نجح المخرج النروجي ماتس غرورُد (1976) بمساعدة فريق عمل كبير، في نقل شكل مخيم اللجوء الفلسطيني وتفاصيله في باكورته الروائية الطويلة The Tower. الفيلم إنتاج نروجي-سويدي-فرنسي، استغرق سبع سنوات من العمل، بعدما عاش المخرج لمدّة سنة في مخيّم برج البراجنة في ضاحية بيروت الجنوبية. عُرض في «مهرجان الأفلام المتحركة» في آنيسي، و«مهرجان القاهرة السينمائي الدولي»، وأخيراً في «متروبوليس أمبير صوفيل» في بيروت. «البرج» هو قصة البحث عن الأمل لجيل النكبة وكلّ من جاء بعده. هو قصّة تعليم روايتنا للنكبة ونقل مهمّة العودة، لكنّه أيضاً محاولة لخلق قصّة عن شعب من دون العودة إلى رواياته، ولا الغوص في موروثه القصصي.

لنبدأ بالقول بأن فيلم «البرج» تقدميّ جداً بالنسبة لأوروبا، وبأنه مفيد للقضية حين يعرض خارج بلادنا. بمعنى أنّه من الناحية السياسية، يطرح المواقع الحقيقية للفلسطينيين والصهاينة، لأهل الأرض وللمحتلّ منذ عام 1948. لكنّه يعجز عن الذهاب أبعد من ذلك. تقنياً، صُنع الفيلم بتقنية «ستوب موشن» Stop motion (أسلوب تقطيع الحركة). يتحوّل إلى رسوم متحرّكة ثنائية الأبعاد 2D animation حين يعود أفراد العائلة في ذكرياتهم/ن إلى فلسطين أو إلى سنين الحروب. وقد ساعدت هذه التقنيات، وبخاصة تقنية تقطيع الحركة، المخرج (المتخصّص فيها) في إعادة خلق مخيم برج البراجنة وتحريك شخصياته فيه بحرية.
من ناحية القصة، يبدأ الفيلم بصراع بين سرديتين: الجد الأكبر يتحدّث مع حفيدته التي ينقل إليها تاريخ شعبها وأرضه، فيعلمها عن النكبة قائلاً: «إذا ما منعرف ماضينا، من وين اجينا، شو إحنا؟ ولا إشي»، فيردّ عليه بائعٌ بعد مشاهد عدة قائلاً: «فش إشي نتعلمه من الماضي. كل جيل جديد، طابق جديد».
بالإضافة إلى التاريخ الشفوي، يظهر «الأمل» كمحور الفيلم الأساسي: في الدقيقة التي يعطي فيها الجد الأكبر مفتاح منزله في فلسطين لابنة ابنه «وردة»، تبدأ ابنة الأحد عشر عاماً بالبحث عمّا تعتقد أن «سيدها» قد فقده: أمله بالعودة. «إذا فيه حدا بيعرف إشي عن الأمل، هو نحن» تقول لها جدّتها، فتدور الفتاة من طابق لطابق، بحثاً عن الأمل بين أفراد عائلتها. وبينما تبحث في طوابق المنزل الذي نما مع نمو العائلة، تمرّ على المراحل والحروب التي مرّ بها اللاجئون الفلسطينيون في لبنان. يعالج الفيلم إذذاك تلك العلاقة بين الأجيال وتجاربها المختلفة، ونتيجة هذه التجارب على قراءة الشخصيات للواقع وللمستقبل. بيد أن «أمل» وردة الذي يجب أن يتناقص مع كل طابق تتسلّقه، ومع كل مأساة تسمع عنها من أفراد العائلة، يتزايد وينمو، حتى تصبح هي ــــ على السطح مع خالها «كشّاش الحمام» الفاقد للأمل الذي يقول لها بكثير من الأسى «كل اللي بيهم هو إسّا. لا ماضي ولا مستقبل» ــــ الشكل الأقوى للأمل.
لا شك في أننا نرى تفاصيل المخيم، جماليته، الشوارع، الغرافيتي، شكل المخيم وأحياءه وشرائط الكهرباء المتدلّية، صور الشهداء، شعارات الفصائل: الفيلم ممتع وجميل من الناحية الفنية. كما أن استخدام المخرج للبيت الذي ينمو مع كل جيل جديد ليصبح «برجاً» صغيراً، يشكّل صعوده الحركة الأساسية لنموّ الحبكة، فكرة ذكية وممتعة. من الناحية الفنية-السردية، نرى في فيلم «البرج» برجين: المخيم من جهة، و«برج» العائلة التي صنعها الجد الأكبر.

