مراكش | خرج العرب بجائزتَين من أصل خمس في المسابقة الرسمية لـ «المهرجان الدولي للفيلم بمراكش» في دورته الثامنة عشرة التي اختُتمت مساء السبت. لم تكن النتائج مفاجئة، إذ توزعت الجوائز بطريقة عادلة نوعاً ما. هكذا، تشارك فيلمان جائزة لجنة التحكيم، وممثلتان جائزة أفضل أداء، وخرج سبعة أفلام من أصل أربعة عشر خالية الوفاض. حصل توبي والاس على جائزة أفضل ممثل لدوره في فيلم «أسنان الحليب» للأسترالية شانون ميرفي، وجائزة أفضل ممثلة اشتركت بها روكسانا سكريمشاو ونيكولا بورلي لدوريهما في فيلم «لين + لوسي». التونسي علاء الدين سليم نال أفضل إخراج لفيلمه «طلامس». أما جائزة لجنة التحكيم، فقد تسلّمها مخرجان عن فيلمين: الأول صيني هو «بورتريه من الفسيفساء» لزاي يشيانغ، والثاني سعودي هو «آخر زيارة» لعبد المحسن الضبعان. الجائزة الكبرى (نجمة مراكش) نالها «وادي الأرواح» للكولومبي نيكولاس رينكون خيل.


«طلامس» لعلاء الدين سليم
قليلة هي الأفلام التي تضعني في حيرة. هل أكمل الفيلم إلى النهاية أم أخرج من الصالة؟ وضعني فيلم «طلامس» للتونسي علاء الدين سليم في معضلة. منذ باكورته الروائية الطويلة «آخر واحد فينا» (2016)، تعرفنا إلى علاء الدين وتأكدنا بأنّ السينما التي يقدمها لا تشبه أيّ سينما عربية. لديه طريقته الخاصة بتقديم أفلامه، ورؤية سينمائية غريبة نوعاً ما عن السينما العربية.

التونسي علاء الدين سليم نال جائزة أفضل إخراج عن فيلمه «طلامس»

وفي فيلمه الروائي الثاني «طلامس»، قدّم لنا المخرج التونسي قصة شاب في الجيش. بعدما توفيت والدته، ذهب في إجازة ولم يعد إلى الخدمة قط. مع مباشرة السلطات العسكرية البحث عنه، اختبأ الشاب إلى أن يتم القبض عليه، لكنه ينجح في الفرار حاملاً جروحاً خطيرة. ذهب إلى الجبال حيث عاش. في هذا الوقت، يبدأ الفيلم بقصة ثانية لزوجة حامل تسكن مع زوجها. سلسلة من الأحداث، لا ينبغي الكشف عنها، تجعل القصتين مترابطتين. المعضلة السينمائية التي يضعنا علاء الدين فيها، تجبرنا على إكمال أفلامه إلى الآخر، علّنا نخرج من القصة بشيء، لكن شارة النهاية تأتي ونحن متأملون أن يقول أيّ شيء، ولكن سليم لا يبالي. يقدم السينما الخاصة به بعجرفة. وهذا شيء مقبول ومفهوم. فيلمه هذا عبارة عن رحلة لبشر يتواصلون تقريباً بطريقة روحية، جعلت الفيلم تجربة أقرب إلى القدسية والصوفية. «طلامس» فيه الكثير من الاستعارة والتشبيه، مفرط في مدّته وبطء أحداثه وطريقة سرده. يبدأ كفيلم واقعي وينتهي بهذيان وجنون. يزعجنا علاء الدين سليم ويداوينا في آن. يقدّم فيلماً فيه الكثير من الغرابة، ولكنه بالتأكيد يعرف جيداً كيف يقدم السينما الخاصة به ولو أنّه في لحظات معينة في الفيلم يجعلك تفكر بطعن نفسك في العين مباشرة.

