استفزازي وأنيق، كلمتان أتذكرهما جيداً، قلتهما مباشرة بعد انتهاء أول فيلم شاهدته لبيدرو ألمودوفار، فيلم «قانون الرغبة» (1987). لم أكن متأكداً إن أحببته أم لا، لكني رغبت بعد مشاهدته بالرجوع إلى الوراء والتعرف إلى بيدرو منذ بداياته. «قانون الرغبة» كان فيلمه السادس، والأول الذي شارك في مهرجان سينمائي دولي (برلين). عدت إلى أفلامه السابقة لأكتشف أن «قانون الرغبة» هو أول شريط يهيمن فيه أسلوب ألمودوفار المتعب والملهم، والأول الذي يتميز بحيوية وإيقاع، بعيداً عن أفلامه الأولى غير المألوفة وغير المنظّمة مثل «ماذا فعلت لأستحق هذا؟» (1984). منذ بداياته حتى فيلمه الأخير «ألم ومجد» (2019)؛ تعمقت الفكرة التي كونتها والتي اختصرتها بالكلمتين.


بينيلوبي كروز في فيلم «فولفر»


استفزازي
تأثرت سينما الإسباني بسينما مواطنه لويس بونويل، وبألفريد هيتشكوك، وراينر فيرنر فاسبيندر، وجون ووترز ودوغلاس سيرك. تركز سينما ألمودوفار على شخصيات غير مألوفة، فريدة، لكنها ليست غريبة عن كوكبنا. هيئتها الخارجية وأزياؤها قريبة من فنّ الكيتش. تنتمي إلى مكان واحد أو بيئات متشابهة. قصصها تتلاقى حول هواجسها الجنسية والدينية والاجتماعية، تعرض منظوراً مختلفاً للعادات والتقاليد الإسبانية بطريقة سياسية حيناً، وتاريخية أحياناً. دائماً ما تكون الشخصيات قوية، بخاصة النساء. لديهن جميعاً شيء نادر في الحياة الطبيعية هو الرغبة الكامنة داخلهن، وإدراكهن لما يردن ويستطعن فعله. أفلامه ذات مروحة متنوعة، كونها تستند إلى أنواع مختلفة ولو تشابهت. نجد فيها الكوميديا السوداء، والميلودراما، والإثارة، والدراما الاجتماعية مع مساحة واسعة للتهكم والمهزلة. يحب بيدرو المحظورات لأنه يستطيع كسرها، حتى في أفلامه الحديثة. يسلط الضوء على شخصيات ومواضيع غالباً ما تكون مخفية في واقعنا، تمثل الجنس والعلاقات الثنائية والثلاثية والمثلية والكويرية، والشهوة والموت، والمخدرات، والفساد والدعارة في أفلام حزينة أو مثيرة، ولكن التركيز الأساس هو على العلاقات بين هذه الشخصيات. تضيف سينما ألمودوفار مذهباً طبيعياً يدمّر العرف البرجوازي المعتاد للسينما الإسبانية، وعادة ما تمثل حقيقة هامشية أو تابعة للحضارة المعروفة.

أنطونيو بانديراس في «ألم ومجد»


أنيق
أفلامه مليئة بالتفاصيل الأنيقة التي تشبهه. بمهارة يخلق مشاعر من الأشكال والألوان وحدها. ألوان أفلامه زاهية مثل فساتين النساء فيها. تصاميم بيوته فنية تنهل من ثقافة البوب لترسم لوحات واقعية ساحرة. يدمج ألواناً زاهية ومتناقضة في مشهد واحد. متطرف ومتهور ومبتذل بطريقة رائعة. أفلام ألمودوفار تلمع حتى في أحلك الظروف. مشاهده بحد ذاتها فن طليعي يمزج الفن التقليدي بالمعاصر، وشخصيات ألمودوفار تلبس ثيابه وتنظر إلى لوحاته الخاصة، تحديداً في فيلمه الأخير الذي هو بمثابة سيرة ذاتية.



