مخطئ من يعتقد بأن مثل جان شمعون (1944 ــــ 2017) يرحل. صاحب «طيف المدينة» و«بيروت: جيل الحرب» و«تل الزعتر» و«أنشودة الأحرار» ترك بصمته بقوةٍ ككاميرته القاسية والحنونة في آنٍ. هو المخرج اللبناني وأحد مؤسسي السينما «المقاومة» بشكلٍ أو بآخر في لبنان: درس ابن قرية سرعين البقاعية السينما في باريس؛ لكن هذا لم يمنعه من التأثر (والمشاركة حتى) في أحداث المظاهرات الطلابية في العاصمة الفرنسية عام 1968. حين عاد إلى بيروت، كانت الحرب الأهلية قد بدأت تظهر من تحت الرماد. لم ينس السينما البتة، وأصرّ على أن يكون شاهداً ومشاركاً لا في حفظ الذاكرة فحسب، بل في تخليدها وتأطيرها بشكلٍ يكون في لحظةٍ ما جزءاً من هذا الحدث. إنه في «تل الزعتر» مثالاً، وهو الفيلم الذي أخرجه مع أبي السينما التوثيقية الفلسطينية مصطفى أبوعلي (والمخرج الإيطالي بينو أدريانو) الذي صوّر بعد المجزرة التي حدثت في 12 آب (أغسطس) 1976. يحمل شمعون الكاميرا والمايكروفون ويجري مقابلاتٍ مع ناجين من تلك المَقتلة مظهراً كل تعاطفه، ومتخلصاً من عقدة «الفن للفن» أو «السينمائي خارج الحدث». أستاذ السينما في معهد الفنون الجميلة من عام 1976 إلى 1983 كان واحداً ممن اعتُبروا الجيل المؤسس للسينما اللبنانية (شأنه في ذلك شأن مارون بغدادي، برهان علوية، رندة الشهال، وجوسلين صعب...).

لقد كان شمعون يمأسس فعلياً للدراما التوثيقية، حتى من دون أن يقصد ذلك. سينماه الوثائقية تتكل ـ بشكلٍ أو بآخرـ على مشاعره وانفعالاته كصانع للوثائقي فتظهر على الشاشة، فيما يلجأ النظام الكلاسيكي للوثائقي إلى أن يكون هدف وتوجه الوثائقي محدداً عند كتابة السيناريو الأوّلي له. بالتالي لا يظهر صنّاع الفيلم أنفسهم في الصورة، بل يتركون الناس يتحدثون. كان شمعون من مدرسةٍ مختلفة، كان جزءاً من أعماله، داخل وخارج فيلمه الوثائقي. بدأ أعماله مع أفلامٍ حاول من خلالها الالتزام بما يؤمن به «ثقافياً كفعلٍ مقاوم على طريقته»، فصوّر كما أشرنا فيلم «تل الزعتر» ليكون فاتحة أعماله. عاد وقدّم أفلاماً تشبهه مثل «أنشودة الأحرار» (4/6 ــ س: 18:30) الذي يعدّ «تحية» لتلك التجارب الثورية التي «لونت» حقبتي الستينات والسبعينات في القرن الماضي بألوانها الحمراء كتشي غيفارا، وسلفادور أليندي. ثم تعرّف إلى رفيقة دربه المخرجة الفلسطينية مي مصري التي أضفَت شيئاً من لمستها على أعماله، فشاهدنا لهما معاً فيلم «تحت الأنقاض» الذي أنهاه عام 1983، مع أنه صوّره في 1982 العام الذي شهد الاجتياح الصهيوني لبيروت. أمر أثّر كثيراً على الفيلم وصاحبه، إذ كانت تلك المرة الأولى والأخيرة التي يدخل العدو الصهيوني إلى عاصمةٍ عربية. في هذا الفيلم، يمكن للمشاهد أن يسمع صوت المخرج البقاعي في نصٍّ كتبه المسرحي روجيه عسّاف في الوثائقي ذي الأربعين دقيقة. إنه يصوّر معاناة اللبنانيين والفلسطينيين القابعين تحت «حراب» الصهاينة: دمارٌ شديد، أبنيةٌ تتهدم في ثوانٍ. لم يتوقف الثنائي شمعون ومصري عن العمل تحت حراب الاحتلال الصهيوني، فأكملوا مع «زهرة الجندول» (1985) الذي وضعهما على خارطة «المهرجانات الكبرى». لا تكمن أهمية الفيلم في ذلك فحسب، بل أيضاً بأنه كان بوابة اهتمام شمعون بسينما المرأة ودورها «البطولي» في مقاومة الاحتلال بأشكاله كافة. في عام 1989، قرر أن يعود لموضوعه الأثير من خلال فيلم «بيروت- جيل الحرب» (4/6 ــ س:18:30) الذي شكل لبنةً في مشروعه التوثيقي للحرب اللبنانية، وتأثيرها، وضحاياها، وأحداثها. هذا الفيلم الوثيقة أكثر من كونه مجرد فيلمٍ تأريخي، يبدأ بمشاهد للمعابر التي ربطت شطري بيروت ببعضها، وتحديداً معبر المتحف. يظهر الجيل الذي يريد أن يصوره شمعون: أطفالٌ يمارسون «ألعاب» الميليشيا لكن من دون أسلحةٍ حقيقية. أطفالٌ أجبرتهم الحرب على ترك مدارسهم والالتحاق بأعمالٍ وحرفٍ للمضي قدماً في هذه الحياة. لا يكتفِي شمعون بتصوير الأطفال، بل ينتقل ضمن الجيل عينه إلى الأكبر سناً: الشبان المراهقون. يختار أحد «الميليشيويين الشباب»، فيتأمل في أوشامه، وحديثه، ويظهر كيف أن الحرب باتت أشبه بأفعى تزحف داخل جلده لا عليه فحسب؛ وأن الموت سهلٌ وبسيط. ينتقل بعد ذلك إلى التواصل بين تلك المعابر التي كانت تضم متحاربين من أحزاب مسيحية يمينية ويسارية آنذاك. حواراتٌ يقال إنه قضى أياماً بلياليها منتظراً بين خطوط التماس مع كاميراته وأدوات تسجيله فقط لالتقاطها.