«آخر زيارة» لعبد المحسن الضبعان

جائزة لجنة التحكيم ذهبت لـ «آخر زيارة» للسعودي عبد المحسن الضبعان

فاجأنا المخرج السعودي الشاب عبد المحسن الضبعان في فيلمه الروائي الأول «آخر زيارة» بقصة ليست بجديدة، لكنه قدمها بطريقة مبتكرة. علاقة جيلين، تتمثل في أب وابن متباعدين. السكوت بينهما هو السائد. لا يتحدثان، وإن تحدثا تعاركا. بعد محاولة الأب ناصر (أسامة القس) التقرّب من ابنه وليد (عبد الله الفهد) وأخذه معه إلى زفاف صديق خارج مدينة الرياض، يمرض والد ناصر ويضطر لتغيير الرحلة والذهاب مع ابنه إلى بيت العائلة حيث يعيش والده المريض في البيت مع ابنه الثاني وأولاده الشباب. هذه الزيارة إلى القرية ستجعل مشاكل العائلة تطفو على السطح، خاصة عندما تكون القرية في حالة طوارئ وبحث عن مراهق ضائع.
في «آخر زيارة»، يقارب المخرج السعودي الشاب عبد المحسن الضبعان الهوّة بين الأجيال بطريقة سلسة


قليلة هي الكلمات المنطوقة في الفيلم. الشخصيات تعيش حالة صراع داخلي ومع محيطها. الاب والابن غير مرتاحين بالوجود في القرية. هناك عامل غريب يجعل ناصر يتصرف بعكس تصرفاته مع وليد في المدينة. وفي الجانب الآخر، لا يعرف وليد كيف يتواصل مع والده وعمه وأولاد عمه، فهو متمرّد وحاد الطباع. هذا السكوت والفجوة بين الأجيال قدمها الضبعان بطريقة سلسة، أرانا ما نريد أن نسمعه لا أكثر ولا أقل، وترك لنا مراقبة الشخصيات في لحظات سكوتها.
«آخر زيارة» فيلم جميل جيد الصنع لمخرج سعودي جديد يعرف كيف يقدّم سينما غير مألوفة، خاصة أنه من بيئة كانت بعيدة جداً عن السينما، وقد بدأت مؤخراً تفتح صالات سينمائية وتقدم سينما خاصة تشارك في مهرجانات عالمية.

«وادي الأرواح» لنيكولاس رينكون خيل
خلال الحرب الأهلية الكولومبية، اكتشف الصيّاد النهري خوسيه أن ولديه كانا ضحية ميليشيات قتلتهما وألقت بهما في النهر. يغادر خوسيه البيت إلى النهر الكبير بمفرده للبحث عن جثة ولديه. في فيلمه الروائي الطويل الأول بعد سلسلة أفلام وثائقية، قدّم المخرج الكولومبي نيكولاس رينكون خيل قصة بسيطة بطريقة سرد واسعة. «وادي الأرواح» يجبرك على أن تتّخذ موقفاً متطرّفاً، فإمّا تحبه بشغف أو تكرهه. الفيلم يهدف إلى توثيق مأساة غير معروفة لمعظم الناس، فهو مبنيّ على أحداث حقيقية حصلت للسكان الذين يسكنون قرب نهر ماجدالينا في كولومبيا بين عامي 1998 و2002.

فيلم «وادي الأرواح» الكولومبي المتوّج بنجمة «مراكش»

شريط بطعم المانغا والملح، مصوّر بطريقة جميلة في النهر، وعلى ضفافه والقرى المحيطة. كلمات قليلة تركت الكاميرا توضيح الفيلم. ذهبنا مع خوسيه في رحلته للبحث عن جثة ولديه، لكنّنا أضعناه في منتصف الطريق. مسار سردي مالح تكثر فيه المشاهد المتكرّرة والأحداث التي تحصل فجأة لخدمة القصة. كثيرة هي العوائق التي تواجه الأب، لكنه مصمّم على قراره. فيلم بطيء ممل يجعلك تترجى المخرج لإنهائه. لم يبتعد خيل عن المسار العام للسينما الكولومبية، مقدماً فيلماً شاهدنا مثله من قبل. القرى والأنهر والطبيعة الكولومبية موجودة في كلّ أفلام هذا البلد. خيل أفاد من كاميرته ومن الطبيعة الجميلة ليخدم فيلمه. لم يتعب نفسه للابتكار، كأنه يصنع وثائقياً لا فيلماً روائياً. تركنا طوال الفيلم مع الأب الذي لا يمثّل، بل يؤدّي الدور الذي قدّم له بلا عمق. فيلم بلا شخصية لا يجعلك تتعاطف مع الأب، بل يضع فجوة كبيرة بينك وبينه. ساعتان وسبع عشرة دقيقة قاتلة لا جديد فيها.

