«أنا أصنع ثورة، إذاً أنا موجود» كتبها المخرجان الأرجنتينيان فيرناندو سولاناس وأوكتافيو جيتينو في المانيفستو (البيان) اللذين نشراه في مجلة «القارات الثلاث» عام 1969. جملة أتت في منتصف البيان الثوري الذي يقدم أيديولوجيا ونظرية جديدتين للسينما. البيان كان بعنوان «نحو سينما ثالثة»، بدأ بجملة معبرّة مأخوذة من كلام المناضل والفيلسوف الاجتماعي فرانز فانون. اختيار جملة فانون «يجب أن نناقش، يجب أن نخترع...» لها دلالة اجتماعية ثورية لأنّ فانون هو الذي عرف بنضاله من أجل الحرية وضد التمييز والعنصرية، وأهداف السينما الثالثة ليست بعيدة عن هذه العناوين.

قبل بيان سولاناس وجيتينو، أسس الاثنان مع المخرج جيراردو فاليخو حركة سينمائية في الأرجنتين أطلق عليها اسم «مجموعة أفلام التحرير». أصبحت الأخيرة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً باليسار البيروني. مخرجون آخرون انضموا إلى المجموعة مع الوقت، وجنباً إلى جنب مع الحركة السينمائية البرازيلية «سينما نوفو» التي تطرح المشاكل الاجتماعية كالهوية والفقر والبطالة والفساد والجريمة والتخلف. والسينما الكوبية بعد الثورة، قرّرت الانخراط بشكل أكثر وضوحاً في الحركات الاجتماعية والسياسية وتقديم فكرة وبيان «السينما الثالثة».
يعد بيان «نحو سينما ثالثة» أحد أكثر النصوص المعروفة والمذكورة في السينما السياسية والاجتماعية في الستينيات والسبعينيات، وأفضل وثيقة لـ«مجموعة أفلام التحرير» التي توسّعت بشكل كبير في بلدان عدم الانحياز ودول العالم الثالث، ولكن تأثيرها امتد ليشمل مواقع جغرافية متنوّعة. في البيان، حدد المخرجون مبادئ توجههم السينمائي: برأيهم أن السينما الثالثة هي السينما التي تعترف بالنضال بجميع أشكاله الثقافية والعلمية والفنية، وتعتبره أضخم تجليات العصر، وأيضاً أداة لتحرير الإنسان كنقطة انطلاق لتفكيك الثقافة الاستعمارية الخارجية، والداخلية الفاسدة المهيمنة.

التاريخ والتسمية
في خمسينيات القرن الماضي، كانت أميركا اللاتينية تعاني من عواقب الانتفاضات الجماعية، وكان صراع التيارات الأيديولوجية مثل الرأسمالية والاشتراكية في ذروتها. ظهر وقتها مصطلح العالم الثالث للإشارة إلى تلك البلدان «المتخلفة» سواء كانت في جنوب القارة الأميركية أو في أفريقيا أو في آسيا. مع ظهور الحركات الرافضة للاستعمار وأخذها الثورة الكوبية مثالاً بارزاً وناجحاً، بدأ الكلام عن الهوية الوطنية التي ينبغي أن تبدأ بإنهاء الاستعمار والهيمنة، ليس فقط في المجال السياسي والعسكري، بل في المجالين الثقافي والاجتماعي الذي يتمثل في كثير من الوسائل من بينها السينما.

