تميل التظاهرات الثقافية التي تنظّمها السفارات الغربية في العواصم العربيّة ــــ لا سيّما في ما يتعلق بالعروض السينمائية ــــ لتكون نوعاً من بريد ثقافي باتجاه واحد، تبلغنا فيه دول العالم الكبرى رسائلها المؤدلجة مدوّنة في أعمال سينمائيّة اختارها ذوق استشراقي فاقع يتعامل مع نخبة الجمهور كما لو أنّها صندوق بريد لإيداع تلك الرسائل. الاستثناءات قليلة بالفعل، ومنها «مهرجان لوكارنو السينمائي في بيروت» (ثلاثة عروض في ثلاث ليال بدءاً من الليلة) الذي تنظمه سفارة سويسرا في لبنان للعام الثاني على التوالي وتقام عروضه مجاناً في الهواء الطّلق لباحة «متحف سرسق»، بالتعاون مع جمعيّة «متروبوليس».

الأفلام المختارة هذا العام ـــ جميعها فاز بجوائز في دورات سابقة من «مهرجان لوكارنو» ــــ تستعرض قدرة الفنّ السابع على بناء فضاءات تواصل وتلاق إنسانيّ عابرة للحدود والثقافات والأزمنة، وتحتفل بالمشترك والنبيل والجميل، في وقت تنفق فيه إدارات شوفينية أمسكت بزمام السلطة في دول قلقة مزيداً من أموال المواطنين في تشييد الجدران العازلة حول هويّات مفتعلة وفروقات مختلقة. مع ذلك، فإن رسالة «لوكارنو - بيروت» كانت لتكون أفعل لو تمّ تقديم جميع الأفلام بترجمة عربيّة بدل اقتصار بعضها على الترجمة من لغاتها الأصليّة إلى الإنكليزيّة، ما يضيّق من دائرة الاهتمام بالعروض ليقتصر على نخبة دون غيرها في المجتمع اللبناني، ويستثني القطاع الأعرض من المتحدثين بالعربيّة أو حتى بالفرنسية.
تتفتح التظاهرة مساء اليوم بعرض فيلم BlacKkKlansman للمخرج الأميركيّ الكبير سبايك لي الذي كان عرضه الأوّل في «مهرجان كان السينمائي» عام 2018 حيث فاز بالجائزة الكبرى، ومن ثمّ جائزة الجمهور في «لوكارنو 2018»، قبل أن يفوز كذلك بأوسكار أفضل نصّ لفيلم مقتبس. في إطار من الكوميديا الساخرة، يوجّه الفيلم نقداً لاذعاً للعنصريّة العرقيّة المتجذرة في قلب المجتمع الأميركي عبر قصّة ضابط شرطة من أصل أفريقي يكلّف بمهمة اختراق التنظيم العنصري المتطرّف «كو كلوكس كلان» (العرض بالإنكليزيّة مع ترجمة عربيّة).
ومساء الجمعة، سيكون الموعد مع فيلم Right Now, Wrong Then للمخرج الكوري الجنوبيّ هونغ سان سو الذي كان قد حاز «جائزة الفهد الذهبي» في «لوكارنو 2015» كما جائزة أفضل ممثل. يقّدم الفيلم معالجة مثيرة وغير مألوفة لمسألة الأقدار البشريّة من خلال سَرْدَيْن ممكنين متعاقبين لتقدّم الأحداث في بداية علاقة رومانسيّة بين مخرج سينمائيّ مشهور ورسّامة شابة تلاقيا مصادفة (العرض بالكوريّة مع ترجمة إنكليزيّة).

«سارق الدرّاجة» لفيتوريو دي سيكا

وتختم التظاهرة مساء السبت مع عرض للفيلم الكلاسيكي «سارق الدراجة» أحد أهم أفلام مدرسة الواقعيّة الإيطاليّة الذي توافقت أجيال من السينمائيين والنّقاد على اعتباره من الأعمال الفنيّة الخالدة. الفيلم الذي كان ثمرة تعاون بين المخرج الإيطاليّ فيتوريو دي سيكا وكاتب السيناريو الأهم في تاريخ إيطاليا سيزار زافاتيني، حاز جائزة لجنة التحكيم في «لوكارنو» عام 1949 وجائزة أوسكار فخريّة عام 1950 وجائزة «بافتا» عام 1950 كما جائزة «الغولدن غلوب» لأفضل فيلم أجنبي عام 1950. وقد أعيد ترميمه وتقديمه مجدداً في 1999 احتفاء بمرور خمسين عاماً على إطلاقه (العرض بالإيطاليّة مترجماً إلى الإنكليزيّة).
الجدير بالذكر أن مهرجان مدينة لوكارنو السويسريّة واحد من أقدم مهرجانات السينما العالميّة (منذ 1946) وواحد من أهمها أوروبيّاً يقام في آب (أغسطس) من كلّ عام، وتتنافس فيه إنتاجات العالم البصريّة من أفلام طويلة وقصيرة ووثائقيّات في مسابقات متعددة، ويشتهر بعروض البيازّا غراندي حيث الأفلام تعرض في أكبر سينما مفتوحة للهواء الطلق في العالم. وتمنح في المهرجان جوائز عدة أرفعها «الفهد الذهبيّ» لأفضل فيلم في المسابقة الدوليّة، كما «فهد التشريف» الذي يكرّم صانع أفلام أو مخرجاً على مجمل أعماله، إضافة إلى جائزة الجمهور.

