لندن | إذا كان ثمّة شيء جديد يضيفه فيلم «أن تعشق بابلو» (123 دقيقة ــ 2017) للإسباني فيرناندو ليون دي أرانوا، إلى تلك الكتلة الكبيرة المتزايدة دوماً من الأعمال السينمائيّة والتلفزيونيّة والكتب عن أسطورة تاجر المخدرات الكولومبي الأشهر بابلو أسكوبار (1949 ـــ 1993)، فلن يكون سوى مشهد الممثل الإسباني خافير بارديم (بدور بابلو)، وهو يركض عارياً في غابات أميركا الجنوبيّة إلا من بندقية نصف أوتوماتيكية يحملها بعدما اكتُشف مخبأه. هذا المشهد بسورياليته وتناقضه مع الصورة التقليديّة التي تقدّمها السرديّة السائدة عن الرجل بوصفه أكبر من الحياة وعدو الإمبراطورية الأميركية الأخطر، يلمّح وحده إلى التغييب المقصود لتاريخ الرجل ـ الأسطورة. بغير ذلك، فـ «أن تعشق بابلو» ليس سوى كتالوغ مكثّف لقائمة الجرائم التي تنسب إليه، وقد أصبحت قصصاً مبتذلة لكثرة ما أعادت هوليوود سردها في السنوات الأخيرة. حتى الزاوية المختلفة التي أطل منها دي أرانوا في الفيلم عبر رواية صعود وسقوط بابلو على لسان المذيعة التلفزيونية فيرجينيا فاييخو (عشيقته في عقد الثمانينيات ـ تلعب دورها بينلوبي كروز) لا تضيف كثيراً إلى الصورة التي رسمها الأميركي بعناية فائقة عن تاريخ الرّجل.

ففاييخو كانت بالفعل ـــ وفق مذكراتها التي اقتبس عنها الفيلم ــ أقرب إلى بائعة هوى منها إلى سيّدة أغواها الغرام. هي لم تكن لتحضر اللحظات الأهم في حياة بابلو مع شركاء العمل أو مع أسرته. بل إنّها انتهت عميلة للمخابرات الأميركية، ساعدت في إسقاط بابلو مقابل الحصول على حق اللجوء إلى الولايات المتحدة.
بابلو الذي أراد الأميركيون شيطنته فملأوا الدنيا بأخباره خلال عقد الثمانينيات لغاية مقتله عام 1993، تحوّل إلى أيقونة تدر مالاً كثيراً. ففي مسقط رأسه، تباع صوره على «تي شيرتات» السياح، وتنظم الزيارات إلى الأماكن التي قضى فيها وقتاً خلال حياته المثيرة وتقام لراحة روحه القدّاسات ويكتب كل من لمح عينيه يوماً مذكرات بوصفه شاهداً آخر على زمن سحري. أما هوليوود وشقيقاتها، فقد قدّمت خلال السنوات الأخيرة تنويعات على السرديّة نفسها في أفلام رئيسية: Escobar: Paradise Lost وInfiltrator وAmerican made وكذلك في سلسلة Narcos الشهيرة على «نيتفليكس». هذا التسليع الفائق لبابلو، ليس فقط مجرد هوس رأسمالي برمز ثوري آخر ينتزع من الشخصيّة أهم ما فيها ليحولها إلى موضوع للتجارة على نسق القمصان القطنية الأميركيّة التي تحمل صور الثائر الأممي تشي غيفارا. بل هو يذهب بعيداً في إطار تقديم سردية أميركية تطهرية أخرى عن سيرة حروب المخدرات، تُبرئ الأميركي الغارق حتى أذنيه في تجارة المخدرات، وتحمّل بابلو آثاماً لا قِبل له بها، رغم كل ما نسب إليه من إجرام. سرديّة تطهريّة تشبه في مبناها ومعناها، منتجات هوليوود المتراكمة عن حرب فيتنام. سردية لم تكن بدورها معنية بتسجيل الوقائع بقدر ما كانت تحاول مخاطبة سايكولوجيا المجتمع الأميركي بشأن تلك الحرب، وتبرير فظائعها وانتهائها بالهزيمة المذلّة للجيش الأميركي.