«ساعة التحرير دقت» لهيني سرور

الأفلام التي كانت تُعرض في أميركا اللاتينية، كانت تشعرهم بالنقص وتفتقر إلى القوة والإرشاد في عملية التنمية، وتتخذ السينما الهوليودية كمثال. كانت الأفلام عبارة عن أبطال فائقين ينقذون التيارات المتصارعة من قوة مظلمة أو من أنفسها. هذه الحالة الثقافية اختصرها فرانز فانون في كتابه «معذبو الأرض» (1961): «المستعمر لا يصنع التاريخ فحسب، بل يرويه أيضاً كأوديسة». (أفكار فانون سوف تكون لاحقاً أساساً لمخرجي الأفلام في أميركا اللاتينية، كما سيستشهد به سولاناس وجيتينو في أعمالهما).
في الستينيات، تبدأ السينما في أميركا اللاتينية بالابتعاد عن تقاليدها السابقة، وعن النموذج الهوليوودي لتقتحم مشهد السينما العالمية. بدأ مخرجو الأفلام الجدد بسينما تعالج القضايا الاجتماعية الملحّة، وتكسر بشكل جذري سلبية المشاهد، وتعيد النظر في عملية صناعة الأفلام برمتها.
حدد البيان ثلاثة أنواع سينمائية هي «سينما أولى» و«سينما ثانية» و«سينما ثالثة»:
• «سينما أولى»: نموذج الإنتاج الهوليوودي الذي يجعل القيم البرجوازية مثاليةً للجمهور من خلال نهايات سعيدة وشخصيات فردية وتهدف إلى ترفيه الجمهور.
• «سينما ثانية»: هي السينما الأوروبية أو الفيلم الفني الأوروبي، التي لا تشبه الأفلام الهوليوودية ولكنها تركز على التعبير الفردي للمخرج وتضخيم حريته التعبيرية الذاتية.
• «سينما ثالثة»: هي سينما غير تجارية تُظهر المثل الثورية، وتتحدى نموذج هوليوود. ترفض السينما الثالثة اعتبار أن السينما وسيلة للتعبير عن الشخصية، بل ترى أن المخرج جزء من المجتمع. ومن خلال أفلامه، عليه مناشدة الجماهير وتقديم الحقيقة وإلهام النشاط الثوري. كما يجب عرض الأفلام سراً وتجنب العروض التقليدية لتجنّب الرقابة والشبكات التجارية، وأيضاً يجب على المشاهد المجازفة برؤيتها. تطورت بيانات ونظريات السينما الثالثة من أواخر الستينيات إلى السبعينيات كردّ فعل على الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في بلدان أميركا اللاتينية وبلدان ثانية في قارات مختلفة تعاني من اضطهاد استعماري أو سياسات حكومية غير عادلة. سعت أفلام السينما الثالثة إلى إلهام الثورة ضد عدم المساواة الطبقية والعرقية والجنسانية ورفض القمع ونقد المسؤولين.

الأهداف
تنوعت أهداف السينما الثالثة باختلاف البلدان الذي صنعت هذه الأفلام، ولكن الأهداف العريضة كانت وما زالت موجودة ومنها:
• رفع وتوسيع الأفق والوعي السياسي والاجتماعي للمشاهد.
• إنتاج وتوزيع الأفلام ذاتياً بعيداً عن هيمنة شركات الإنتاج الخاضعة لرقابة الكيانات المهيمنة أكانت استعمارية أو حكومية.
• حثّ المشاهدين على التفكير ورفع الحس الثوري داخله لتحسين ظروفه الاجتماعية.
• فضح الأسباب والأشخاص التاريخية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي أدّت إلى استغلال الشعب والأمة.
• مهاجمة ورفض أفلام «النظام القائم» لأنها لا تعمل على التغيير أو تحريك الحركة الثقافية إلى الأمام، بل تسعى لترسيخه وعدم تطويره.
• تطوير السينما الثالثة (السينما النضالية):
كما ذكرنا، فالوثيقة هي الأشهر التي حدّد فيها المؤلفان مبادئ توجّهات هذه السينما. لكن بسبب ظهورها المبكر سنة 1969، لم تأخذ في الاعتبار تجربة السينما النضالية. لذلك، تمّت صياغة بيان ثانٍ بعنوان «السينما النضالية: فئة داخلية للسينما الثالثة» عام 1971، وحقّق بدقة في مفهوم السينما النضالية. اعتُبرت سينما النضال فئةً متقدمةً من السينما الثالثة، وارتبطت بطريقة مباشرة بإثارة النقاش في حدث سياسي قبل أو أثناء أو بعد حدوثه، وأيضاً بصفتها أداة توثيق للحركات التحررية للشعوب. كانت هذه الحركة جزءاً من مجتمع صناعة أفلام نضالية على مستوى العالم وفي جميع البلدان، حيث كانت رموز السينما العالمية تتقاسم الخبرات الفنية والأفكار حول تقنيات سرد جديدة. من بين هؤلاء كان المخرج جان لوك غودار، وكريس ماركر، وسانتياغو ألفاريز، وكوجي واكاناتسو. فكرة السينما النضالية كانت دوماً «في خدمة الشعب»، وقد أنزلت آلات التصوير إلى ساحات المعارك والمتاريس، إلى الجامعات والمصانع ليس فقط لتوثيق الأحداث، بل أيضاً لإعطاء صوت لأولئك الذين كانوا صامتين لفترة طويلة.

