القاهرة | رغم أنّ العمل لا يخرج عن النظرة المتزمّتة التي تعتبر المثلية مرضاً لا بد من علاجه، إلا أنّ فيلم «أسرار عائلية» (تأليف محمد عبد القادر وإخراج هاني فوزي) دخل تاريخ أزمات الأفلام المصرية مع الرقابة لسببين رئيسيين: أولّهما أنه سيكون الصدام الأول بين المخرج أحمد عواض والسينمائيين بعد تولّيه مسؤولية «جهاز الرقابة على المصنفات الفنية»، وتصريحاته بأنّه لن يمنع أيّ فيلم، وسيجتهد لفرض التصنيف العمري على الأفلام في الصالات. أما السبب الثاني، فهو مضمون الفيلم نفسه الذي يعدّ أوّل شريط مصري يدور حول المثلية الجنسية، أحد أبرز «التابوهات» في المجتمع المصري. كذلك، يعالج العمل قضية إلحاد قطاع واسع من الشباب المصري، وقصص الحب بين شبان من مختلف الطوائف. يطرح «أسرار عائلية» من جديد أزمة لافتة «للكبار فقط» التي تستخدمها الرقابة في مصر من دون سياق محدد. وتساءل كثيرون: لماذا لا تسمح الرقابة بعرض الفيلم تحت هذه اللافتة كما فعلت عند عرض فيلم «عمارة يعقوبيان» (2006) الذي تضمّن أيضاً شخصية مثلية جسّدها الممثل خالد الصاوي؟


غير أنّ «أسرار عائلية» دخل المنطقة الشائكة من منظور مختلف عما حدث في «عمارة يعقوبيان» الرواية والفيلم. في رواية علاء الأسواني وسيناريو وحيد حامد، تابع الجمهور شخصية الصحافي المثلي حاتم رشيد من خلال بحثه عن علاقة مع شرطي جسّده الممثل باسم سمرة، باعتبار رشيد ضمن سكان العمارة التي تدور بداخلها الأحداث. وانتهت الشخصية بقتله على يد شاب آخر بعدما هجره العسكري البسيط. ظهرت الشخصية على استحياء في أفلام أخرى خلال عقد السبعينيات مثل «حمام الملاطيلي» (تأليف محسن زايد ــ 1973) و«قطة على نار» (1977)، وتُرك الأمر لذكاء المشاهد من دون أي إشارة مباشرة إلى هوية الشخصية الجنسية. لم تكن الأخيرة صاحبة دور البطولة في أيّ من هذه الأفلام، بل كان يتمّ تناولها أحياناً بشكل كوميدي في الأفلام التي تتناول حياة الراقصات. مثلاً، دائماً ما يكون مساعد الراقصة أو صاحبة منزل الدعارة مثلي جنسياً، مثل فيلمي «الراقصة والسياسي» (بطولة نبيلة عبيد) و«درب الهوى» (1983).
في «أسرار عائلية» الوضع مختلف تماماً. يرصد صنّاع الفيلم قصة مروان البالغ 18 سنة (يجسده الممثل محمد مهران) الذي يشعر منذ سنوات المراهقة بأنّ ميوله تجاه الجنس الآخر معدومة، ويدخل في علاقات مع رجال آخرين، ويعيش معذّب الضمير بسبب هويته الجنسية لفترة طويلة. ثم يتعرّض الشاب لمحاولة قتل وسرقة، قبل أن يبدأ «رحلة علاج» عبر مجموعة من المتخصّصين النفسيين.
ما حدث لاحقاً أنّ الرقابة طلبت حذف 13 مشهداً حتى تسمح للفيلم بالوصول إلى الصالات، وهو ما رفضه صناع «أسرار عائلية»، لأنّ الحذف بهذا الكمّ يفقد الفيلم قوامه وحبكته. كما طالبوا «لجنة التظلّمات» (لجنة تابعة للرقابة) بإعادة النظر في العمل، وطرح الفيلم تحت لافتة «للكبار فقط» من دون حذف. في حال عدم قبول اللجنة هذا الطلب، فإن الفيلم قد ينضمّ إلى شريط آخر هو «الخروج من القاهرة» (2011) الذي منعته الرقابة من العرض في مصر بسبب أحداثه التي تدور حول زواج شاب مسلم بفتاة
مسيحية!
اعتاد مخرج الفيلم هاني فوزي الصدام مع الرقابة كسيناريست، وكان أشهر تلك الصدامات كتابته فيلم «بحبّ السيما» (2004)، أوّل شريط سينمائي يدور حول مشكلات أسرة مسيحية. وفي عمله الأول كمخرج، اختار فوزي الدفع بوجه جديد، لأنّه لن يجد ممثّلاً محترفاً تحت العشرين يقبل بالدور، وثانياً لأن العمل يتطلّب جرأة توفرت في الممثل محمد مهران. كما يراهن فوزي على المضمون، لهذا لم يعتمد على ممثّلين معروفين، باستثناء الممثلة سلوى محمد علي. وبحسب جريدة «صوت الأمة» المصرية، فإنّ من بين المشاهد التي تطالب الرقابة بحذفها واحداً يظهر البطل مروان خلال زيارته للطبيب النفسي. يخبر البطل الطبيب بأنه يحبّ زميلاً له في المدرسة، فيسأله الطبيب «يعني إنت عايز تنام معاه؟». وفي مشهد آخر يريد البطل إذلال مدرّسه الذي يسخر منه طول الوقت، ويشبّهه بالفتيات. وعندما يعطيه المعلّم درساً خصوصياً، يعمد مروان الى البصق في كوب عصير المدرّس ويعطيه أتعابه المادية بإذلال. وفي زيارة أخرى يقوم بها البطل للمعالج النفسي، يسأله الأخير: «هل تشعر بانجذاب نحو الفتيات»، فيردّ مروان بالنفي. وهنا ينصحه الطبيب بمشاهدة المواقع الإباحية.
كما اعترضت الرقابة على جملة «مطلعين ميتين أبونا» ومشهد آخر يظهر فيه مروان في فراش أستاذ في جامعته. ورأى الرقباء حذف جملة جاءت على لسان المدرّس الذي قال لمروان «إحنا مفيش أمل في علاجنا وها نفضل كده». أما أكثر المشاهد التي اتفق الرقباء على حذفها، فهو مشهد الفلاش باك، حيث يظهر مروان في جلسة علاج ويصف كيف اعتدى عليه شقيقه جنسياً، بالإضافة إلى مشهد يشتهي فيه البطل صديقه وهو يصلّي.

يمكنكم متابعة محمد عبدالرحمن عبر تويتر | @MhmdAbdelRahman