«تسمّى الكوارث طبيعيّة، وكأن الطّبيعة هي الجلّاد وليست الضّحيّة»

(إدواردو غاليانو)

يبدأ فيلم «كفرناحوم» بمشهد لطفل يدعى «زين» يقف بملابسه الداخليّة القذرة ويفتح فمه أمام رجل يعاين أسنانه ويستنتج أنه في حوالى الثّانية عشرة أو الثّالثة عشرة من العمر. سوف ترافق الكاميرا هذا الطّفل في معظم المشاهد اللّاحقة مركّزةً على وجهه المعبّر والحزين بمصاحبة الموسيقى الوتريّة الحزينة عموماً. يمثل «زين» أمام قاضٍ يسأله عن سبب رفعه لدعوى قضائيّة ضدّ والديه – الماثلين إلى جانبه في مواجهة القاضي ذاته – فيجيب أنه يقاضيهم لأنهما أتيا به إلى هذه الحياة. يعود الفيلم بمشاهد فلاش باك إلى حياة «زين» مع عائلته الفقيرة والكثيرة العدد وتتعدّد مشاهد الشّقاء والمعاناة وشظف العيش. يعترض «زين» على رغبة أهله في تزويج شقيقته الصغيرة، «سحر» ابنة الأحد عشر عاماً، إلى الشّاب الثّلاثيني صاحب الدّكان القريب - المتعطّش لمغازلتها - ويصطدم بهم، فيناله من الضّرب والتّعنيف والشّتائم الثّقيلة ما يُحرج عتاة الزّعران ويُخرجهم عن طورهم. يهرب «زين» من البيت ويهيم في الشّوارع إلى أن يتعرّف إلى عاملة إثيوبيّة، «تيغيس» تُربّي طفلها الرّضيع، «يوناس»، سرّاً وتسرق له الطّعام من مكان عملها. تنشأ صداقة بين «تيغيس» و«زين» وينتقل للإقامة معها في كوخها. يتولّى «زين» أمور «العناية» بالطّفل «يوناس» في غياب «تيغيس» التي تُلقى في السّجن بعد فقدانها أوراق الإقامة القانونيّة. طفل مشرّد يتدبّر شؤون طفل رضيع ويجرجره في الشّوارع أثناء بيع المشروبات المخدّرة للمدمنين. يبيع «زين» الطّفل الرّضيع مرغماً لشخصيّة فاسدة أخرى ويدخل السّجن بعد أن يطعن صاحب الدّكان الذي أدّت ممارسته الجنس مع أخته «سحر» إلى موتها. من داخل السّجن، يتّصل «زين» بمعدّ البرامج جو معلوف ويروي قصّته له! (هكذا حرفيّاً). وبناء على إخبار من معدّ البرامج النّشيط إيّاه، تتحرّك الشّرطة وتلقي القبض على العصابة التي تبتزّ أموال العاملات الأجنبيّات ويجري تسليم الطّفل «يوناس» إلى أمّه «تيغيس» ويبتسم وجه «زين» للمرّة الأولى في الفيلم أثناء أخذ صورة للهويّة.
هذه هي الخطوط العريضة للفيلم بشكل عام والمعروضة هنا لتسهيل النّقاش. في مشهد مفصليّ في القسم الأخير من الفيلم، يسأل القاضي الطّفل «زين» عمّا يريده من والديه فيجيب ابن الثّانية عشر عاماً أنه يريد منهم أن يتوقّفوا عن الإنجاب. يلخّص هذا المشهد المغزى الرّئيسي للفيلم والثّغرة الأهمّ في السّيناريو: إنها الافتعال، بمعنى الانطلاق من أفكار جاهزة ومسبقة ووضعها على لسان شخصيّات بعيدة عنها، أو اختلاق مواقف لا تستقيم في المنطق وإرغام المتفرّج على ابتلاعها.
يريد الفيلم إقناعنا أن الطّفل الذي لم يدخل مدرسة ولم يقرأ كتاباً ولم يتلقّ تعليماً من أيّ نوع، يُدلي بجواب فلسفيّ عميق وخطير يطال مشكلة الفقر من وجهة نظر ثقافيّة محدّدة (تحميل الفقراء سبب فقرهم وسبب المراوحة فيه) كما يريد إقناعنا أن الطّفل نفسه يرغب في رفع دعوى قضائيّة ضدّ والديه انطلاقاً من لومه لهم على فقرهم. كان ينقص أن ينطلق لسان «زين» ويتوسّع في شرح فضائل سياسة الطّفل الواحد التي فرضها الحزب الشّيوعي الصّينيّ لمعالجة مشكلة الانفجار السّكاني ويطالب بفرضها على الفقراء في لبنان، مثلاً.
الخطير في هذه الفكرة ليس مجرّد الملاحظة أن الأطفال عموماً لا يتحدّثون هكذا (باستثناء الأفلام اللبنانيّة على ما يبدو) بل إن هذا التّفكير يمهّد ويؤسّس الأرضيّة لتقبّل المشاعر العنصريّة البغيضة التي تلوم اللاجئين السوريين الفقراء، مثلاً، على «إنجابهم المنفلت» للأطفال وتبرّر فرض القيود التّعسّفيّة عليهم كما حصل في العديد من البلدات والقرى.
يقودنا هذا الكلام إلى ملاحظة أشمل تتعلّق بالطّريقة التي يتناول بها الفيلم حياة الفقر والعوز والمعاناة لهؤلاء الفقراء والمهمّشين ومن ضمنهم العاملات الأجنبيّات. على غرار العالم في المختبر الذي يدرس مادته في وعاء زجاجي ويخضعها للميكروسكوب، يصرّ هذا الفيلم على وضع «فقرائه» و«مسحوقيه» و«معذّبيه» في دائرة زجاجيّة مقفلة بإحكام فلا يغادرونها ولا يتفاعلون مع المجتمع خارجها ولا يُسمَح لنا كمشاهدين بالتّفكير في احتمال تأثير عوامل أخرى – خارج تلك الدّائرة - على مجريات حياتهم. بل إن الشّرور والمصائب التي تلحق بهؤلاء الفقراء تأتي وتتناسل من داخل عالمهم المصغّر والمنعزل كلينيكيّاً لغايات دراميّة نجهلها، لكنها برأيي أضعفت الفيلم كثيراً وأبعدته عن حدود المنطق الأدنى.
فهل يُعقَل أن تُقدَّم مشكلة العاملات الأجنبيّات في لبنان من غير التّطرّق للعنصريّة الفاضحة والاستغلال المهين الذي يقارب العبوديّة لكرامتهن من قبل أكثريّة العائلات عندنا وفي ثقافتنا؟ العاملات هنا ينتحرن أسبوعيّاً بإلقاء أنفسهن من شرفات الأبنية، ومع ذلك لا يوجد في الفيلم مذنبون حقيقيّون وراء مأساة «تيغيس»، بل يبقى المجرم الحقيقي مجهولاً ومغفَلاً حسب السّيناريو المفتعَل.