The Hour of the Furnaces لفيرناندو سولاناس وأوكتافيو جيتينو

لعبت «السينما النضالية» دوراً مهماً في العالم العربي، خاصة في فلسطين ما بعد النكبة. شاركت «جماعة السينما الفلسطينية» وهي مجموعة من صانعي الأفلام والباحثين كانت مدعومة من «منظمة التحرير الفلسطينية»، ومعنية بتوثيق الحياة اليومية والأحداث في فلسطين. إذ أضحت الكاميرا أداةً في الصراع العربي الإسرائيلي، ووسيلة مهمّة من أجل محاربة إسرائيل. كان هدف هذه الأفلام إظهار حقائق النضال والسيطرة على صورته الحقيقية التي كانت إسرائيل تحاول محوها بطريقة منهجية. كان يُنظر إلى اللقطات على أنّها جزء من النضال، ومخرجون، أمثال مصطفى أبو علي، وهاني جوهرية، لم يكونوا يصنعون أفلاماً على أساس أنهم فنانون، بل على أنّ عملهم لا يختلف عن ذاك الذي يحمل البندقية. وكانت الصورة تحدّد وتقرّر مصير الأنشطة الثورية وكانت جزءاً من الكفاح المستمر، حتى وصفت آلة التصوير بأنها بندقية.

السينمائيون وأهم الأفلام
«لا شيء يولد من لا شيء» قالها سولاناس في البيان، للتعبير عن أن السينما الثالثة لم تبدأ مع البيان، بل كانت موجودة قبله. ولكن البيان جاء كي يضع أفكارها وأهدافها بطريقة منهجية. أفلام كثيرة من جميع أنحاء العالم وضعت تحت خانة السينما الثالثة حتى قبل المانيفستو إلى يومنا هذا. نذكر من بينها:
The Hour of the Furnaces (1968) ــــ الأرجنتين ــــ فيرناندو سولاناس وأوكتافيو جيتينو
إنّه العمل الوثائقي الأول للمخرجّين الأرجنتينيين فيرناندو سولاناس وأوكتافيو جيتينو عن الأرجنتين في الخمسينيات والستينيات. في هذا الوثائقي (أربع ساعات وعشرون دقيقة)، يدين المخرجان الوضع الاقتصادي والثقافي والاجتماعي في البلاد مع دعوة إلى كفاح مسلح ضد قرار تسليم الأراضي الأرجنتينية. يعتبر الوثائقي المفتاح والحجر الأساس للسينما الثالثة، قُسِّم إلى ثلاثة أجزاء كلها متحدة تحت فكرة واحدة هي الدفاع عن الأيديولوجيا الثورية. في الجزء الأول «الاستعمار الجديد والعنف»، يعرض الفيلم أسباب الشر والتبعية والتخلف والوضع الاقتصادي المزري والبؤس الاجتماعي الذي تعيشه شعوب أميركا اللاتينية. وفي الجزء الثاني «قانون التحرير»، تتم الإشارة إلى الاستجابة لأصوات المواطنين التي تدرك المشاكل والوضع في البلاد، ويتكلم عن تاريخ البيرونية ومقاومة العمال للأنظمة. ويكشف الجزء الثالث «العنف والتحرير» عالم مقاتلي أميركا اللاتينية من خلال شهادات وكلمات قدامى المحاربين أمثال أرنستو تشي غيفارا.
سعت السينما الثالثة إلى إلهام الثورة ضد عدم المساواة الطبقية والعرقية والجنسانية ورفض القمع ونقد السلطة


الوثائقي هو أحد الرموز الثقافية للوضع الاقتصادي والسياسي للأرجنتين بين عامي 1945 و1968، صُوِّر سراً أثناء الحرب الباردة وفي أميركا اللاتينية التي تحكمها الأوليغارشيات العسكرية الموالية لأميركا وللديكتاتوريات. من الصعب أن نحصر العمل في السياق السياسي والاجتماعي للعصر الذي صوّر فيه العمل، لأنّ الأخير ولد على وجه التحديد كأداة للعمل الثوري في العالم عموماً (منع عرضه في أكثر من 70 دولة) وفي أميركا اللاتينية خصوصاً، وعمل على تخمير فكرة التحرير بالمعنى الأوسع والأكثر تنوعاً للكلمة. إلى اليوم، لا يزال الشريط من أهم الأفلام الوثائقية التي تحفز على الثورة، وما قاله سولاناس عنه يختصر أهدافه: «الفيلم عن التحرير، عن مرحلة لم تنته من تاريخنا، يمكن أن يكون مجرد عمل غير مكتمل وفيلماً مفتوحاً للحاضر ومستقبل التحرير».

