«جوكر» لتود فيليبس

البندقية | إذا كان «جوكر» جاك نيكلسون صورة كايكاتورية شيطانية، وهيث لدجر تجسيداً للفوضى، فإن «جوكر» واكين فينيكس رجل ضائع يجد طريقة تدريجية للخلاص من خلال جنونه. هو الفرح والحزن. هو الإرهاب والرحمة. هو الكره والحب. هو الذكاء والتصرفات الساذجة. هو الإنسان. الأميركي تود فيليبس ينظر إلى الجوكر من منظور اجتماعي بحت، يقدم صورة طريفة ومخيفة، استناداً إلى قراءة أصلية للشخصية، التي لا تستمد تجسيدها السينمائي من أفلام سابقة ولا هي استعارة للقصة الرمزية السينمائية «للكاراكتير». آرثر فيليك (واكين فينيكس) ليس شراً مطلقاً مصاباً بجنون العظمة، إنما ولد في مجتمع يحط من شأن «المختلفين»، «الخارجين عن المنظومة الاجتماعية»، هؤلاء المتميزون لا يتقبلهم المجتمع، بل يحط من شأنهم ويقوضهم، يعاملهم بقسوة لأنه، ببساطة، لا يفهمهم ولا يمكنه وضعهم ضمن خانة معينة أو صورة نمطية جاهزة.
في المشاهد الأولى من الفيلم؛ نرى آرثر، يحمل لوحة إعلانية. مظهره الهش وبنيته الضعيفة يجعلانه هدفاً سهلاً لمجتمع يهزأ به ويراه هدفاً للاعتداءات الجسدية. لا يبدو الوضع مختلفاً داخل المنزل؛ فوالدته ترى الأمور بطريقة خاصة برغم حبها له، وهي بحاجة دائماً للعناية والاهتمام. «ولدتَ لترسم الابتسامة على شفاه العالم» تقول والدته ـ الشخص الوحيد الذي يأمل له النجاح. لم يتوقف آرثر يوماً عن حلم حياته المهنية في الكوميديا، في مدينة تغرق في القمامة والأوبئة والعصابات وعدم المساواة. لكن ليس لآرثر حس النكتة. بالنسبة إليه، الكوميديا هي «شيء شخصي». لا يوجد في عقله سوى الاضطرابات والخلل، لا يُعرف ما إذا كان ذلك ناتجاً عن مرض ما أو أنّه أحد الآثار الجانبية لطفولته الصعبة، ولا يبدو أن معالجه النفسي يأبه لذلك. يعطيه فقط حفنة من الأقراص تساعده على الوقوف على قدميه لا أكثر. يضعنا تود فيليبس أمام هذا الرجل الذي يحاول أن يجد مكانه في مجتمع معادٍ، نتبعه في حياته اليومية وهو يحاول اكتشاف الخطوة الأولى لتكوين أسرة سعيدة، والاستماع إلى تقلبات ضحكته الدالة على النشوة المضطربة.
«جوكر» ليس فيلماً دموياً. يهتم المخرج بالطريق الذي يؤدي إلى العنف لا العنف نفسه. قصة «جوكر» هي قصة خالدة، لكن الفيلم لم يتم ضبطه كما يجب. فيلم غني بالتفاصيل لكنه مشوّه نوعاً ما من كثرة الأفكار التي يريد المخرج تمريرها بسرعة قياسية. يحتوي على نسيج من أفلام العصابات والانتفاضات الاجتماعية للجماعات المضطهدة، ويسلط الضوء على التناقضات الاجتماعية في مجتمع «غني» حديث. أما وجود موراي فرانكلن (روبرت دي نيرو)، في دور مقدم برنامج حواري شعبي، فيعطي صوتاً للمدينة، ويعزز الإيديولوجيا الرأسمالية التي تسير عليها.
غالباً ما يُظهر لنا الفيلم ما يفكر فيه آرثر (أو أحلامه)، مما أسهم في تشتت أفكار العمل على الرغم من أن هدف المخرج هو مساعدتنا على فهم المسار المزعج لشخص مهزوم بصعوبات الحياة وتحوّله لشخص شرير ومخيف. وفوق كل هذا، يقوم فيليبس بشكل مفاجئ بتحويل مسارات القراءة المتعاطفة مع الشخصية رأساً على عقب ومن مشهد إلى آخر، ما يجعلنا ننسى ما يريد بالتحديد قوله.



نجاح فيلم «جوكر» مدينٌ للأصالة التي تُروى بها قصة هذه الشخصية، وبالتأكيد أداء واكين فينيكس المثالي من الضحكة إلى التعبير إلى لغة الجسد والبكاء. موسيقى الفيلم المليئة بألحان التشيللو، تضفي الشعور بالوحدة في المدينة الحضرية، وتكشف وميض الضوء في الصورة على مدى استمرار الظلام، والسعادة تتحول إلى عبارة وهمية عابرة مثل مسرحيات مصيرية سادية. الثورة تبدأ الآن من مدينة غوثام، الجوكر هو الضاغط على الزناد، ولكن بالتأكيد هناك شخص آخر يحمل السلاح.