الإطار الجامع لمتواليات السرديّة الأميركية التي تتظافر معاً لامتلاك الأسطورة الجمعيّة عن بابلو ــ بما فيها فيلم «أن تعشق بابلو» بالتأكيد ــ هو التغييب المقصود للمعنى الحقيقي لظاهرة تجارة المخدرات في القارة الأميركيّة والدور الرسمي الأميركي القذر في إدارتها والشخصنة المبالغ بها لمعركة الإمبراطوريّة المزعومة ضد الشيطان كغطاء للهيمنة السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة التي يريد الأميركي فرضها على جغرافيا لطالما تصوّرها ملعباً لنفوذه وحديقته الخلفيّة.
لا يمكن مطلقاً فهم الظاهرة الإسكوباريّة - إذا جاز التعبير ـ بمعزل عن الظروف الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع الكولومبي، والنسق التاريخي لنشوء طبقته البرجوازيّة في إطار المنظومة الرأسمالية الأميركية التي أنتجت كولومبيا السوريالية العبثيّة المعاصرة كما نعرفها، ومنعت بقوّة السلاح والعنف والإفساد قيام بديل اشتراكي تقدّمي فيها رغم كل النضالات والعذابات والشهداء. لقد تعايشت نخبة كولومبيا الفاسدة وحليفها الأميركي مع بابلو لسنوات طويلة وأفادت بأشكال مختلفة من مليارات الدولارات التي كان ينقلها من جيوب الأميركيين الفقراء والسود والمهمشين إلى الاقتصاد الكولومبي (قدرت بـ 10 -12 ملياراً سنوياً خلال عقد الثمانينيّات). تجارة كشفت التحقيقات - الأميركية – لاحقاً أنها كانت تتم برعاية مباشرة من وكالة الاستخبارات المركزيّة وأرباحها المتضخمة استعملت في بناء ميليشيات يمينية «داعشيّة النسق» داخل كل جمهوريات موز أميركا اللاتينية. نفذت هذه الميليشيات أبشع برامج القتل والعنف الممنهج ضد التيارات اليساريّة عبر القارة. نقطة التحول ضد بابلو حصلت في حزيران (يونيو) عام ١٩٨٣، عندما أصدرت المخابرات المركزية الأميركية تقريراً سرياً حذرت فيه الإدارة من أن الحركات الشيوعية الثائرة في أرياف كولومبيا، طورت علاقات قوية مع صناعة تهريب المخدرات. إذ توفّر تلك الحركات الحماية لعمليات التهريب وتشتري بالأموال التي تحصل عليها مقابل ذلك سلاحاً وعتاداً. شكل هذا الأمر وقتها - وفق تقييم الاستخبارات - خطراً محدقاً بمصالح الولايات المتحدة القومية في أجواء الحرب الباردة.

تغييب الدور الرسمي الأميركي القذر في تجارة المخدرات

وجدت إدارة الرئيس رونالد ريغان حينها في بابلو الرمز الذي تحتاجه لشيطنة تجارة المخدرات الكولومبية التي ارتكبت إثم ذاك التحالف المصلحي المؤقت مع اليسار، فبدأت حملة منسقة في أبواق إعلامها الواسعة الانتشار لإظهار هذا «الشيطان» بأسوأ ما يمكن أن يكون عليه الشياطين: ثراء خيالي، عنف مجاني وتهديد لمستقبل اليافعين في أميركا. بعد تشكل تأييد شعبي أميركي كافٍ ضد المخدرات نتيجة لتلك الحملة، أصدرت إدارة الرئيس القرار ٢٢١ للأمن القومي الذي اعتبر تجارة المخدرات خطراً على مصالح البلاد العليا، وسمح للقوات الأميركية بالتدخل في أي مكان في العالم لمواجهتها. هكذا تمت مطاردة الرّجل – الرمز – حتى قتل إثر تبادل لإطلاق النار مع قوة خاصة كولومبيّة – أميركيّة. في ظل هذا المنطق، نجد أنّه لم يكن لبابلو أن يكون إلا بابلو، وأن الإمبراطوريّة الأميركيّة التي تنتج نماذج اسكوباريّة كثيرة – تسميها تارة مانويل نورييغا أو أسامة بن لادن – تنتهي أحياناً إلى توظيف القيمة الرمزيّة لأحد هؤلاء كغطاء لحرب إمبريالية أوسع غايتها إشباع لا يدرك لنهم رأس المال الأميركي الجشع إلى مزيد من الأرباح من دون اهتمام حتى بمصالح المواطنين الأميركيين أنفسهم.
حتى لو تجاوزنا كل ذلك وقنعنا بانتقال التحليل على المستوى الفردي المحض، فإن قصّة بابلو – حتى بالصيغة الأميركية التي تحاول إدانته - ليست إلا تجسيداً بارزاً لما وصفه كارل ماركس قبل 200 عام عن سلوك الرأسمالي الذي تتجاوز غايته في جمع النقود، المنافع المحددة للسلع التي يمكن أن يشتريها مهما بذخ، إنما تصبح غايته تحصيل مزيد من الأرباح متسبباً في طريقه بخراب البلاد والعباد وحتى البيئة الكونيّة ذاتها ولا يوقفها سوى الموت. إدانة بابلو هي في الحقيقة إدانة لكل رأسمالي سواء حمل اسم شركة أميركية متعددة القوميات أو تاجر مخدرات كولومبي أو أمير عربي.
«أن تعشق بابلو» وكل فيلم أميركي جديد عن بابلو، ليس إلاّ تذكيراً بوجود تلك الشبكة السرطانيّة الغامضة غير المرئيّة التي تخترق كل مستويات العيش في مجتمعاتنا المعاصرة، وتوحّد مصالح فئات اجتماعيّة متفاوتة مستفيدة بداية من مستوى مرّوجي المخدرات الصغار على نواصي شوارع المدن البائسة، إلى أعلى مراتب السلطة في البيت الأبيض مروراً بالنخب الفاسدة التي تتولى المناصب بينهما. ولا تفلح بينيلوبي كروز بنظراتها الغراميّة الساذجة في «أن تعشق بابلو» أو حتى مؤخرة خافيير بارديم المصطفقة في وجه الرّيح في تجميلها.

* Loving Pablo: صالات «أمبير» (01/616600)، «غراند سينما» (01/209208)، «فوكس» (01/285582)