الفن صلاة. السينما تنحت الوقت. المؤلف يخوض لحظات روحية تزداد وتزداد لتشكل الهدف النهائي للحياة. الألم مفيد لإعطاء شكل للأمل، الذي يأتي في الحياة مع الصلاة. النوم مشابه للموت. لا تحاول فرض فكرتك على الجمهور، أظهر له الحياة وسيجد في داخله الأدوات اللازمة لتقييمها وتقديرها. الشعر هو وعي العالم. السينما هي الفن الأكثر شخصيةً وحميميةً. تلك بعض الآراء الذي يطرحها اندريه تاركوفسكي (1932 ــــ 1986) في وثائقي مخصّص له من توقيع ابنه... وثائقي أعاد السينمائي الروسي إلى الحياة ليكون هو محرّك سرده.

صور، مشاهد خاصة، مقابلات، مشاهد من أفلامه ومن مواقع تصوير، محادثات، خاصة مصوّرة... كلها استغلها أندريه تاركوفسكي الابن لتقديم فيلم «أندريه تاركوفسكي: صلاة سينمائية» (2019 ـــ 97 د) الذي يعيدنا إلى البداية، إلى الصورة الأولى لتاركوفسكي الأب وهو طفل لغاية وفاته. يتتبع الوثائقي سنواته الأولى، مراحل حياته المختلفة، الأماكن الذي عاش فيها، وروابطه، بخاصة العائلية منها. يكشف عن شخصيته وأفكاره كإنسان بعيداً عن كونه أحد أكبر العقول السينمائية. يعطي صوتاً له، كنوع من اليوميات الخاصة التي شكّلته. «أندريه تاركوفسكي: صلاة سينمائية» عبارة عن آيات، وملاحظات، وأفكار طالعة من عقل المخرج نفسه ومن فمه مباشرةً مثل النهر تتبع بعضها بعضاً بلا كلل ومن دون أن تترك نفساً للمستمع والمشاهد.

مشهد من شريط «أندريه تاركوفسكي: صلاة سينمائية»

كان لتاركوفسكي الكثير ليقوله، لكن الأكثر للقيام به. بأرشيف سينمائي من سبعة أفلام طويلة وواحد قصير، فرض نفسه بصفته أحد أهم المخرجين في تاريخ الفن السابع. ومثل كثيرين، لما حصل ذلك لولا تأثير المحيط به بدءاً من والده الشاعر، وأمه الممثلة، والسنوات الأولى التي أمضاها في عفوية الطبيعة، والترحيل القصري عن وطنه الأم روسيا، ورحلة استكشاف الذات والمناظر الطبيعية الجديدة... كلها عناوين عريضة شكلت سينما تاركوفسكي وقد اختارها الابن لينسج منها عمله الوثائقي.
يروي الفيلم بالتسلسل الزمني حياة تاركوفسكي ومسيرته المهنية، تاركاً الكلام للمخرج نفسه الذي يشاركنا ذكرياته، ونظرته إلى الفن، وانعكاسه على الفنان نفسه وعلى شعور الوجود الإنساني ككلّ. بفضل تسجيلات صوتية ومرئية نادرة لمقابلات، وصور شخصية بكاميرا البولارويد التي أعطاه إياها المخرج مايكل انجلو انطونيوني، ودروس خاصة مستعادة