القاهرة | من بين أربعين فيلماً مصرياً عُرضت في 2018، معظمها أعمال جماهيرية تنتمي إلى الكوميديا، مثل «البدلة» (بطولة تامر حسني)، و«ليلة هنا وسرور» (بطولة محمد إمام)، أو الأكشن، مثل «حرب كرموز» لأمير كرارة و«الديزل» لمحمد رمضان، أو التشويق والرعب مثل «تراب الماس»، هناك خمسة أفلام صغيرة مختلفة إنتاجياً وفنياً عن السائد. أي أنها تشكل عشرة في المئة من حجم الإنتاج، وهي نسبة معقولة بالمناسبة. هذه الأفلام تتراوح في موضوعاتها وأفكارها ومدى جودتها، ولكنها بشكل عام تؤكد على وجود واستمرار، بل تقدم ما يسمّى بـ «السينما المستقلة» في مصر، التي تختلف شكلاً ومضموناً مع الإنتاج التجاري السائد.

على رأس هذه الأفلام «يوم الدين» (إخراج وتأليف أبو بكر شوقي) الذي حقق مفاجأة كبيرة باختياره للعرض في المسابقة الرسمية لـ «مهرجان كان السينمائي الدولي» في أيار (مايو) الماضي، قبل أن يبدأ رحلة العرض في المهرجانات الدولية والمحلية. «يوم الدين» نسخة روائية من وثائقي قصير صنعه المخرج كمشروع تخرّج في معهد السينما منذ أكثر من عشر سنوات بعنوان «المستعمرة» يدور عن مرضى الجذام المقيمين في مركز حجر صحي تابع لوزارة الصحة، أشبه بالسجن، أو مشفى الأمراض العقلية يطلق عليه «المستعمرة». يصور «يوم الدين» رجلاً تم إيداعه في المستعمرة لأكثر من ثلاثين عاماً، ينخرط في رحلة بحثاً عن عائلته التي تخلّت عنه، يرافقه صبي نوبي، بلا عائلة، ويلتقي الاثنان بعدد من «المعاقين» والشحاذين والمهمشين.
الفيلم يخلو من النجوم بالطبع، ويعتمد على الشخصيات الحقيقية وبعض الهواة وعدد قليل جداً من الممثلين المحترفين، وإن كان بناؤه يتتبع بناء «فيلم الطريق» الأميركي، وهو متأثر بفيلمي «الرجل الفيل» Elephant Man و«القصة المباشرة» The Straight Story لديفيد لينش. ورغم أنه لا يخلو من بعض الهنات ونقاط الضعف هنا وهناك، إلا أنه يأسر المشاهد بصدقه وإنسانيته التي أهّلته للفوز بإحدى الجوائز «الإنسانية» في «كان».