«معركة تشيلي» (تشيلي) – باتريسيو غوزمان
وثائقي بثلاثة أجزاء وثّق التوتر السياسي في تشيلي عام 1973 والثورة العنيفة ضد حكومة سلفادور الليندي المنتخبة ديمقراطياً. على مدى أشهر، خرج غوزمان برفقة طاقم صغير إلى شوارع تشيلي لتصوير المظاهرات السياسية والاجتماعية التي أفسحت المجال للانقلاب العسكري الوحشي في 11 أيلول (سبتمبر) 1973.
الجزء الأول من الوثائقي «انتفاضة البرجوازية» (1975)، يعرفنا إلى الانتخابات البرلمانية التي جرت في آذار (مارس) 1973. أطلقت حكومة الليندي وقتها برنامجاً لتحولات اجتماعية وسياسية كبيرة قاطعها منذ اليوم الأول اليمين عبر اضطرابات ومظاهرات أيّدتها الولايات المتحدة بخناق اقتصادي. صوتت المعارضة وحصلت على الثلثين الضروريين لإقالة الرئيس من خلال اتّهام دستوري ووضع حدّ للحكومة. عصب الجزء الأول يتكون من المقابلات الكثيرة الذي قام بها المخرج مع الناخبين وبدأ بها الفيلم، لإدراك إحساسهم ونقله إلى المشاهد، وكذلك لمعرفة قراءة السياق والفترة والتسييس الذي حصل وقتها. يظهر المخرج في الجزء الثاني «الانقلاب» (1976) ما حدث في البلاد بين آذار (مارس) وأيلول (سبتمبر) 1973، ومواجهات اليمين واليسار في الشوارع، في أماكن العمل، في المصانع، في المحاكم وحتى في البرلمان حيث حاول الرئيس الوصول إلى اتفاق مع «الحزب الديمقراطي المسيحي»، لكنه فشل.

لعبت «السينما النضالية» دوراً مهماً في العالم العربي، خاصة في فلسطين ما بعد النكبة

ويصور كيف تحضّر الجيش في فالبارايسو وخطط للانقلاب بدعم من قطاع كبير من الطبقة الوسطى، ما خلق مناخاً من الحرب الأهلية في البلاد. «السلطة الشعبية» هو الجزء الثالث من الوثائقي، يوضح كيف خططت الطبقة العامية خلال عامي 1972 و1973 لبدء القوة الشعبية، من خلال التجمعات العمالية والصناعية واللجان الريفية للحد من الأزمة الاقتصادية والفوضى أو تحييدها عن الصراع. هذا الجزء يجعلنا نرى بطريقة أوضح كيف كانت الطبقة العامية داعمة للحكومة، وقد قاتلت بكل قوتها للحفاظ على الليندي وتأخير سقوط حكومته.
في عام 1997، عاد غوزمان إلى سانتياغو برفقة فريق عمل صغير وقام بجولة أخرى في الشوارع ورجع إلى سيناريو الأفلام السابقة، محاولاً العثور على شخصيات الأفلام القديمة والتحدث معها ورؤية التغيير في البلاد. هكذا ولد «تشيلي: ذاكرة عنيدة» الجزء الرابع من الوثائقي. في هذا الجزء يشدد المخرج على الأفكار التي أدت إلى ما حدث قبل عشرين عاماً، ولا يعود إلى حقبة ماضية فحسب، بل يدخل أيضاً في تاريخ من الألم بشكل أعمق ويكشف جروحاً لم تَطِب بعد في البلاد.

«ساعة التحرير دقت» (لبنان) ـــ هيني سرور
صور الفيلم عام 1971 وعرض عام 1974 في المسابقة الرسمية لـ «مهرجان كان السينمائي». كانت سرور أول مخرجة عربية يُعرض لها فيلم في المهرجان العريق. يأخذنا الوثائقي إلى عام 1965 إلى منطقة ظفار في سلطنة عمان، حيث كانت هناك ثورة وحرب عصابات غير عادية ضد سعيد بن تيمور سلطان عمان وامتدت إلى حكم السلطان قابوس ابنه بعدما تسلّم الحكم إثر انقلابه على أبيه بتنظيم من المخابرات البريطانية. الوثائقي فريد من نوعه يصوّر ثورة منسية لعبت فيها المرأة العربية دوراً كبيراً. مشاهد من الحرب ومحادثات مع الثائرين والأيديولوجيا الثورية لهم، خاصة النساء اللواتي كانت الثورة بالنسبة إليهن، هي طريق تحرّرهن قبل إخمادها كلياً بعد خمس سنوات من حكم السلطان قابوس.

