أول ما يلفت الانتباه في ما يتعلق بالسينما المصرية 2019 هو الأرقام غير المسبوقة التي حققها بعض الأفلام في شباك التذاكر. أرقام تجعل منها السنة الأكثر كسباً للإيرادات على مرّ التاريخ، وليس فقط الأفلام المصرية، ولكن أيضاً الأفلام الأجنبية - الأميركية - التي حققت أيضاً أرقاماً قياسية لم تصل إليها من قبل. لكن هذه الإيرادات من ناحية ثانية لا تعكس طفرة أو تحولاً ملحوظاً في عدد أو نوعية الأفلام التي عرضت. بل على العكس، كانت من أقلها، إذ لم يزد عدد الأفلام المصرية الجديدة المعروضة على 21 فيلماً، ومن ناحية المستوى الفني يمكن أن نقول أيضاً إنه من أدناها.

تصدر فيلم «الفيل الأزرق 2» قائمة الإيرادات بما يزيد على مئة وثلاثة ملايين جنيه (حوالى 650 ألف دولار) يعقبه «ولاد رزق 2» بحوالى مئة مليون، ثم عدة أفلام أخرى مثل «كازابلانكا»، و«الممر»، و«نادي الرجال السري»، لعبت بين أرقام ستين وثمانين مليوناً.
لعبة الأرقام خادعة، وقد لاحظ كثيرون أن هذه الإيرادات القياسية لا تعكس بالضرورة نجاحات قياسية، لأنّ الأمر يخضع لعوامل كثيرة، على رأسها الارتفاع الفلكي في أسعار تذاكر السينما، مقارنة حتى بعشر سنوات مضت، وأيضاً ارتفاع معدل التضخم الذي جعل المئة مليون لا تساوي مئة ألف مقارنة بعشرين عاماً مضت.

شهد هذا العام رحيل المخرج أسامة فوزي صاحب فيلم «بحب السيما»

لعبة الأرقام خادعة، لكن ذلك لا يعني إنكار النجاح الذي حققته الصناعة ودور العرض السينمائية هذا العام. نجاح يتجلى أيضاً في الإيرادات التي حققتها الأفلام الأميركية، وعلى رأسها «جوكر» الذي اقترب من أربعين مليوناً، متجاوزاً بذلك أرقام العديد من الأفلام المصرية لكبار النجوم المصريين، ومنها «خيال مآتة» لأحمد حلمي، و«محمد حسين» لمحمد سعد و«قرمط بيتمرمط» لأحمد آدم (في تجربة غريبة للمخرج اللبناني أسد فولادكار)... وهو أمر لم يكن يمكن حتى تخيّله منذ سنوات مضت، حيث يعتبر الجمهور المصري من أكثر جماهير العالم «محلية»، أي اهتماماً بالسينما المصرية أكثر من أي سينما أخرى.
الإيرادات الكبيرة لهذا العام تعكس إقبال الجيل الحالي من المشاهدين، ومعظمهم من المراهقين والشباب الصغير، على زيارة دور العرض السينمائية كوسيلة ترفيه و«فسحة» للأصدقاء والعائلات «البورجوازية» من سكان المدن، خاصة القاهرة والاسكندرية، حيث يتمركز معظم دور العرض السينمائية، بينما تعاني الطبقة الأكبر من الفقراء من أزمة اقتصادية طاحنة، وتعاني بقية المحافظات من ندرة أو انعدام دور العرض. وهذا النجاح يجب أن لا يجعلنا نغفل عن أننا نتحدث عن بلد يسكنه مئة مليون مواطن، يفترض أن يكون حجم السوق السينمائي فيه أضعاف ما هو عليه حالياً. ويمكن تصور الأمر بمقارنة بسيطة بين حجم إيراد فيلم «جوكر» على مستوى العالم حيث حقق مليارين وسبعمائة مليون دولار تقريباً، وبين الأربعين مليون جنيها، حوالى 25 ألف دولار، التي حققها في مصر!
بالنسبة إلى صناعة السينما في مصر، يعدّ 2019 عاماً ناجحاً، خاصة حين نفكر في الأزمة التي تعاني منها هذه الصناعة بشكل مزمن، وقد تفاقمت عقب «ثورة يناير» والاضطرابات السياسية والأمنية والاقتصادية التي تمر بها البلاد. لكن هذا النجاح محدود للغاية إذا وضعنا في اعتبارنا بعض الحقائق الأخرى، ومنها: اقتصار هذا النجاح على أفلام رعب وأكشن، متوسطة فنياً، مع فيلم واحد كوميدي، متواضع حتى بمقاييس أفلام الكوميديا المصرية، في الوقت الذي منيت فيه أفلام عوّل عليها المنتجون والموزّعون، من بطولة نجوم أمثال أحمد حلمي ومحمد سعد، بهزيمة وإيرادات هزيلة للغاية لبقية الأفلام.
غياب شبه كامل للسينما الاجتماعية أو السياسية باستثناء «الضيف» للمخرج هادي الباجوري


بالرغم من نجاح فيلم «الممر» للمخرج شريف عرفة بحوالى 75 مليوناً، إلا أن «الكنز 2» الذي أخرجه عرفة أيضاً وضمّ عدداً كبيراً من نجوم السينما المصرية، لم يحقق أكثر من سبعة ملايين جنيه، ما يقل عن أجر ممثل واحد متوسط النجومية.
غياب شبه كامل للسينما الاجتماعية أو السياسية، باستثناء «الضيف» للمخرج هادي الباجوري، الذي يتناول موضوع التطرف الديني لدى الشباب. وهناك غياب للسينما الفنية، باستثناء «لما بنتولد» للمخرج تامر عزت، وهو عمل ينتمي إلى السينما المستقلة التي تعتمد على الإنتاج الذاتي، بعيداً عن معادلات الإنتاج المصري ونظامه. وربما يمكن أن نضيف أيضاً فيلم «بعلم الوصول» للمخرج هشام صقر، الذي عرض في المسابقة الرسمية لمهرجان «تورنتو» الأخير، ولكن لم يعرض تجارياً بعد.
وباستثناء «بعلم الوصول»، غابت السينما المصرية في 2019 عن المهرجانات الدولية، وحتى المصرية، على عكس الأعوام السابقة التي شهدت على الأقل مشاركة ثلاثة أو أربعة أفلام فنية في مهرجانات دولية مرموقة، إلى جانب المهرجانات الدولية المصرية. حتى «مهرجان القاهرة» هذا العام لم يجد إلا فيلماً وثائقياً ليمثل مصر في مسابقة الأفلام الروائية، وهو «احكيلي» لماريان خوري.
من ناحية أخرى، شهد 2019 رحيل عدد كبير من فناني السينما المصرية، منهم الممثلون عزت أبو عوف، محسنة توفيق، طلعت زكريا، فاروق الفيشاوي، محمود الجندي، هيثم أحمد زكي، والمخرجان أسامة فوزي وسمير سيف وغيرهم.