«بيروت- جيل الحرب» يبدأ بمشاهد للمعابر التي ربطت شطري بيروت، وتحديداً معبر المتحف


1992، كان عاماً مفصلياً للثنائي، إذ قدما «أحلام معلّقة» (18/6 ـ س:18:30) الذي تناول قضية «المفقودين والمخطوفين» في الحرب. لقد كان هذا أقرب إلى «تكملةٍ» أو جزء ثان غير مباشر للفيلم السابق «بيروت ـ جيل الحرب». كما لو أننا هنا أمام «خلفية» الصورة: هناك كانوا يتقاتلون، وهنا إحدى نتائج قتالهم. يتناول الفيلم قضية وداد حلواني (رئيسة لجنة المخطوفين والمفقودين في الحرب اللبنانية) التي خطف زوجها عدنان مع الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 ولم يعد. في هذا الوثائقي، كان سؤال شمعون اللاهث: ماذا بعد الحرب؟ هل ستعود؟ هل هذه مجرّد هدنةٍ أخرى ستعود بعدها الحرب لتشتعل؟ عاد في عام 1994 ليقارب قضية المقاومة من خلال مثالٍ «نسائي» آخر هو الطبيبة ليلى نورالدين العائدة إلى قريتها في جنوب لبنان، مسلطاً الضوء على معاناة الناس تحت الاحتلال ضمن فيلمه «رهينة الانتظار». تبعه عام 2000 أول فيلم روائي له في حياته هو «طيف المدينة» (25/6 ـ س:18:30) خارج الوثائقي ميدانه الأثير. قدمت تلك التجربة شيئاً من رؤية شمعون للسينما كما يريدها ويهواها؛ لكنه في الوقت عينه ظل وفياً للوثائقي. يبدأ الفيلم من عام 1974 حتى وقت الفيلم (عام 2000) إنها حكاية الحرب من أطفالها، مروراً بمآسيها وضحاياها والدمار الذي خلّفته، وبالتأكيد المفقودين مع بطلة العمل الماهرة كريستين شويري التي استوحى شخصيتها من شخصية «وداد حلواني». ولا ينسى شمعون أن يظهر ألعاب السياسة والسياسيين في الفيلم فتظهر من خلال شخصياتٍ موحية وواضحة في آنٍ.
بعد عام 2000، صنع شمعون مع زوجته أفلاماً مارس فيها «حنكته الإخراجية» مثل «أرض النساء» (10/6 ـ س:18:30) و«حنين الغوردل». في الأوّل، قارب حكايا ثلاث نساء فلسطينيات قاومن الصهاينة على طريقتهن: الأسيرة المحررة كفاح عفيفي (أمضت ست سنوات في معتقل الخيام)؛ والشاعرة فدوى طوقان (القادمة من إحدى أشهر العائلات الثقافية الفلسطينية) وسميحة الخليل (مقاومة اجتماعية وثقافية وشعبية ضد الصهاينة). أما في الثاني، فأعاد خديجة حرز بطلة فيلمه «زهرة القندول» إلى الواجهة بعد حوالى 25 عاماً، وقارب قصتها من جديد بعد التغير الزمني/الاجتماعي/ الثقافي الأفقي والعامودي في لبنان؛ ثم قامت كفاح عفيفي أيضاً بزيارة سجن الخيام (بعد تحرير المنطقة الحدودية) الذي عاد ودمره طيران العدو محاولاً إخفاء آثاره. بدت الكاميرا هنا جزءاً من الرسالة والتوثيق بأن أثر العدوان لا يمحى البتة.
يمكن اعتبار جان شمعون أحد أبرز أصوات سينما «المقاومة» في لبنان، فهو عرّابها الأبرز، إذ ليس هناك من فيلمٍ تناوله إلا وكان أسلوبه «المقاوم» وأفكاره ومبادئه التي يؤمن بها جزءاً أساسياً لا يمكن نزعه من عمله. في الإطار عينه، لم ينس شمعون حرفة عمله، فكانت أفلامه صورةً وصوتاً وتوثيقاً فنياً بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.

* شهر جان شمعون: بدءاً من الغد حتى 25 حزيران (يونيو) ـ «دار النمر» (كليمنصو ـ بيروت) ـ للاستعلام: 01/367013