الفقراء في الفيلم لن يتجاوز دورهم وظيفة ديكورات بشريّة عابرة


بصورة عامّة، يقدّم الفيلم الفقر كبلاء، أو وباء، أو كارثة طبيعيّة وقعت على عائلة الطّفل «زين» ولا مجال لردّها أو البحث عن أسبابها وحيثيّاتها. الفقراء هنا هم فقراء وحسب، يُلامون على فقرهم من قِبَل أبنائهم. وهم ليسوا فقراء لأن هناك من يسرق جهدهم ويستغلّ عملهم ويعتدي عليهم ويضيّق عليهم بقوّة القانون الظّالم. لا وجود لأيٍّ من هذه الهموم في هذا الفيلم الهشّ فكريّاً بشكل مرعب. ومن ثمّ فإن كلّ هذه المبالغة في تصوير المعاناة لا تبدو مقنعة أو منطقيّة أو حقيقيّة حتّى.
ولأن السّيناريو استند أساساً على الافتعال، فقد جرى التّركيز على معاناة الطّفل الأسود الرّضيع مع الطّفل المشرّد الذي يطحن حبوب «الترامادول» أمامه ويطعمه مكعّبات الثّلج وملاعق البودرة المجفّفة في مشاهد تثير الغيظ بجلافتها ووقاحتها المصطنعة. يتواصل بكاء الطّفل الرّضيع الجائع ويُرغمنا الفيلم على مشاهدة (لا) عناية «زين» به بشكل يثير التّقزّز أحياناً، وإن استثار بعض الضّحكات المحرَجة في الصّالة.
جرت العادة في الأفلام الأجنبيّة التي تستعين بحيوانات، كالجياد والكلاب وغيرها، وضع تحذير في بداية الفيلم يطمئن الجمهور إلى أن الحيوانات التي شاركت في الفيلم لم تتعرّض للمعاملة المسيئة أو الأذى خلال التّصوير. ربّما وجب وضع تحذير في بداية هذا الفيلم يؤّكد أن الفقراء الذين سيجري استعراض أحيائهم وبيوتهم على مدى ساعتين لن يتجاوز دورهم وظيفة ديكورات بشريّة عابرة. هل من تحذير يؤكّد لنا أن آذان الأطفال في الفيلم لم تُخدَش، كما خُدِشَت آذاننا، بالشّتائم البالغة الإسفاف وبمشاهد الضّرب والرّكل وشدّ الشّعر من جهة الأهل لطفلهم؟ أفهم السّعي نحو الواقعيّة والرّغبة في إحداث صدمة ما عند المتلقّي، لكن التّحديق في بيئة الفقر بدون خلق شخصيّات مقنعة، وتحريكها في إطار مقنع، قد يصحّ في أجواء التّقارير الاستقصائيّة وليس في صلب فيلم سينمائيّ يُتوقَّع منه أكثر من ذلك بكثير.
*كاتب لبناني