال أفلام أخرى تحمل الأسلوب نفسه مثل «المستحيل» لحسين كمال. مع شادي عبد السلام الذي ظهرت معه في «المومياء» لدقائق معدودة تتوسط الفيلم، أخفت نادية لطفي جسدها ورأسها تحت عباءة سوداء وقرمزية، لا يبدو منها سوى عينيها ومقدمة وجهها: عيناها الغاويتان الهاربتان تترددان مثل صدى بصري لصورة قلادة عيني حورس الذهبية التي يسرقها شيوخ القبيلة من إحدى المومياوات بعد فصل رقبتها. «زينة»، الفتاة الصعيدية التي يمتهنها قواد وتاجر آثار وضيع، هي أيضاً كنز دنسته أيادي الرجال الأخساء مثلما دنست عيني حورس الذهبية. من اللافت أن نادية لطفي لم تظهر مع شاهين والشيخ سوى في فيلمين لكل منهما، إلى جانب الفيلم الوحيد لشادي عبد السلام. في المقابل، وصل عدد الأفلام التي شاركت فيها مع حسام الدين مصطفى إلى سبعة، ومع أحمد ضياء الدين إلى ستة، وأربعة مع كل من محمود ذو الفقار وحلمي حليم، وثلاثة مع كل من حسن الإمام وحسين كمال، ثم شاركت في فيلم أو اثنين مع عدد آخر من المخرجين.
تألّقت مع مخرجين أمثال يوسف شاهين، وكمال الشيخ وشادي عبد السلام


حسام الدين مصطفى رأى في جسدها الجميل وشخصيتها القوية إشكالية المرأة العربية كلها. من «النظارة السوداء» (إحسان عبد القدوس) إلى «قاع المدينة» و«على ورق سوليفان» (يوسف إدريس) مروراً بـ« السمان والخريف» (نجيب محفوظ)، لعبت نادية لطفي أطيافاً من تصورات الأدباء والمثقفين للمرأة الجديدة. وحين تضيف إلى هذه القائمة «لا تطفئ الشمس» (إحسان عبد القدوس) الذي أخرجه صلاح أبو سيف و«قصر الشوق» (محفوظ) الذي أخرجه حسن الإمام، و«أبي فوق الشجرة» (عبد القدوس) الذي أخرجه حسين كمال، وأعمالاً أخرى مأخوذة عن كتّاب من الصف الثاني مثل «المستحيل» لمصطفى محمود و«عدو المرأة» لمحمد التابعي و«غراميات مجنون» لأمينة السعيد... يمكن القول إجمالاً إنّ نادية لطفي هي أكثر ممثلة مصرية ظهرت في أفلام مأخوذة عن أعمال أدبية، أو كتبها أدباء مباشرة للسينما. أمر لا يرجع فقط إلى ثقافتها وميولها الشخصية، بل أيضاً إلى صورة نادية لطفي في عيون هؤلاء المخرجين والكتاب والجمهور عامة.
بالرغم من أن نادية لطفي لعبت أدواراً جريئة جداً بمقاييس السينما العربية، بخاصة في أفلام مثل «قصر الشوق»، و«قاع المدينة» و«أبي فوق الشجرة»، والثلاثة جسدت فيها شخصية العاهرة الأليفة لدى صناع السينما المصرية، إلا أنها ظلت في منأى عن هجمات المتطرفين وشتائم المراهقين التي نالت من معظم «نجمات الإثارة والإغراء». ولعل السبب هو شخصيتها القوية المثقفة التي كانت تنأى بها عن الابتذال والسطحية التي يتسم بها الوسط الفني والعاملون فيه عموماً.