القاهرة | فجأة تراجعت إلى خلفية المشهد مصيبة كوفيد 19 وضحاياه، وأخبار الانهيار الاقتصادي والاضطراب السياسي اللذين يمر بهما العالم... حتى أخبار المعتقلات والسجون وانتشار الجرائم والانحرافات الأخلاقية والعنف الاجتماعي والمنزلي لم تعُد مهمّة، فها هو الممثل يوسف الشريف يعلن أنه لا يقبل أن «يلامس» زميلاته الممثلات، ويشترط في عقوده مع شركات الإنتاج أن تخلو أعماله من المشاهد «الساخنة» بين الرجال والنساء، ليس خشية من الكورونا، أو الإيدز (!)، ولكن خشية إغضاب الله وجمهوره المتديّن!

فجأة، اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام بين معارض ومؤيد، واندلعت معركة «فكرية»، «أخلاقية»، «دينية»، تستمر منذ أيام، من دون أن يبدو في الأفق أيّ بوادر لانتهائها أو لحسم نتيجتها لصالح أحد الأطراف.
ربما لا يستحقّ يوسف الشريف ولا تصريحاته هذه الضجة، ولا هذا المقال بالتأكيد، ولكن ما يستحقّ أن نلتفت إليه هو الضجة نفسها، التي انفجرت من لا شيء، أو من أشياء أخرى لا علاقة لها بأهمية الممثل وتصريحاته.
على السطح، يبدو أن المعركة تعبير عن صراع بين أنصار الحرية لدرجة التعري وممارسة الحب على الشاشة، ومن يرون أن هذا حرام (بدرجات تراوح من رفض التعري والجنس السافرين فقط لحدّ تحريم التمثيل نفسه وظهور حتى وجوه النساء)، ويبدو أن هذا الصراع امتداد لضجة افتراضية أخرى استمرّت لأسابيع عقب انتحار الناشطة السياسية المثلية سارة حجازي، التي خاض فيها التيار العلماني حرباً يائسة ضد أنصار الدولة من ناحية وضد خصومها الإسلاميين من ناحية ثانية! قبل سارة، كانت هناك ضجة صغيرة أخرى شهدها شهر رمضان الماضي عقب إعلان الممثل هشام سليم قيام إحدى بناته بالتحول إلى رجل، وضجة أخرى بعد الهجوم التتري الذي تعرّضت له صفحة الممثل شريف منير عقب نشره صورةً ترتدي فيها ابنتاه الصغيرتان ثوبي الاستحمام!
لكن إذا كان الجدل الاجتماعي الذي أثارته أخبار «العبور الجنسي» لابن هشام وانتحار سارة مبرّراً (في مجتمع يعاني من حساسية مفرطة تجاه هذه المسائل)، فإن تصريحات يوسف الشريف والجدل المثار حولها يبدوان غير مبرّرين (وربما عبثيين) لأسباب عدة.
يبدو يوسف الشريف مثل «بروتس» في مسرحية «يوليوس قيصر» لويليام شكسبير (لا أعتقد أنه يعرفها)، يحاول تبرير جريمة ما، أو «بطحة» على رأسه (لا أعتقد أن الجمهور يعرفها)، ولكن لنفترض مبدئياً، مثل «أنطونيو»، الذي عرى جريمة «بروتس»، أن يوسف رجل «شريف» ونتأمل حديثه عن قرب: كانت بداية الشريف في السينما، قبل تحوّله إلى التلفزيون، وكان أول أفلامه «7 ورقات كوتشينة» أمام روبي، وآخرها «هي فوضى» ليوسف شاهين، وكلاهما احتويا على مشاهد «حميمية» تعد جريئة بمقاييس السينما المصرية. لكن مثلما يحدث في كثير من الأحيان، يتعرض الممثلون لانتقادات بسبب هذه المشاهد، تُشعرهم بالخزي والعار، ويفشل أكثر هؤلاء، بحكم ثقافتهم المتواضعة وشخصياتهم المتناقضة (مثل بقية المجتمع، بين الرجعية والحداثة)، في صياغة خطاب متماسك يحافظ على توازنهم النفسي، ولذلك ينتكسون غالباً إلى «أخلاقيين» متزمتين، حتى لو كان هذا على الشاشة وأمام الجمهور فقط.
لم يتخلَّ الشريف عن السينما باختياره. على العكس، حاول تقديم أكثر من عمل ولكنه فشل تماماً في أن يصبح نجماً سينمائياً، مثل أحمد السقا أو أحمد عز أو محمد رمضان، واضطر لأن يلجأ إلى التلفزيون لاعباً بعض الأدوار الثانوية والبطولات المشتركة، قبل أن تأتي الفرصة مع مسلسل «رقم مجهول» في رمضان 2012، في توقيت كان يسيطر فيه الإسلاميون على الحكم. وقد قدم الشريف نفسه لجمهورهم كبطل «أكشن» أخلاقي، تخلو أعماله من الجنس والنساء.
الغريب هنا أن الشريف يتفاخر بعدم وجود مشاهد حميمية في أعماله، مع أنّ المسلسلات المصرية لا تحوي أي مشاهد حميمية أصلاً، وتاريخ الدراما التلفزيونية المصرية، بطوله وعرضه، يخلو من قبلة أو مايوه بيكيني أو مشهد عار أو حوار جنسي واحد. حتى عندما يلجأ بعض المخرجين والكتّاب أحياناً إلى التعبير عن الإثارة بالملابس الضيقة أو تعرية جزء من الساق أو الكتفين أو وضع حوار يحتوي على بعض الإيحاءات، فإن القيامة تقوم عليهم ويتعرّضون للجلد والرجم من وسائل الإعلام ونواب مجلس الشعب والمحامين وبقية حماة الأخلاق، ما أدى إلى حالة من «الجفاف» العاطفي الشديد ليس لها نظير ولا حتى في الدراما الإيرانية التي تخضع لرقابة آيات الله!
ما الذي يقصده الشريف، إذن، بـ«المشاهد الساخنة» إذا كانت المسلسلات تخلو بالفعل من التلامس البدني بين الرجال والنساء، كما تخلو من العري، باستثناء عري الرجال بالطبع، الذي يمكن أن يقبل به، ويحبذه، الشريف، ليكشف عن عضلاته النافرة، التي تستقطب جمهوره من الرجال والنساء؟
ربما كان الشريف يدافع عن شيء آخر بدا واضحاً في مسلسله الأخير «النهاية» لا علاقة له بالمشاهد الساخنة، ولكن بالنظرة الرجعية للمسلسل تجاه النساء والمستقبل بشكل عام، إلى درجة أن النساء بعد قرن من الآن تظل أدوارهن محصورة في الزوجات والعشيقات وسكرتيرات القادة. إذ يخلو العمل من دور نسائي قوي واحد، إلى درجة أن الروبوت الذي يؤدي دوره يوسف الشريف يردّد عبارات من نوعية أن «الزواج هو الشكل الوحيد للعلاقة التي يمكن أن تنشأ بيني وبين أي واحدة»، و«أنا لا أقيم علاقة مع واحدة إلا إذا كنت متزوجها»، بغض النظر أيضاً عن أنه يقول بعد حلقات عدة عن المرأة التي كانت زوجته: «كلمتني تلفونياً وقلت لها لازم نسيب بعض. هي كانت نزوة وانتهت!».
هذه الرجعية التي يحفل بها المسلسل تمتدّ إلى السياسة، حيث يتخيل العمل فناء كل الأعراق والشعوب الأخرى، فيما عدا العرب المسلمين، ويخلو من شخصية أجنبي واحد، باستثناء المسيح الدجال الذي ليس له اسم. هذه الأفكار السقيمة ساهمت بالطبع في رؤية مشوّشة، ملتوية، أدت إلى عدم الوضوح والفشل حتى بين أكثر المعجبين بالشريف، الذين اكتفوا بمدح التقنيات الساذجة للعمل وفكرته «الجديدة».