بيدرو ألمودوفار هو اللون الأحمر؛ رمز الميلودراما، التطرف، الجنس، الثقة، الجرأة، الشهوانية والمحن التي لا يمكن لشخصياته تفاديها. كمتطفل، يظهر اللون الأحمر في كل لقطة كاقتباس رقيق أو وقح أو بعيد المنال. الأحمر شخصية نشطة بحد ذاتها، يتجلى من خلال الملابس والأكسسوار وحتى الطعام. أناقة ألمودوفار تظهر في التفاصيل. الأحمر في كل مكان؛ إنه في طبق الجاثباتشو الذي تحضره بيبا في «نساء على حافة الانهيار العصبي» (1988)، وفي السراويل في فيلم «تربية سيئة» (2004)، وفي نظارة ريبيكا الشانيل في «كعوب عالية» (1991)، وفي خزانة المخدرات على شكل صليب في «زهرة سرّي» (1995)، وفي ستائر جميع الأفلام، وفي آثار القبلات على الصور والمغلفات.

مدرستان في الحياة
«كانت لديّ مدرستان مهمتان في الحياة، الاستماع إلى أمي والنساء والقصص التي يروينها، والأخرى هي الليالي التي لا تنتهي في مدريد حيث الجنس، والمخدرات والروك أند رول». هناك، ولد المخرج الأكثر شهرة في إسبانيا منذ بونويل، وأحد أكثر السينمائيين تأثيراً ونفوذاً في العالم. وُلد تحديداً في المكان الذي حارب فيه دون كيشوت طواحين الهواء، أي كاستيلا لا مانشا، المنطقة الريفية خارج أبواب مدريد. هناك أيضاً، تدور أحداث «فولفر» (2006) أحد أكثر أفلامه شهرة. تدور معظم أعماله في العاصمة. أحد عشر فيلماً جرت أحداثها في مدريد بما فيها «نساء على حافة الانهيار العصبي» و«تكلم معها» (2002).



ولد ألمودوفار في مثل هذا اليوم عام 1949 أو 1950 أو 1951. لا يحب الحديث عن ذلك، يصف العمر بالمذبحة، وليس فقط بالمعركة. من الغريب تخيل ألمودوفار كبيراً في السن. رأيته في «مهرجان البندقية» الأخير حيث تسلّم أسداً ذهبياً عن حياته (كان يجب أن يكون الأسد مصبوغاً بالأحمر). بين عامي 1974 1978، صور أوائل أفلامه بكاميرا «سوبر 8». كانت أعمالاً حماسية تتعلق بالجنس والمخدرات والمثليين والمتحولين جنسياً وكيفية قضاء ليالٍ جيدة... أشياء كان ألمودوفار يعرفها جيداً. انقسمت الآراء حول أعماله: بينما وصفتها الدوائر الكاثوليكية والمحافظة بالبغيضة، استحال للآخرين إلهاً معبوداً. استغل المخرج الشاب الحريات الجديدة بعد انتهاء الدكتاتورية في إسبانيا وجلب سلوكيات جديدة من الحياة على الشاشة. اكتشف الناس مدريد جديدة في أفلام. فقد شاهد كل شخص أراد الذهاب إلى مدريد في الثمانينيات، أحد أفلام ألمودوفار، الحقبة التي يتمنى المخرج أن يعود إليها.

بينيلوبي كروز في فيلم «فولفر»