وغير منشورة سابقاً محفوظة في أرشيف تاركوفسكي في فلورنسا في إيطاليا، يقدم الوثائقي كمية هائلة من المواد ضمن عملية تجميع معقدة. نعود إلى المصدر الأساسي للفكر التاركوفسكي، إلى عقله مباشرة، نغرق في الكون الغامض لصورته السينمائية، نعيد النظر في عمله وعالمه الداخلي الخاص ضمن وثائقي مقسم إلى فصول عدة يتتبع طريق تاركوفسكي كرجل ومفكر ومخرج. تترافق القصة مع تسجيلات غير منشورة لقصائد أرسيني تاركوفسكي (والده)، يقرأها تاركوفسكي نفسه. إذ مارست هذه الأعمال الشعرية تأثيراً هائلاً على سينما أندريه، وهذا الوثائقي يشهد على هذا التراث الفني والرابط الثقافي والروحي بين الأب والابن والحفيد.
يسترجع «أندريه تاركوفسكي: صلاة سينمائية» حياة أندريه أو بالأحرى وجوده، من دون التورط في بيانات تشكل فيلم سيرة ذاتية مملاً. هذا ما هو الأكثر إقناعاً، لأنّه من الصعب جداً إعادة إحياء تاركوفسكي أو التكلم عنه، وهذا ما لم يقع فيه ابنه، فترك أباه يتحدث عن نفسه بنفسه بأفكار بسيطة تحتل هذا الشريط بأكمله الذي يحاكي أسلوب تاركوفسكي الأب السينمائي.
لأكون أكثر وضوحاً في ما أعنيه عن أسلوب الأب السينمائي: عندما دافع سارتر عن أحد أفلام تاركوفسكي، قال إنه لا يعرف ما يفعله، لأنه كان دفاعاً فلسفياً عن شيء فني. هذا التوتر الذي أحس به سارتر خلال دفاعه، موجود بشكل دائم ومستمر في حياة تاركوفسكي كإنسان وفي أفلامه التي يعرّفها بعضهم بأنها «صعبة»، وهذا التوتر ليس متعمّداً، إنما هو خلاصة ما يفعله تاركوفسكي، أي التكلم عن الحياة بالاستعارات والرموز. والتوتر إياه، يظهر أيضاً هنا في الفيلم بشكل أكثر وضوحاً وصراحةً لأنّ تاركوفسكي يفسره لنا بكلماته.
إذاً، خط الأحداث الذي يتبعه الفيلم هو ترتيب زمني يمتد من البدايات منذ فيلم «طفولة إيفان» (1962) وصولاً إلى «التضحية» (1986). سيبدو لنا أنّ هذا الترتيب يعود إلى الوراء مع تقدم الفيلم، مع كل خطوة عملية جديدة أو مرحلة عمرية أكبر... يعود نحو الطفولة، خزان ذكريات تاركوفسكي الذي نهل منه في جميع أفلامه، خصوصاً في فيلمه الأخير. حركة إلى الوراء تمر من خلال استرداد وتقديم القيمة الحقيقية لهذا الإيمان الذي في صدر المخرج وأهمية الصور الرمزية في أعماله. من خلال هذا السرد، نتعلم قدر الإمكان عن فن تاركوفسكي، البسيط والمعقد، نصل مباشرة إلى قلب الرمز، إلى المتاهة الحقيقية في حياته.