«لين + لوسي» لفيصل بوليفة
بعدما حظي بحفاوة نقدية، ونالت أفلامه القصيرة جوائز في «مهرجان كان» و«مهرجان دبي السينمائي»، قدّم لنا المخرج البريطاني المغربي الأصل فيصل بوليفة باكورته الروائية الطويلة «لين + لوسي». لين (روكسانا سكريمشاو) ولوسي (نيكولا بورلي) صديقتان منذ الطفولة، لم تغادرا المكان الذي نشأتا فيه. بيتاهما مقابل بعضهما. لين تزوجت من حبيبها الأول ولديها ابنة مراهقة، ولوسي استقبلت في أول الفيلم ابنها البكر من حبيبها. ولادة الابن الجديد وضع لوسي وحبيبها في اختبار كونهما غير مستعدين وغير مستقرّين نفسياً.

جائزة أفضل ممثلة اشتركت بها روكسانا سكريمشاو ونيكولا بورلي لدوريهما في فيلم «لين + لوسي»

تفاعل لوسي مع الأمومة يضع الصداقة مع لين على المحك، فيتحوّل الفيلم إلى هستيريا وعنف. بوليفة ضغط قصته الطويلة ضمن فيلم تبلغ مدته ساعة ونصف الساعة. طوّر شخصياته على عجل، لم يعطنا فرصة للتعرف أكثر إليها والتفاعل معها ومعرفة دواخلها. قدّم لنا قصة الصديقتين بسرعة للدخول في القصة الأساسية التي ستحوّل مجرى الفيلم. على الرغم من أن القصة مثيرة للاهتمام وعميقة لأنها قبل أن تكون قصة أمومة أو صداقة، هي قصة امرأتين بمشاكل نفسية، وكل ما يجري في الفيلم يدور حولهما، إلا أنّ بوليفة لم يعطنا الوقت الكافي للدخول في نفسية المرأتين بطريقة عميقة، بل سرّع مجرى الأحداث. مع الوقت، نكتشف أن الصديقتين لا يجمعهما شيء، بل تستطيعان التخلي عن بعضهما من دون حتى معرفة حقيقة الأحداث. ما كان يجمعهما في الماضي بات اليوم يفرقهما، على الرغم من أن سبب الفراق كبير، ويمكن أن يكون عائقاً أمام أيّ علاقة بين شخصين. إلّا أنّ هذا السبب يُعزى لعوامل كثيرة مرّت بها الصديقتان في حياتهما وفي نفسيتهما، لكن بوليفة لم يكن مهتماً كثيراً بالدخول في أعماق كلّ واحدة. لقد قدّم قصة خطيرة لشخصين مضطربين نفسياً، وجعل كلّ واحد يتعامل مع المشكلة، كما يتعامل المراهقون في وقت الخصومة.

«بورتريه من الفسيفساء» لزاي يشيانغ
«بورتريه من الفسيفساء» لزاي يشيانغ لا يلاحق تحقيقاً في اغتصاب فتاة تبلغ 14 عاماً فحسب، بل يقدّم أيضاً تأمّلاً جريئاً في تجربة المرأة في المجتمع الصيني المعاصر. في الجزء الثاني من العمل، تحتجز المراهقة ضحية الاغتصاب في مركز خاصّ للفتيات اللواتي يعانين من مشاكل. إلّا أنّ المعاملة والعزلة المؤسسية تؤدّيان إلى تفاقم حالتها النفسية لا علاجها. بهذه الطريقة، نصل إلى اللحظة الأخيرة: بعيني الفتاة، نرى طريقين لا ثالث لهما: المقاومة أو الاستسلام. بعد مشاهدة الفيلم والكتابة عنه (الأخبار 2/12/2019)، جلسنا مع المخرج والممثلة الرئيسية للتحدث عن العمل، خاصة عن النهاية المفتوحة التي يمكن أن تكون بداية المقاومة أو الاستسلام. هنا قال المخرج بأنّه ليس متفائلاً بما ستفعله الشخصية بعد المشهد الأخير. أما الممثلة الرئيسية، فقد كان لها تعليقها الخاص بأن كلّ شخص معرّض لكلّ شيء، وواهم من يعتقد بأن الهرب هو الحلّ. فـ «الشخصية الرئيسة في الفيلم ابتعدت، لكن المشاكل النفسية أوصلتها إلى مفترق طريق».