ارتفاع أصوات مؤيدي التيار الإسلامي بسبب الظروف الاقتصادية وأزمة كورونا


كان من الطبيعي، والحال هكذا، أن يحاول الشريف في حواره الترويج لنفسه كبطل مضحٍّ يرفض المشاهد الساخنة ويقدم أعمالاً نظيفة ذات رسالة. لعل هذا يشجع شركة الإنتاج على تمويل جزء ثانٍ من المسلسل. لكن تصريحات الشريف تأتي أيضاً من منطقة أخرى: هي ارتفاع أصوات مؤيّدي التيار الإسلامي والإخوان المسلمين خلال الفترة الأخيرة، مع زيادة الضغوط التي يعاني منها المواطنون المصريون بسبب الظروف الاقتصادية والوباء الذي يجتاح العالم وخسارة النظام السياسي لكثير من مؤيديه، فيما يبدو أنه فرصة سانحة للإسلاميين لإثبات وجودهم على الساحة.
إثبات الوجود هذا طالما جاء فوق جثث النساء والفنانين، الحائط المائل دائماً، والثغرة التي يحاول الإسلاميون اختراقها وصولاً إلى السياسة. وقد أشار إلى ذلك المخرج عمرو سلامة في تعليق له على الجدل المثار حول تصريحات الشريف، إذ أشار إلى العدائية الشديدة التي يتعرّض لها الفنانون المصريون من قوى التيارات الرجعية والرقابة والمؤسسات، ما جعل أغلبهم يخشى أداء أيّ «مشهد ساخن»، حتى لو كان قبلة على الخد لا تتجاوز ثواني! وهو ما دفع كثيرين منهم إلى التباهي برفض هذه المشاهد، على أساس أنه بطل وصاحب أخلاق، وهو الموقف نفسه الذي يتّخذه يوسف الشريف.
من ناحية ثالثة، من اللافت ملاحظة المدّ الذي يشهده التيار الليبرالي العلماني، على يد أجيال شابة بالآلاف، من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، كما ظهر في الحالات المشار إليها سابقاً، الدفاع عن سارة وابن هشام سليم وابنتي شريف منير وحتى ممثلة البورنو مايا خليفة، وهي حقيقة تثير حفيظة الإسلاميين وخوف المحافظين، وتدفعهم إلى تصوّر أيّ دفاع عن الحريات باعتباره دفاعاً عن المثلية والعلاقات الجنسية والعري.
تصريحات الشريف كان يمكن أن تمر مرور الكرام، أو اللئام، لولا «يقظة» هذا التيار العلماني الذي بات أكثر ضجراً وغضباً من التكلس والجمود اللذين يعاني منهما العالم العربي، وهو تيار يؤمن أن الدفاع عن الفن والثقافة والحريات الشخصية مفتاح أي خطوة إلى الأمام.