يوضح تاركوفسكي في الوثائقي أنّ فيلمه «ستوكر» (1979) هو المفضل لديه

نظريات كثيرة، مقنعة وغير مقنعة، بل متناقضة أحياناً أطلقها نقاد وعلماء بارزون وفلاسفة لمحاولة تفسير «ظاهرة تاركوفسكي» في الفن المعاصر. لكن ما الذي فكر فيه تاركوفسكي تحديداً؟ ما هي المبادئ التي أرشدته لتقديم تحفه السينمائية؟ ما الذي ألهمه؟ وماذا يريد أن ينقل إلى العالم من خلال السينما؟ بعد مرور أكثر من ثلاثين عاماً على وفاته، هل من الممكن سماع صوت المخرج يحكي عن كل هذا؟ والأهم هل يمكن فهمه بالمعنى الحرفي؟ الأسئلة ببساطة لا جواب لها في الوثائقي، لكن هناك ما هو أكبر من هذه الأسئلة. الوثائقي عبارة عن فسيفساء نادرة في الثقافة العالمية للفن السابع، لعب فيها أرشيف تاركوفسكي دوراً أساسياً في نقل تراث هذا المؤلف الاستثنائي.
أندريه تاركوفسكي الابن قدم الفيلم خلال «مهرجان البندقية السينمائي» الأخير في قسم «البندقية كلاسيك». وثائقي كان بمثابة حلم للابن كتحية للأب الذي قدّم تحفاً سينمائية مثل «المرآة» (1975) و«سولاريس» (1972)... هنا تكريم الابن لوالده، لذكرياته الأولى معه. فيلم يطرح أمامنا كل شيء عن تاركوفسكي، وجوهر كل لحظة لحياة الأب، نظرة قيّمة داخل عقل الفنان وروحه. مقاييس المقارنة أو النقد وتقييم الفيلم تتلاشى تلقائياً هنا، فما يمكننا فعله فقط هو المشاهدة والانغماس والاستماع، كأننا نشاهد تقريباً أفلام تاركوفسكي كاملة في وقت واحد. فيلموغرافيا تستخدم الذاكرة والأرشيف لترسم السرد، ترنيمة عن السينما والفن والله.
يوضح تاركوفسكي في الوثائقي أنّ فيلمه «ستوكر» (1979) هو المفضل لديه، ينتهي بكلماته التي هي انعكاس مثالي للتراكم التجريبي في الحياة الذي تحوّل إلى فن، إلى لغة شعرية نقية، وصور ذات قيمة تجريبية قوية ووجودية. بالطبع يقدم «ستوكر» الإنسان في جوهره الأساسي، كفاحه ضد التهديد السائد للتفكير العلمي الذي يخنق الروح والإيمان. كذلك، ففيلم «أندريه روبليف» (1966) - المفضل لدى النقاد - يرمز إلى جوهر الإنسان كنموذج ديني، ككيان تكون حياته الداخلية أقوى من حياته الخارجية. الحياة كقناع مادي للواقع يحدث فيها الانفصال ثنائي الاتجاه للإنسان، العمل والروح، ولكن الروح دائماً منتصرة لأنها تشغل مساحة أكبر وتكون متحدثة حقيقية عن ماهية الإنسان. «المرآة» أكثر أفلامه ذاتيةً، يهدف إلى الاستعاضة جذرياً عن لغة السرد بلغة الشعر. كل حلقة من رائعته، بل كل لقطة، كأنّها آية من قصيدة، معزولة لكنها كثيفة بحدّ ذاتها كبيرة وفريدة ومتكاملة وخالية من الفعل حتى عندما يكون الفعل موجوداً. يتحدث تاركوفسكي عن علاقته بالفيلم، ويتذكر كيف أن معظم النقاد كانوا ملتزمين بإيجاد تفسير له. لكن هذا التفسير لم يكن يحتاج له الفيلم الذي قدم تحليلاً موجزاً لاختصار التاريخ الذي تضمّن الألم، نقطة الانطلاق الحقيقية. وهذا ما يهتم به تاركوفسكي، قصة رمزية بسيطة يمكن لأي مشاهد أن يخلق منها انطباعه الخاص. لكن الانطباع لا يمكن أن يكون شفهياً، فالكلمات موجودة في كل مكان، في النصوص الطويلة عن الفيلم. الانطباع هنا برأيه عن الشعور الذي يقدمه العمل. في «نوستالجيا» (1983)، تحترق الكلمات وتتلاشى في وجه الطاقة والضوء واللهب، استغلها تاركوفسكي للسخرية من نهج الخبراء والفكر التحليلي الذي يتباهى به النقاد.
عندما دافع سارتر عن أحد أفلام تاركوفسكي، قال إنه لا يعرف ما يفعله، لأنه كان دفاعاً فلسفياً عن شيء فني


«اندريه تاركوفسكي: صلاة سينمائية» يختفي فيه الابن وراء روح والده الذي اختفى بنفسه في كلمات أبيه (الجد). الفيلم شهادة صوت وعقل مكشوف، وكتاب مسموع مع مرافقة فوتوغرافية. لفتة الفنان الذي يفقد نفسه في الآخر. في الفيلم، لا نضيع في تاركوفسكي الابن، بل في تاركوفسكي الأب الذي يفترض أننا نعرفه، والذي ضاع بدوره في تاركوفسكي الجد وشعره. تاركوفسكي الأب ضاع في الجد، وضاع أيضاً في روسيا، في الطبيعة، في وحدة الوجود وفي الله. التخبط أمر رائع، إذا اختفى الدماغ وظلت النية المنطقية مجردة. وهنا نأتي إلى القيمة التي لا يمكن تفسيرها في الفن والشعر، وهذا ما نسعى له نحن النقاد، إعطاء تفسير لكل شيء وتكوين أفكار معنية من أجل إعطاء إمكانيات جديدة ونقاط انعكاس للفنون. لكن إيماءات فنان كبير متل تاركوفسكي وقدرته الفعلية على تقديم شيء غير واضح، تجعل من مهمة توضيحه شيئاً مملاً وباهتاً وبلا معنى ينهار به العمل بين أنهار كلماتنا. «أندريه تاركوفسكي: صلاة سينمائية» يؤكد كل هذا. إنّها حقيقة أحد أعظم المخرجين العالميين. صوره ستبقى صوره، وكلماته ستبقى كلماته. إنّها ببساطة الحقيقة، حقيقة إكمال هذه المغامرة المعقدة التي هي الحياة. في النهاية، لا يمكن تفسير كل شيء، فاللغز سيبقى عقدةً، بل متاهةً.