ستان لي: عنصريّة أميركا السبعينيات
يقّدم BlacKkKlansman ظاهرة العنصريّة العرقيّة في المجتمع الأميركي بسخريّة لاذعة تضعها في نقطة التقاطع بين الغرائبي والخَطِر. الضحكات التي ينتزعها ستان لي من جمهوره ليست أبداً هدايا مجانيّة في سياق كوميديا من الطراز الأوّل، بقدر بل ما هي قطع من نقد مرير تترك أثراً يبقى بعد تصاعد القهقهات. ثيمة الفيلم الكليّة أنّ لون بشرتك يحدد تلقائياً نوع السلوك الذي ينبغي لك أن تسلكه وما تعتقده. وهو أمر متفشّ في السيكولوجيا الجمعيّة الأميركيّة، ولا يعتذر ستان لي أو يتلعثم في تعريته علناً في أحد أفضل أفلامه على الإطلاق.
القصة مقتبسة من وقائع حقيقيّة سجّلها رون ستالورث الشرطي الأميركي السابق - وأول شرطي من أصول أفريقيّة في دائرة الشرطة بولاية كولورادو - في مذكراته التي نشرها عام 2014 ووصف فيها مهمته لاختراق تنظيم «كو كلوكس كلان» العنصري المتطرّف فترة أواخر السبعينيات. وقد بدأت المهمّة باتصالات هاتفيّة ما لبثت أن تضمنت دعوة لمقابلة مباشرة، ما اضطر ستالوورث (يلعب دوره في الفيلم جون ديفيد واشنطن وهو نجل الممثل المشهور دينزل واشنطن) لإرسال رفيقه فيليب زيميرمان (يلعب دوره آدم درايفر) اليهودي غير المتديّن الذي يمتلك بشرة بيضاء.
رسالة ستان لي في أفلامه بشأن تنظيم «كو كلوكس كلان» مباشرة وصريحة، وهو كان قد قصف جبهته في فيلمه السابق «مالكولم إكس» (1993) عندما أظهر منسوبيه ينسحبون إلى الظلام منتصرين بعدما قتلوا زعيم تحرر السود بينما يتألق صامتاً في سماء الظلمة قمرٌ ساطعٌ مكتمل. وBlacKkKlansman كما لو كان ردّاً معاصراً على فيلم البروباغندا العنصرية الشهير The Birth of a Nation (للمخرج دي دبليو جريفيث – 1915). إذ يبدأ بالفعل من مقطع مأخوذ منه ليدخلنا في مزاج الجزء المتبقي من لعنات وحوارات عنصريّة وضيعة تملأ 135 دقيقة بلا توقف. تبدأ أحداث الفيلم بوصول ستالوورث لتسلم منصبه حيث يرّحب به بوصفه «جاكي روبنسون إدارة الشرطة». والأخير كان أوّل أميركي أسود يلعب البيسبول مع فريق الولاية واشتهر وقتها بأنه كان يمتنع عن الردّ على شتائم الجمهور الأبيض العنصريّة ضده، خوفاً من أن يظنه هؤلاء غير متحضر. مع تغلغل العنصريّة في الإدارة، يتولى ستالوورث مهمته الأولى التي تقضي باختراق الفرع المحليّ لـ «كو كلوكس كلان» تحسّباً لأيّ أعمال عنف يخطط لها ضد قادة سود، بعد اتصال هاتفي استجابة لإعلان منشور في صحيفة للتنظيم يُسْمِع فيه - وهو الشرطي الأسود - متلقي الاتصال كلّ ما يودّ سماعه عن وضاعة السود وكم هو يكرههم، ما يؤهله لحضور اجتماع مباشر للتعارف.