«أسنان الحليب» لشانون مورفي
اللغة الهزلية في «أسنان الحليب» (الأخبار 3/12/2019)، منحت طابعاً فكاهياً أسود لمأساة شخصياته. الديناميكية التي أجادتها المخرجة وتدعم السرد، بهدف تقديم قصة ليست جديدة في السينما، كانت المؤشر الأول إلى نجاة فيلم موضوعه الرئيسي: مرض السرطان. عندما تقع ميلا (إليزا سكانلين) المراهقة المصابة بمرض السرطان في حبّ تاجر مخدرات متشرّد، مع وشوم وخدوش على جسمه، يبدأ الكابوس بالنسبة إلى الأهل. اختيار شانون مورفي لقصة مماثلة كانت كالدخول في الخطر. قصة قاربها الكثير من الأفلام في الماضي. إلّا أنّ مورفي عرفت كيف تقدّمها ضمن قالب مختلف بعيد عن استجداء العواطف. خلال المقابلة الصحافية، قالت لنا مورفي إنّها لم تأخذ الجانب الآمن بل على العكس، فإخراج قصة وفيلم مماثلين، يكون بالغوص في المجهول، لأنّ أفلاماً كهذه معروفة البداية والنهاية. باختصار، كانت مخاطرة، لكنّ مورفي نجحت فيها.
في المحصلة، يمكن وصف الدورة 18 من «المهرجان الدولي للفيلم بمراكش» بأنّها اتّسمت بأفلام منشغلة بالعلاقات الأسرية، خصوصاً الأبوية. إذ أنّ معظم الأعمال التي شاركت في المسابقة الرسمية كانت ذات طابع أسري، قاربت علاقة الأب مع أولاده، مع بعض الأفلام التي تحدثت عن الأمومة وبعضها الآخر عن العائلة ككلّ، خصوصاً مشاكل الأهل التي تنعكس على الأولاد.


«ورشات الأطلس»: عين على الجيل الصاعد
انطلاقاً من الاهتمام الراسخ لـ «المهرجان الدولي للفيلم بمراكش» بالجيل الصاعد من المبدعين السينمائيين، شكل إطلاق مبادرة «ورشات الأطلس» حدثاً بارزاً في مسيرة المهرجان. مبادرة حظيت باهتمام من المهنيين من المغرب ومختلف الدول الأفريقية والعربية، الذين حجوا بكثافة للإفادة من المواكبة عن قرب والدعم في مختلف المهن السينمائية لإنتاج وتسويق مشاريعهم السينمائية. تعتبر «ورشات الأطلس» التي استُحدثت عام 2018، منصة إبداعية ومهنيّة في خدمة المخرجين، وفضاء للتبادل بين المهنيين الدوليين والمواهب المحلية. وواكبت هذه الورشات، في دورتها الثانية، 28 مشروعاً قيد الإعداد أو في مرحلة ما بعد الإنتاج، تم انتقاؤها من بين 130 ترشيحاً. ومن بين المشاريع المنتقاة، 13 مخرجاً مغربياً و14 بلداً ممثلاً، بعضها نادراً ما تظهر أعماله على الشاشة الكبرى (تنزانيا، جزر القمر، جيبوتي، الموزمبيق). من خلال ورشات الأطلس، يعمل المهرجان على مواكبة ظهور جيل جديد من المخرجين المغاربة والعرب والأفارقة. وستستفيد 10 مشاريع قيد الإعداد و6 أفلام في مرحلة ما بعد الإنتاج من نصائح عدد من المهنيين الدوليين، كما تنافست على جائزة عبارة عن منحة شاملة قدرها 640 ألف درهم (60 ألف يورو).