من فيلم «ليل خارجي» للمخرج أحمد عبد الله السيد

واحد من أهم الأفلام التي أنتجتها السينما المستقلة خلال العام الماضي هو «ورد مسموم» للمخرج أحمد فوزي صالح. الشريط مأخوذ عن رواية «ورد مسموم لصقر» للروائي أحمد زغلول الشيطي، التي تنتمي أيضاً لجيل ممتد من الأدباء الذين يبنون سياقاً مختلفاً ومستقلاً عن السائد والتقليدي. «ورد مسموم» مثل «يوم الدين»، هو تطوير لوثائقي للمخرج نفسه جريء ومهم بعنوان «جلد حي» يتناول الحياة في منطقة «المدابغ»، حيث تتم معالجة جلود الحيوانات بالمواد الكيميائية المضرة، والتي تفتقد إلى أدنى درجات الأمن الصحي للإنسان والبيئة.
ومن هنا، فإن «ورد مسموم» لا يهتم بصنع قصة ودراما بقدر ما يسعى إلى خلق حالة، والتعبير عن التسمم في البيئة الذي ينتقل إلى تسمم في العلاقات الأسرية. هذا ما يظهر في علاقة الشخصية الرئيسية بأخيها التي تتحول إلى زنا محارم، واضح في الرواية، ومستتر في الفيلم، إلى جانب تسمم في العلاقات العاطفية عموماً، كما يظهر في علاقة الأخ بفتاة لا نراها. علاقة تفشل لأسباب طبقية في الرواية، ولأسباب نحسها، لكن لا نعرفها في الفيلم. أضف إلى ذلك التسمم في العالم المحيط حيث يتحول البحر الذي يقصده الأخ في محاولة للهجرة غير الشرعية إلى إيطاليا سعياً للتحرر والتطهر من علاقته بأخته والبيئة المسمومة التي يعيش فيها، إلى مصدر للاختناق والموت. في سبعين دقيقة فقط، يقدم أحمد فوزي صالح عملاً مكثفاً، مختزلاً، وثقيلاً، مثل أبخرة المواد الخطرة التي تشيع في المدابغ، وربما يكون أكثر عمل «مختزل» شهدته السينما المصرية منذ «جنة الشياطين» لأسامة فوزي، بالرغم من أن هذا الاختزال أخلّ بعض الشيء بتدفق وجلاء السرد، المبتور أحياناً. لكن ذلك لا يقلل من الشحنة الإبداعية والجمالية التي يثيرها الفيلم، ولا قدرته على التعبير عن حالة التسمم التي تزعج بالطبع المشاهد التقليدي «المسالم».
الأخ الذي يحاول الهجرة بشكل شرعي في «ورد مسموم» يتحول إلى شخصية ثانوية في فيلم «ليل خارجي» للمخرج أحمد عبد الله السيد («هليوبوليس»، «ميكروفون»، «فرش وغطا»، و«ديكور»). وعلى عكس أبو بكر شوقي وأحمد فوزي اللذين يقدمان أول أعمالهما الروائية في الفيلمين المذكورين، فإن أحمد عبد الله صاحب تجربة طويلة ومثمرة في السينما المستقلة. في «ليل خارجي»، يحاول عبد الله أن يصنع عملاً أكثر جماهيرية واستساغةً من أعماله السابقة من خلال بناء تقليدي وممثلين محترفين إلى حدّ ما. إذ يشارك في الشريط كريم قاسم والموهوبة منى هلا والكوميديان الصاعد شريف الدسوقي، الذي فاز عن دوره في الفيلم بجائزة أفضل ممثل من مهرجان «القاهرة السينمائي الدولي» الأخير، مع أدوار صغيرة لممثلين أكثر شهرة مثل بسمة وأحمد مالك. كذلك، يعتمد «ليل خارجي» على بعض العناصر السينمائية «الشعبية» مثل الكوميديا اللفظية ومغازلة العواطف الإنسانية والوطنية على طريقة أفلام مخرجي الثمانينيات، خاصة عاطف الطيب. بشكل فرعي، يقدم أحمد عبد الله بعض الهموم السياسية المعاصرة، مثل الأديب الشاب الذي يُسجن بسبب رواية، والصديقة التي تحاول إنجاز فيلم تسجيلي عنه، والشاب الريفي الذي يسعى للهجرة غير الشرعية، وهو شخصية متخيلة يرغب بطل الفيلم، الذي يعمل مخرجاً، في صنع فيلم عنه. هذه الخطوط تتقاطع، وتنقطع، مع الخط الرئيسي الذي يدور، في قالب «فيلم الطريق» أيضاً، حول مخرج وسائق تاكسي وعاهرة يجتمعون داخل سيارة ذات ليلة.
يعتمد «ليل خارجي» على العناصر السينمائية «الشعبية» مثل الكوميديا اللفظية ومغازلة العواطف الإنسانية والوطنية على طريقة عاطف الطيب


الفيلم المستقل الرابع هو «زهرة الصبار» من إخراج وتأليف هالة القوصي، وهي فنانة تشكيلية تقدم أول أعمالها في السينما. ينتمي «زهرة الصبار» إلى ما يعرف بالفيلم النسوي، الذي تكتبه وتخرجه وتلعب بطولته نساء، ويتناول حياة النساء. ورغم أن الفيلم يكتنف بعض اللحظات المشعة واللمحات الذكية، لكن يعيبه أنه زاعق ومباشر إلى درجة الفجاجة أحياناً. لكنه، على أي حال، امتداد لخط بارز في السينما العربية الجديدة. الفيلم الخامس هو «النسور الصغيرة» للمخرج السكندري محمد رشاد، وهو وثائقي روائي، feature documentary، يتناول حياة صاحب الفيلم وعلاقته بأبيه في قالب خيالي. ومن الجديد والجيد، أن الفيلم عرض عرضاً عاماً، حتى لو كان في قاعة صغيرة تنتمي إلى نوع الـ«آرت هاوس»، فعادة لا تجد الأعمال الوثائقية فرص للعرض الجماهيري العام.
ويمكن أن نضيف إلى هذه الأفلام الخمسة فيلماً سادساً شهد عرضه الأول في مهرجان «القاهرة» الأخير، وإن لم يشهد عرضه العام بعد، وهو «الزرافة، أو لا أحد هناك» للمخرج الممثل أحمد مجدي. مثل «ليل خارجي»، يدور «لا أحد هناك» خلال ليلة واحدة. ومثل «ورد مسموم»، يهتم بالتعبير عن حالة عامة لا قصة درامية بعينها. يصور الفيلم عدداً من الشخصيات الغريبة، معظمها من الشباب المثقفين، يمرون ببعض الحوادث الغريبة، حول خط رئيسي لفتاة تحتاج للمال لإجراء عملية إجهاض. يقوم أصدقاؤها بمحاولات لتوفير المال اللازم للعملية، يحيط به بعض القصص والمشاهد السيريالية، مثل قصة زرافة تخفيها إدارة حديقة الحيوان هي وطفلتها، التي ولدت من دون تلاقح، أو مشهد مستشفى يخلو من المرضى والأطباء، أو قصة شبح ينقذ فتاة من التحرش. لكن كل هذه المشاهد والقصص الفرعية تؤكد الفكرة، أو الحالة، المحورية التي يدور حولها الفيلم.