Right Now, Wrong Then لهونغ سونغ-سو

وهنا يضطر ستالوورث إلى إرسال زميله زيميرمان ذي البشرة البيضاء، فينتهيان إلى لعب ذات الشخصية المنتحلة أمام قيادة التنظيم: أحدهما على الهاتف والآخر وجاهة. تتعاقب المفارقات والمواقف المضحكة والتلاعب بالكلمات واللهجات وطريقة التعبير بين مختلف الأطراف كي تؤدي دورها المتوقع منها، لا سيّما أنّ زيميرمان يبدأ بالشعور بالاختناق أثناء انتحاله شخصيّة العنصري الأبيض باعتباره يهودياً، ومن المفترض لشتائم العداء للساميّة أن تمسّه.
هذا فيلم مفصليّ بامتياز، وإنجاز يحسب للسينما الأفروأميركيّة التي هي منفذ من المنافذ القليلة لمقاومة العنصريّة المؤسسيّة ضد السود في الولايات المتحدة بعدما أغلقت المنافذ الأخرى بالقوّة المحض والاغتيالات وحروب الحكومات الطويلة والمستمرة ضد الأقليّات من مواطنيها. ورغم أنّه يروي القصّة في سياق عقد السبعينيات، إلا أنّه يبدو مع ذلك شديد المعاصرة ومألوفاً للجيل الحالي في طريقة معالجته لأيديولوجيا الكراهيّة. كأن شيئاً لم يتغيّر في أميركا بعد خمسة عقود كاملة منذ لحظة صعود ستالوورث درجات مبنى إدارة الشرطة في كولورادو سبرينغز لاستلام منصبه وإلى اليوم.

هونغ سونغ-سو: دراما رومانسيّة مزدوجة
يضاعف المخرج الكوريّ الجنوبيّ هونغ سونغ-سو من جرعة العواطف الرومانسيّة الكثيفة أصلاً في فيلمه البديع Right Now, Wrong Then من خلال تقديم القصّة مرتين في تتابع أحداث مختلف كل مرّة متلاعباً باحتراف وسيطرة تامة على أدوات الفن السّابع، ملقياً بظلال فلسفيّة ساخرة على معنى الأقدار التي تحكم حياة البشر.
تبدأ القصة بنسختيها بمخرج كوريّ مشهور ينتهي ــ بسبب أخطاء في التنظيم ـــ إلى الوصول باكراً إلى عرض سينمائي تنظمه إحدى الجامعات، ما يترك لديه يوماً كاملاً بلا عمل، فتأخذه المصادفة بينما يتجوّل على قدميه في المدينة إلى معبد قديم. هناك، يلتقي بفتاة حسناء تركت مهنتها كموديل بعدما ملّت ما فيها من تظاهر كاذب لتحترف الرّسم الأصدق. ويقضي البطلان يومهما معاً بين زيارة المرسم والأكل والشرب والرقص في حفل للأصدقاء مساء. لكن سرد القصّة في الجزء الأول (يستغرق ساعة كاملة) يختلف بتفاصيل صغيرة ورويداً رويداً تمهيداً للجزء الثاني (ساعة كاملة أيضاً) الذي يضعنا في لحظة وحالة مختلفة تماماً عن نهاية الجزء الأوّل.
يثير هذا الفيلم غير التقليدي والمشغول بدقّة كسجادة منسوجة متاعب للمشاهد الذي لا تكاد ذاكرته القصيرة تلتقط السرديّة الأولى حتى تناقضها السرديّة الثانية من خلال تحولات تكاد لا تلحظ، لكنها تتراكم رويداً رويداً لتصبح كأنها قصّة أخرى. مع ذلك، هذه قصة حبّ منعشة وعميقة بكل ما فيها، زادها تمثيل النجمين البطلين الكوريين ألقاً، كما المواقف الساخرة التي تثير الضحك رغم كلّ ما يلفّ أبعادها من حزن وقلق إنسانيّ لا نهائيّين.

