الجزائر | حين لبّى الدعوة إلى ملتقى مسرحي شهير في مسقط رأسه، لم يكن اسماعين يتوقّع أن يكون على موعد مع «مواطنه» محمد مرّاح. هذا الأخير مثله من أصول مهاجرة، عاش على هامش المجتمع الفرنسي، وكان ضحيّته، وانتهى قاتلاً عنصريّاً. وقد شعر الكوميدي الفرنسي، الجزائري الأصل، بالاحراج، حين طلب إليه التحدّث عن مأساة هذا الرجل الذي أطلق النار في آذار (مارس) الماضي على ثلاثة أطفال يهود ومعلّمهم، وعلى جنود فرنسيين، قبل أن يلاقي حتفه في مدينة تولوز الفرنسيّة. قال اسماعين الذي جاء قسنطينة (شرق الجزائر)، مشاركاً في «الأيام الدولية للحكاية والقصة» (2 ـــ 16 نيسان/ أبريل): «لا أحب الخوض في السياسة، لكن قضية مراح تمثل مأساة حقيقية».


ليست المرة الأولى التي يزور فيها اسماعين المدينة التي ولد فيها عام 1958، لكن زيارته هذه المرة تزامنت مع احتفال بلد المليون ونصف المليون شهيد بخمسينية الاستقلال. وكان من الطبيعي أن يواجه نيران الأسئلة، خصوصاً أنّه يحمل روح البلدين في حياته الشخصية فـ «الجزائر لحمي، وفرنسا هي البلد الذي فتح ذراعيه لي وتبناني» كما قال.
«أنا كوميدي لا رئيس جمهورية، ولا أحبّ السياسة» هكذا تحدث اسماعين خلال المؤتمر الذي أقيم في قسنطينة، مفضّلاً أن يناور، متهرّباً من كلّ الأسئلة عن الربيع العربي، واحتفال الجزائر بالذكرى الخمسين لاستقلالها، وارث الاستعمار الذي يمثّل خلافاً أساسياً بين الجزائر وباريس منذ عقود… لكنّه، رغم تهربه من هذه الأسئلة المقلقة والراهنة، لم يتمكن من منع نفسه من التعبير عن مواقفه مما بات يُعرف بـ «قضية محمد مراح». حين سأله أحد الصحافيين عن قضية مراح وتوظيفها سياسياً لخدمة مصالح انتخابية وخطاب يميني متطرّف عشية الاستحقاق الرئاسي الذي تشهده فرنسا بعد أيّام، أجاب اسماعين: «مقتل محمد مراح مأساة حقيقية لعائلته، مثلما هي الحال بالنسبة إلى كل أسرة تفقد واحداً من أولادها. وأعتقد أنّ الأمر لا يقتصر على حسابات سياسية بحتة، لهذا الفريق أو ذاك». كان الفنان يقصد التلميح إلى أن أكبر المستفيدين من هذه الحادثة هو الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الذي ارتفعت شعبيته بعد مقتل مراح. لكنّ اسماعين «أشاد بموقف الجزائر الرسمي بعدم استقبال جثمان محمد مراح لدفنه (...) لأن هذا القاتل/ الضحيّة ولد على الأراضي الفرنسية ويحمل الجنسية الفرنسية، ومات على أرض فرنسية، ولا بد من أن يدفن في مسقط رأسه». وحتى لا يتوغّل أكثر في الموضوع، قال ضاحكاً: «أنا كوميدي لا رئيس جمهورية».
وبعيداً عن السياسة، قال اسماعين إن زيارته إلى الجزائر، جرت باتفاق مع منظمي «الأيام الدولية للحكاية والقصة». وتوقّع أن يشاهده الجمهور على نحو مختلف وهو يقدم جزءاً من حكاياته التي دوّنها في كتابه الأخير «هذا أنا كما هو». وحين سئل عن الاستعمار وتاريخه، أجاب: «هذه تظاهرة للضحك. لنترك التاريخ للمؤرخين والسياسة للسياسيين، حتى لو آمنت بأنّ العلاقة بين الجزائر وفرنسا لا يمكن تمزيق صفحتها، لا بد من التفكير جدياً في طيها».
مع ذلك، فقضية مراح تحديداً شغلت الرأي العام كثيراً، وخصوصاً لناحية تشديد الإعلام الفرنسي على خلفيته العربية الإسلامية. خلال لقاء أجراه الممثل الفرنسي الجزائري جمال دبوز مع موقع «لو سوار» البلجيكي، سئل عن مراح، فأجاب الفنان الذي سيصوّت لمرشّح الحزب الاشتراكي فرنسوا هولاند: «مرعب ما يفعلونه بهذه القضية. بدلاً من القول إنّ محمد مراح حالة هامشية، وفعله كان معزولاً، ها هم يضفون عليه إيديولوجية لم يكن يملكها في بداية فعله».