سينما معروفة للغاية، مكونة من عناصر متكررة، بشخصيات تبحث عن مكانها في العالم، مواصلةً درب استقلاليتها، ونازعة عنها السلاسل التي فرضتها ديكتاتورية فرانكو. سينما ألمودوفار أسيء فهمها منذ البداية. هي تظهر التسامح والتفاهم، وليست تعليمية مزعجة. بيدرو عبقري حكايا، مدافع حساس يهتم بالآخر، ضحية مجتمع ميكانيكي. فيلمه الرسمي الأول «بيبي، لوشي، بوم» (1980) عبارة عن كيتشي متحرر، ترنيمة لتقرير المصير، يضم ثلاث شخصيات نسائية (متحررة، مازوشية، ومثلية تسعى للانتقام من الرجل الذي سرق عذريتها حرفياً). يتنقّل الفيلم بين المواقف السوريالية وحفلات البانك الكويرية التي تشهد مسابقات أطول قضيب. ثلاث نساء يبحثن عن السعادة، مدفوعات بإحساس قوي بالاحترام ونبذ الكره ومستعدّات لفعل أي شيء للدفاع عن أولئك الذين يواجهون المصاعب. الفيلم هو ثمرة عشر سنوات في الظل (خلال الدكتاتورية، كان يتم حبس المثليين في معسكرات إعادة تأهيل). كان صرخة فظة في وجه المجتمع، قنبلة مجهزة للانفجار، سينما ملونة، غريبة، مفرطة في بعض الأحيان، عن أولئك الذين يضعهم المجتمع والدين في الهامش. ولدت سينما بيدرو على وجه الاستعجال، بوصفها حاجة لتصوير سينمائي يجب أن يصرخ ويواجه. كان يُنظر إلى ألمودوفار نظرة الشك بسبب النقد الشديد الذي تعرّض له، ووصف الرقابة له بأنه مبتذل ومتطرف. ثم كانت نقطة التحول عام 1988: لقد أصبح بيدرو مرئياً أكثر، يرسم شخصياته بشهية حية، معظمها أنثوية. عالم مصغر تتدفق فيه الحياة لتبهرنا في كيانها الفريد.
وصفت الدوائر الكاثوليكية أعماله بالبغيضة


ألمودوفار يجعل المرأة سعيدة، بكل نقاط ضعفها، حتى إنه يحبها في لحظاتها الهستيرية. لعلّه من المخرجين المثليين الوحيدين ـ بالإضافة إلى راينر فيرنر فاسبيندر ـ الذين يستطيعون اكتشاف الجمال في وجه كل امرأة. المشهد الأنثوي بالنسبة إلى ألمودوفار، مثير للدراما البشرية العظيمة. هو لا يجعل دموع المرأة تتدفق، إنما يحبسها في العين. يقترب بكاميرته من النساء إلى درجة يجعلنا نلمسهنّ. يصوّر أجساد النساء كيفما شاء. في فيلم «فولفر»، يبدو شقياً عندما يصوّر بينيلوبي كروز من السقف بينما تغسل الأطباق. على الرغم من أن المشهد مثير، إلا أن عين بيدرو لا ترى قنبلة جنس، بل امرأة فخورة بجسدها.



في الثقافة الإسبانية، النساء أكثر حيوية وتعبيرية وصراحةً، لأنهن أقل خوفاً من السخرية والتحامل. ألمودوفار يلاحظهن بتعاطف، يجسد نقاط قوتهن وضعفهن ولا يقوّضهن أبداً. يُظهر القوة والمعارك اليومية التي تواجهها كل امرأة، مثلما نرى في بداية فيلم «كل شيء عن أمي» (1999). منذ البدء، أعلن ألمودوفار نفسه عاشقاً للنساء، قادراً على معرفة شعور كل واحدة منهن عند العمل معه، وهن يؤكدن ذلك. أفلامه انعكاس لنفسه ولفهمه للمرأة. يصور عالمها بسحر وثقة وسهولة. أفلامه قصائد أنثوية، تدور في المنطقة الرمادية بين القوة الذكورية وحساسية الأنثى. خط يحبّ أن يكتشفه، يفسد الصور النمطية من خلال تقديم نساء قويات مستقلات يضطلعن بأدوار الذكور ويُحسنّ القيام بها. كما أن ألمودوفار كسر الكليشيهات عن المتحولين جنسياً. في أفلامه، لا يقتصر الأمر على الرجال الذين يؤمنون بأنفسهم على أنهم نساء يرغبون بالتحول ويعيشون في دوامة، بل يختارون أيضاً التعبير عن الجزء الأنثوي فيهم بشكل أساسي.
سينما بيدرو وألوانها وشخصياتها تجعل المجتمع أكثر تنوعاً. كل شخصية ذات قصة محددة. لا حياة تشبه أخرى. الحياة بالنسبة إلى ألمودوفار جميلة لأننا قادرون دائماً على الاختيار... العالم جميل لأنه متنوع!