«إيما» لبابلو لارين
الفيلم الجديد «إيما» للتشيلي بابلو لارين يعتبر تمريناً على أسلوب شكلي جديد للمخرج في تشريح مجتمع بلاده. بابلو لارين الجديد حاضر بشخصية غير مقنعة كلياً ولكن متحمسة ومجازية. يمكن استخلاص العديد من القراءات من القصة ولا يمكننا إنكار وتيرة الاهتزازات والنشوة المكهربة للفيلم، ولكن أيضاً يمكن اعتباره شيئاً متشائماً وباهظاً بلا معنى. يتمتع الشريط بقوة كاسحة مستعرة متفجرة لجنون العظمة على الشاشة. يرسم طريقاً إلى الجنة والنار معاً. يرفع الاصبع الأوسط لأي مصطلح عن مفهوم الأمومة، والرقي في الفن، وتحرير المرأة وتقرير المصير الجنسي.
«إيما» فيلم متناقض، باعتبار أن العالم الذي يخرج منه الفيلم متناقض بذاته. اهتم التشيلي بقسوة الإنسان في مقاربته للوجود المعذب لزوجين شابين: إيما (ماريانا دي جيرولامو) وغاستون (غايل غارسيا بارنيل) اللذان أعادا للتو ابنهما بولو إلى الميتم الذي تبنياه منه بعدما أصبحت تصرفاته خارجة عن المألوف (أحرق البيت، أحرق وجه عمته، وضع الكلب داخل الثلاجة...). علاقة الاثنين مضطربة، يلومان بعضهما على تصرفات بولو وعلى إعادته للميتم. الحوارات بين الراقصة إيما ومصمم الرقصات غاستون هي حوارات عنيفة لفظياً، دائماً ما توجهها إيما إلى رفيقها المذهول. على الرغم من الفرضية الصارمة والعدوانية التي تتجلى في العديد من العلاقات المتبادلة بين الشخصيات مثل النفاق والتلاعب؛ يسير الفيلم نحو النور والعتمة في آن معاً، ويسمح السرد للعمل بالسير بمحاذاة التعاطف مع الشخصيات أو رفض إيديولوجية إيما.
يبدأ الفيلم قبل كل شيء بحريق متعمد. تصبح النار هي الفكرة المجازية والحرفية لسائر الأحداث. إيما الراقصة في فالبارايسو ــ تشيلي تعتبر الرقص طريقة تعبير ومقاومة وتواصل، سواء مع زميلاتها أو في الحانات الليلية أو الشوارع أو في المدارس حيث تعطي دروساً من وقت إلى آخر أو مع فريق الرقص التجريبي الذي تديره مع زوجها مصمم الرقصات. إيما شابة غير قادرة على التنسيق مع متطلبات دورها في المجتمع، بينما يتحلل زواجها. نراها ترقص تحت أضواء النيون على إيقاعات الموسيقى الصاخبة. تشرع في رحلة السعي الجنسي والشخصي، التي تستمر على اهتزاز الموسيقى والنشوة الجنسية، وستؤدي إلى الاكتشاف التدريجي للتناقضات والنكسات التي لا بد منها في كل مسار لتحقيق الذات. يعود لارين إلى مسقط رأسه ويلتقط «سيلفي» بطريقة اكلينيكية، متابعاً شخصية غامضة يتعذر الوصول إليها.

في «جوكر»، يهتم المخرج تود فيليبس بالطريق الذي يؤدي إلى العنف لا العنف نفسه

يجبرنا الشريط على اتخاذ موقف محدد، لكن سواء كرهناه أم أحببناه، لن نستطيع إغماض أعيننا عن الشاشة. لا يسمح لنا لارين بمعرفة إيما عن كثب، وما إذا كانت ردة أفعالها شخصية بحت أم مجرد انعكاس لأفعال الآخرين. يمكن رؤية إيما ككائن أبله لا يمثل سوى كومة مثيرة للشهوة الجنسية، ويمكن رؤيتها كمتلاعب ذكي يستخدم الجنس للسيطرة على الجميع وجعل الأمور تسير كما يشاء. يدمر لارين الموجود، ويبني المستقبل بالطريقة التي يفكر بها شخوصه. هم الآن أكثر حيوية ولكنهم باهتون وغير ثابتين، حفنة من الأشخاص ذوي الأقطاب المتباعدة محاصرون في حياتهم اليومية، جميعهم مستعدٌّ للوقوع مثل الذباب تحت أي ضغط. ليس للفيلم أفكار واضحة منذ البداية. لا شيء سوى الفوضى، يفرضها علينا المخرج بصوت عالٍ، ويضع ثقله على جسم إنسان يحاول اكتشاف الأجزاء المفقودة منه. سلسلة من الحوارات التي تحاول بشكل مفرط أن تعني شيئاً. فيلم يفيض بكل شيء، يحاول بكل قوته أن يكون مفاجئاً وحيوياً بالرقص أو الموسيقى أو الأضواء، منذ بداية الفيلم والحريق والدراما والرقص الوحشي حتى النهاية.
الواضح أن لارين لا يريد إيصالنا إلى أي مكان. يجب على الشخصية أن تظل غامضة وإلا فقد لارين الطريق وانهار الفيلم. لارين مخرج أفلام مثل «النادي»، و«نيرودا»، و«جاكي» جديد هنا. يضع، أكثر من أي وقت مضى، كل شيء أمام المشاهد. فيلم محير (ليس بالطريقة الإيجابية). الانطباع بأننا أمام عمل فخم وعصري يمنعنا من التركيز على الأسباب النفسية للشخصيات. يبدأ الفيلم من أحشاء الإنسان ويدمج الروح والجسد. يسيطر الأداء والتصوير على الفيلم أكثر من المضمون الذي يتبع خطوات دقيقة من دون أن يكون قادراً على التوقف في المكان الذي كان من الأفضل أن يختتم فيه. إذ يستمر بفائض من كل شيء وفائض وصفي كأنه يريد «تطبيع» كل شيء، وتعزيز القوة المتفجرة، ولكن لا أحد يستطيع الرقص لمدة طويلة! بابلو لارين مخرج يعرف طريقه، أضاعه تقريباً في هذا الفيلم، ولكن قد يولد من رماد «إيما» لارين جديد.