ثلاثة أفلام فقط من العالم العربي، من بين 300 فيلم شاركت في الدورة الثانية والستين من «مهرجان لايبزغ الدولي للأفلام الوثائقية والتحريك» الذي اختُتم قبل أسابيع.

«مهرجان لايبزغ» هو أكبر، وأقدم، مهرجان سينمائي متخصّص في الوثائقي والتحريك. وقد لعب هذا الحدث دوراً بارزاً في التعريف بهذه النوعيات المظلومة في أزمنة لم يكن فيها للوثائقيات وأفلام التحريك المصنوعة للكبار مكان على الساحات، ولم تكن «صرعة» خلط الروائي بالوثائقي بالتحريك قد استشرت بعد في المهرجانات الدولية.
ثلاثة أفلام عربية فقط، من بين ثلاثمئة، هو رقم هزيل يعكس الحالة التي تعاني منها السينما العربية من ناحية قلّة الإنتاج وتواضع المنتج، مقارنة بما تنتجه بلاد أخرى، وبشكل لا يتناسب مع مساحة العالم العربي وعدد سكانه وتعدّد بلاده وموضوعاته.

«رمسيس راح فين» للمخرج عمرو بيومي

من سوريا المكلومة، جاءت المخرجة الشابة زينة القهوجي بفيلم «قفص السكر» (وثائقي ــــ 60 دقيقة)، وهو عمل منزليّ، يدويّ الصنع، يسجل بعض يوميات والديها المسنين، الوحيدين، اللذين يقطنان أحد البيوت القديمة في حيّ مهجور بالقرب من دمشق، تنقطع عنه الكهرباء والمياه كل يوم، ولا يقطع صمت لياليه سوى أصوات وأضواء الصواريخ والقنابل، ولا يقطع فضاءه الخالي سوى أسراب طيور اللقلق المهاجرة، الوحيدة التي يمكنها أن تتجول وتعبر الحدود بحرّية في هذه المنطقة.
على مدار أشهر، تتعدّد زيارات المخرجة لوالديها، اللذين يرفضان الرحيل عن بيتهما مهما ساءت الظروف. ومع مرور الوقت، تتكاثف طبقات الظلام، والصمت، والخوف، التي يدفع الوالدين، وحتى المخرجة، إلى الهمس، خشية أن يسمعهم أحد.
ومن الأردن، جاءت المخرجة دينا ناصر بفيلمها «أرواح صغيرة» (وثائقي ـــــ 85 دقيقة)، الذي تتتبع فيه حياة ثلاثة أخوة، بنتان وولد، في مخيم للاجئين السوريين في الأردن، على مدار خمس سنوات تقريباً، من 2014 حتى الآن. ومن الأخوة الثلاثة الذين ينقطعون عن بلدهم وعن بقية أسرتهم وأخوتهم، إلى والد المخرجة نفسها، الفلسطيني، اللاجئ، الذي عاش مصير هؤلاء الأطفال منذ سبعين عاماً... تتواصل المأساة العربية بلا انقطاع.

«قفص السكر» لزينة القهوجي

وأخيراً من مصر، جاء فيلم «رمسيس راح فين» للمخرج عمرو بيومي، وهو شريط وثائقي مركب في ستين دقيقة يصعب تلخيصه، يحكي فيه المخرج عن حياته وعلاقته المعقدة بأبيه القاسي، وعن ثورة يوليو وزعيمها، وعن التماثيل، وبالتحديد تمثال رمسيس الثاني، الذي تمّ نقله من موطنه الأصلي في صعيد مصر، ليستقرّ في ميدان رمسيس في القاهرة رمزاً للناصرية، قبل أن يتقرّر نقله مرة أخرى في عهد الرئيس مبارك بعد إطلاق اسم مبارك على محطة المترو التي تتوسّط الميدان.
إلى جانب هذه الأفلام الثلاثة، التي عُرضت خارج المسابقة، شارك في المسابقة الرسمية للمهرجان فيلم «ابن عمتي الإنكليزي» للمخرج السويسري، الجزائري الأصل، كريم الصياد، وهو واحد من تلك الأعمال الهجينة التي يصعب نسبها لجنسية بلد. فالمخرج وموضوع الفيلم جزائريان، ومع ذلك لا يحمل اسم الجزائر، وإنما سويسرا وقطر، لأن شركة الإنتاج سويسرية، ولأن قطر ساهمت في دعم الفيلم من خلال «مؤسسة الدوحة للأفلام»!
يوميّات صمود عجوزَين في دمشق في شريط «قفص السكر»


بغضّ النظر عن جنسية العمل، فإن موضوعه عربي، يتناول حياة قريب للمخرج، هاجر مثل الملايين من الشباب العربي إلى أوروبا، بحثاً عن حياة أكرم، وقضى حياته مشتتاً بين أصوله العربية والمجتمع الجديد المختلف كلياً، بحلوه ومرّه، من دون أن يستطيع، أبداً، حلّ هذا التناقض.
الأفلام الأربعة معاً تعكس الأوضاع المزرية، الهجرة القسرية والاختيارية، والمنفى، والاغتراب، والفقر، والديكتاتورية التي تجثم مادياً ومعنوياً على الأبدان والعقول. باختصار، عالمنا العربي في الماضي والحاضر، وربما المستقبل.