«سارق الدّراجة: السينما كنقيض تمام لهوليوود
ولد تيّار الواقعيّة الإيطاليّة من رحم دمار الحرب العالميّة الثانيّة وقدّم للإيطاليين المتعبين نوعاً من اغتسال روحيّ وتطهّر من فانتازيات الفاشيّة من خلال تقديم واقع بلادهم كما هو تماماً. العقول المبدعة التي قادت هذا التيّار أنجزت في سبع سنوات حوالى عشرين فيلماً، وكان مخرجوها كلّهم ثوريين يساريين منتظمين في المقاومة الإيطاليّة وقت الحرب، وكانوا يحلمون بإيطاليا نقيّة وجميلة وعادلة ضحّوا من أجلها قبل أن يغرقهم الغزاة الأميركيون الذين تلبسوا بلباس المحررين في يد الطغمة البطريركيّة اليمينيّة الفاسدة مجدداً ليتحطّم ذلك الحلم نهائياً خلال سنوات ما بعد الحرب وتتحول اليوتوبيا الاشتراكيّة إلى فقر ومهانة وبطالة.
مخرج «سارق الدرّاجة» فيتوريو دي سيكا كان قد التقى سيزار زافاتيني كاتب السيناريوهات الشيوعيّ العريق وعمل معه على اقتباس رواية أدبيّة (برجوازيّة الطابع) للسينما. كان دي سيكا وقتها ممثلاً مشهوراً ومخرجاً لأعمال كوميديّة تجاريّة عدة، لكنه كان قد أنجز واحداً من أبدع أفلام الواقعيّة الإيطاليّة هو «ماسح الأحذية» عام 1946. وأراد تقديم فيلم جديد لكنه لم يجد له ممولين. هكذا اضطر بحكم الظروف لجمع بعض الأموال من أصدقائه وتصوير فيلمه بالاعتماد على ممثلين غير محترفين من عامة الناس، وفي أجواء الشارع في المناطق الشعبيّة من روما من دون استوديوهات أو كواليس كما لو كان فيلماً وثائقيّاً.
لكن النتيجة كانت مذهلة بكل المقاييس، صدمت النقاد الأميركيين والأوروبيين الذين توافقت مهرجاناتهم الكبرى - بدءاً من «لوكارنو» 1949 - على منح «سارق الدّراجة» أرفع التكريمات، وأصبح بتعاقب أجيالهم نموذج الفيلم المكتمل والنقيض التام للسينما الهوليوودية، ومدرسة لا غنى عن المرور بها لكن من أراد تملّك ناصية فنون السينما.
في إطار الكوميديا الساخرة، يوجّه BlacKkKlansman نقداً لاذعاً للعنصريّة العرقيّة المتجذرة في المجتمع الأميركي


قصة الفيلم بسيطة تحكي عن أنطونيو ريتشي (يلعب دوره لامبيرتو ماغاراني وهو عامل مصنع ولم يمثّل مسبقاً) كرجل معدم عاطل عن العمل، ليس فاسداً ولا مجرماً يسعى لجمع رزق ابنه وابنته وزوجته. يحصل بعد طول تسكّع برفقة ابنه على وظيفة تافهة في لصق إعلانات السينما. يسارع إلى قبولها رغم أنها تتطلب امتلاك درّاجة. هكذا تجمع زوجته بياضات منزلها كي ترهنها مقابل دراجة من محل الرهونات في الحيّ. لكن قبل نهاية اليوم، تُسرق الدراجة وتذهب جهود الأب للقبض على السارق عبثاً بعدما غرق في الغابة البشريّة الرّثة المسماة روما. وبعد جولات محمومة برفقة ابنه برونو (يلعب دوره إينزو ستايولا وهو صبيّ كان يقف مع أبيه في الشارع لبيع الزهور بينما كان دي سيكا يصوّر أجزاء من فيلمه)، لا يتوفق بالعثور عليها، لتأتي لحظة لتراوده نفسه المقهورة بسرقة دراجة أخرى.
ليست القصّة وتعاقب أحداثها هي محور الفيلم بقدر ما هي مجرّد هيكل بنى عليه دي سيكا قراءة بصريّة مدهشة للعواطف الإنسانيّة التي تمس شغاف كل إنسان كريم مهما كان زمنه وبلده، يبذل غاية جهده لرعاية أسرته فيطحنه المجتمع الرأسماليّ بلا رحمة، ويكرر إهانته له في كل انعطافه. كأن روما صارت كل مدينة قاهرة وريتشي كل عامل مقهور.
الفيلم وقت عرضه في إيطاليا نهاية عقد الأربعينيات، لم يرضِ أحداً تقريباً إلا الفقراء المعدمين. فالرّفاق الشيوعيون اعتبروا أنّ نهاية الفيلم غير مرضية لا تمنح الناس الأمل بثورة تغيّر أوضاعهم البائسة، بينما ثار عليه البرجوازيون لأنه يصوّر إيطاليا أمام العالم بشكل مهين كمجتمع بائس وحقير. حتى صاحب الرواية الأصليّة أنكر علاقته بالفيلم، وقال إن بطل روايته برجوازيّ وأحداثها تتم في أجواء الطبقة الوسطى لا في قاع المجتمع كما في الفيلم. مع ذلك، فإن شريط دي سيكا امتلك قدرة سحريّة على اختراق القلوب عبر العالم والثقافات من الولايات المتحدة إلى الصين ومن اسكندنافيا إلى أفريقيا، وفرض بصدق المشاعر التي يقدّمها - من دون ابتذال الكاميرا الأميركيّة المعهود - التّعاطف الخالد والدائم مع ريتشي.

* «مهرجان لوكارنو السينمائي في بيروت»: 20:30 اليوم وغداً وبعد غد السبت ــــ باحة «متحف سرسق» ـ العروض مجانية