السينما الثالثة اليوم...
إن الخصائص الأساسية للسينما الثالثة لا تعكس بالضرورة البلد الذي تصنع فيه ولا جنسية المخرج، بل الأيديولوجيا التي يتبناها الفيلم. وقد لا نكون بعيدين عن الحقيقة إذا ادّعينا أن السينما الثالثة هي سينما العالم الثالث وإن كان البيان لا يذكر ذلك... هذا العالم الذي يقف في مواجهة الإمبريالية والاضطهاد الطبقي بكل تداعياته، لتكون هذه السينما وسيلة مهمة لتوثيق الواقع الاجتماعي. أظهرت الاتجاهات السياسية والثقافية في الثمانينيات والتسعينيات وأيضاً خلال الألفية الجديدة، الحاجة إلى إعادة تقييم المصطلحات وتطوير البيانات القديمة. مسائل جديدة مثل الهوية الجنسية والثقافية تطورت وتلقت تصورات جديدة ومفاهيم أكبر، وقد باتت الآن شكلاً من أشكال النضال الاجتماعي. فالسينما الثالثة اليوم تحتاج لتقييم نفسها من جديد لاعتبارها أيقونة رسمية في العالم السينمائي من دون أن تفقد مكانتها كمعارضة للسينما السائدة. على الرغم من أن السياقات التاريخية قد تغيرت، لكنها ما زالت موجودة، والحاجة إلى السينما الثورية لا تزال مطلوبة. مع ذلك، لا تزال السينما الثالثة ظاهرة عالمية تعالج مشاكل إنشاء الأمم، وخيبة الأمل بعد الاستعمار العسكري والثقافي وظهور أشكال جديدة من الاضطهاد الديني والاجتماعي والجنسي.



فلسطين، مصر، تونس وغيرها
أفلام كثيرة تعتبر من أفلام السينما الثالثة، منها ما نجح عالمياً، ومنها ما لم يستطع المشاركة في مهرجانات عالمية. نذكر هنا بعض أهم الأعمال التي تعتبر من أفلام السينما الثالثة:
«معركة الجزائر» (1966) لجيلو بونتيكورفو، «لا خوف بعد اليوم» (2011) لمراد بن شيخ، «المدرعة بوتمكين» (1925) سيرجي آيزنشتاين، «فيلم مثل أي شيء آخر» (1968) لجان لوك غودار، «وقائع سنوات الجمر» (1975) لمحمد لخضر حمينة، «شعلة» (1996) لانغريد سانكلار، «محطة القاهرة» (1958) ليوسف شاهين، «البيت والعالم» (1984) لسانجيب راي، «الجنة الآن» (2005) لهاني أبو أسعد، «عمارة يعقوبيان» (2006) لمروان حامد، «دعاء الكروان» (1959) لهنري بركات، «عرس الجليل» (1987) لميشيل خليفي.
كانت وما زالت أقوى قاعدة للسينما الثالثة بعد أميركا اللاتينية هي أفريقيا. تحدّت هذه الأفلام التقاليد القديمة في مصر بمخرجين أمثال يوسف شاهين، مرازق علواش في الجزائر، غاستون كابوري في بوكينا فاسو، سليمان سيسي في مالي، جان ماري تينو في الكاميرون. في آسيا، كان السبب في التغيير الاجتماعي هو لينو بروكا في الفيليبين، وميرنال سين في الهند، وتران آنه هانغ في فييتنام، ووانغ بينغ في الصين. روح السينما الثالثة خرجت أيضاً من إيران مع المخرج داريوش مهرجوئي، وفي بريطانيا مع إسحاق جوليان، وفي استراليا مع تريسي موفات. يعتبر عثمان سمبين الأب الروحي للسينما الأفريقية، بدأ حياته ككاتب ومؤلف معني بالتغيير الاجتماعي. قرر الانتقال من الكتابة إلى السينما كي يصل إلى نخب أكبر في أفريقيا وأيضاً عالمية أوسع. لا يمكن اختيار فيلم واحد لسمبين من بين أفلامه لأنّ جميع أعماله تعتبر أفلام سينما ثالثة. خط سمبين دربه السينمائي بموضوعات اجتماعية تعنيه مثل الاستعمار، الدين، انتقاد البرجوازية، قوة النساء الأفريقيات. أخرج أفلاماً مهمة أعطته لقب الأب الروحي للسينما الأفريقية مثل «فتاة سوداء» (1966)، «كزالا» (1975)، «مولادي» (2004) وغيرها.