القاهرة | أثارت وفاة الناقد يوسف شريف رزق الله (1942 ـــــ 2019) صباح الجمعة الماضي حالة من الحزن العام في أوساط السينمائيين المصريين، لكن بالأخص وسط جمهور مواقع التواصل الاجتماعي لم يسبق لها مثيل مع «ناقد» أو سينمائي من قبل. حالة تعكس قدر المحبة التي كان الراحل يحظى بها، وقدر التأثير الذي تركه في أجيال من عشاق السينما. منذ سبعة أشهر تقريباً، عندما أعلن عن تكريم الناقد السينمائي يوسف شريف رزق الله خلال افتتاح الدورة الأخيرة من «مهرجان القاهرة السينمائي الدولي» في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، بدا الأمر مدهشاً بعض الشيء. عادةً، يكرّم المهرجان سينمائيين عالميين ومصريين لهم نصيب ملحوظ من النجومية والشعبية. الأمر الثاني أن رزق الله عمل كمدير فني للمهرجان لحوالى أربعين عاماً، أي منذ نشأته تقريباً، مما يجعل التكريم أشبه بالتقدير الداخلي من المهرجان لأحد أبنائه. لكن بمجرد صعود رزق الله، الذي بدا عليه الإرهاق، حيث كان يعاني من مشاكل القلب على مدار السنوات الماضية، إلى المسرح، ضجت قاعة المسرح بالتصفيق المدوي وقوفاً لمدة دقائق، مصحوباً بهتافات من بعض الحاضرين، في مشهد قلّما يحدث إلا مع كبار النجوم الشعبيين.

ليلتها أيضاً، امتلأت مواقع التواصل الاجتماعي بكلمات التهنئة والمحبة وسرد أنواع التأثير المختلفة التي تركها رزق الله في أجيال متعاقبة من محبي السينما، فيما بدا أنه «بروفة» أو إرهاصة لمشهد الوداع العظيم الذي بدأ يوم الجمعة الماضي ولا يزال مستمراً. وداع يحمل في طياته حنيناً لعصر كامل وإلى الأبد.
عصر بدأ مع دخول التلفزيون مصر عام 1960 وتشكيله لما يشبه الذاكرة الجمعية للمصريين، من خلال الأفلام والمسلسلات والبرامج وخطب الرؤساء ومباريات كرة القدم... هذه الذاكرة التي يتشبث بها المصريون عبر قناة «ماسبيرو زمان» وغيرها من القنوات التي تبث هذه المواد «التراثية» وتحظى بما تحظى به من إقبال شديد. مع دخول السبعينيات، بدأ التلفزيون يعطي مساحات أكبر للمواد الأجنبية، على رأسها الأفلام بالطبع. ومع إطلاق برنامج «نادي السينما» من تقديم درية شرف الدين وإعداد يوسف شريف رزق الله في بداية 1975، بدأت حقبة مختلفة من الثقافة السينمائية في مصر.
كان رزق الله، المتخرج في كلية «اقتصاد وعلوم سياسية» يعمل محرراً في قطاع الأخبار في التلفزيون، ولكن كانت له نشاطات سينمائية في «جمعية الفيلم» و«نادي سينما القاهرة». وبالتالي عهد إليه إعداد البرنامج الذي حمل اسم الجمعية الشهيرة. حقبة جديدة من الثقافة السينمائية بدأت مع «نادي السينما» وامتدت لسنوات طويلة، قبل أن تنتقل لبرامج أخرى مثل «أوسكار» تقديم سناء منصور وإعداد رزق الله أيضاً الذي تخصص في الأفلام الحائزة جوائز الأوسكار، ثم «تليسينما» الذي كان أول برنامج يقدمه رزق الله بنفسه، و«ستار» و«سينما في سينما» وغيرها.
ربما يصعب على أجيال اليوم، التي تعاني من التخمة الإعلامية، تخيل المشهد قبل ظهور الإنترنت والفضائيات. بالنسبة إلى الأجيال السابقة، كانت ليلة السبت التي يذاع فيها برنامج «نادي السينما» مقدسة، وكثيرون كوّنوا بذرة وأساس ثقافتهم السينمائية من خلال البرنامج. ومع ليلة السبت، أضيفت ليلة الخميس مع إطلاق برنامج «أوسكار». ومع «تيلسينما» و«ستار»، لم تعد الأفلام فقط في متناول اليد، بل أيضاً أخبار وحوارات مع نجوم السينما العالمية. وعندما أطلّ رزق الله على الشاشة من خلال البرامج الأخيرة، وقع المشاهدون في حبه على الفور، بوسامته المميزة وإطلالته الهادئة المتواضعة وثقافته الكبيرة.
لم يكن رزق الله ناقداً سينمائياً بمعنى الكلمة، وكتاباته حول الأفلام كانت دائماً للتثقيف والتعريف ومحمّلة بالحب أكثر من النظرة التحليلية أو النقدية. بمعنى ما، قبل ظهور كلمة «منشط ثقافي» التي أصبحت «موضة» الآن، كان يوسف شريف رزق الله أشهر وأكبر منشط ثقافي سينمائي ظهر في مصر.
وبالإضافة إلى الجمعيات السينمائية والتلفزيون، كان «مهرجان القاهرة الدولي» الساحة الكبرى التي شهدت إنجازات رزق الله التثقيفية منذ نشأة المهرجان نهاية السبعينيات حتى الدورة القادمة بعد أشهر. إذ كان يعمل خلال الأسابيع الماضية قبل مرضه الأخير ووفاته. على مدار عقود وتعاقب رؤساء للمهرجان، كان رزق الله في موقع «القلب» والمحرك الرئيسي للمهرجان، الذي يختار أفلامه وضيوفه ويشرف على كل كبيرة وصغيرة فيه، باستثناء دورة واحدة لم يعمل بها في المهرجان عام 2014.
وهذه الإنجازات كلها لم يكن لها أن تؤتي ثمارها لولا شخصية رزق الله التي تليق بـ«منشط ثقافي» حقيقي يتمتع بالشغف وبالتعلق الشديد بعمله، وكذلك بحبه للناس خاصة عشاق السينما. كان يحرص على متابعة كل ما يكتب عن السينما والتواصل مع الصحافيين والنقاد الشباب، ولن تجد واحداً منهم تقريباً لم يتصل به رزق الله في يوم من الأيام ليحيّيه على مقال كتبه، أو ليذكر له بعض الملاحظات والتعليقات. بالإضافة إلى تأثيره العام في عقول أجيال، ترك رزق الله ذكريات حميمة شخصية في عشرات وعشرات من السينمائيين وعشاق السينما من مختلف الأعمار. الحزن الهائل الذي خلفه رحيله يعكس قدر التأثير الذي تركه وقدر المحبة الذي حمله للسينما ولمحبي السينما... حزن على زمن ونوع من البشر ربما لم يعد لهما وجود.