يبدو المخيم في تقنية «ستوب موشن» حقيقياً جداً


لكن في تفاصيل القصة، تظهر معالجة سطحية للواقع السياسي للمنطقة وللبنان، من خلال مشهد لقاء لاجئين مع اللبناني العنصري الشرير الذي يكلّم الأصغر منهما بعنصرية وفوقية طبقية، ثم يطلب منه تقبيل جزمته مقابل دفع النقود له. ويفسّر الجدّ لـ «وردة» ذلك المشهد بسؤاله: «كيف بتتطلّعي ع واحد خسر كل إشي يا وردة؟»، «باشفق عليه»، «نحن ما كان بدنا شفقة». من جهة، مسألة رفض الشفقة أساسية في الفيلم وفي أي رواية تتعلّق باللاجئات/ين، لكنها لا تفسّر نظرة اليمين اللبناني للفلسطينيين، بل تبسّطها.
في مقابلة مع «سيني-أوروبا»، يقول غرورُد -وهو ابن ممرّضة كانت تعمل في مخيم البرج في أوائل الثمانينيات، كانت تعود لأولادها بعد أشهر عملها في بيروت، وتريهم صوراً من المخيم ــ عند سؤاله إن كان «البرج» فيلماً سياسياً: «أنا بالتأكيد ملتزم سياسياً، وهذه مساهمتي، في إظهار إنسانية هؤلاء الأشخاص، وضرورة معاملتهم بشكل أفضل». وهو ما يظهر بشكل جليّ. فالفيلم سعى بوضوح لعدم شحذ الشفقة أو إظهار المسألة على أنها مسألة إنسانية، بل سيّسها كما يجدر بأي عمل عن المخيمات. عمل إذذاك على أنسنة اللاجئين ومشاركة صور شخصية لعائلات وأفراد من المخيم، وهو تكتيك يواجه محاولة العدو الإسرائيلي لمحو صورة الفلسطينيين كمجتمع وأفراد وجعلهم كتلة وجوه مجهولة. لكن ذلك لم يستطع التعويض عن ضعف فكرة الفيلم وانسلاخها عن الموروث القصصي والأدبي المحلي.
على مستوى القصّة، من المهم أن نعرف أن المخرج عمل مع أصدقاء فلسطينيين له في لبنان والشتات، لتنقيح قصّته بعد كتابتها. وربّما يظهر ذلك في محاولته جعل حياة شخصيات فيلمه طبيعية وعادية، برغم المآسي والقهر. «حياتنا ما كانتش مأساوية» يقول الجد «بس اللي صار معنا مأساة». لكن هذا لا يجعل قصّته ملهمة أو مختلفة عمّا سمعناه ونسمعه. وهنا، نعتقد، تختبئ الحلقة الناقصة في الفيلم. من الصعب أن نرى فيلماً عن فلسطين يسعى ليكون مبدعاً في قصّته، وفي خلفية مخيلتنا تقبع أعمال غسّان كنفاني أو سحر خليفة أو ابراهيم نصرالله وغيرهم. وهو أمر لا يتعلّق بفلسطين فقط، بل بالارتكاز الثقافي السياسي للإنتاج الثقافي. ونتيجة غياب هذا الارتكاز والمرجعية، نشاهد فيلم «البرج» فنجد قصّة بسيطةً جداً، قد تبدو رائعة لأجنبي/ ة لكنها ضعيفة جداً لمن يقرأ الإنتاج الفني الثقافي لشعوب هذه المنطقة، وللأدب الفلسطيني بالذات.
لمن يعرف المخيمات في لبنان، ومخيم برج البراجنة تحديداً، بقصص أهله وشكل حاراته وبيوته وأحجامها، يبدو المخيم في تقنية «ستوب موشن»، حقيقياً جداً، حتى بأصغر تفاصيله. لكن هنا تنتهي جمالية الفيلم. وفيما تبقّى منه، هو فيلم مفيد لنا في الغرب، مفيد لمن لا يعرف كيف يعيش أهل المخيمات، ولمن لم يسمع أو يقرأ قصصهن/م.