في عام 1944، نشر جورج أورويل مراجعة لـ «الحياة السرية لسلفادور دالي»، قصة حياة دالي بقلمه، وافتتحها قائلاً: «تكون السيرة الذاتية موضع ثقة فقط عندما تكشف عن شيء محرج». «إحكيلي» (ساعة و35 د ـــ 2019)، فيلم السيرة الذاتي الجديد للمخرجة والمنتجة المصرية ماريان خوري، يبوح بأشياء كثيرة، قد يمتنع غالبية الناس عن حكيها مخافة الحرج، حول عائلة لعبت، وما زالت، دوراً معتبراً في الحياة السينمائية المصرية.

هذا العمل التسجيلي يقوم بالأساس على مزيج من خمس مقابلات: واحدة مع يوسف شاهين (1926 ــــ 2008)، المخرج المصري الراحل وخال ماريان، أجريت في مكتبه قبل سنوات من وفاته عام 2008؛ ثانية مع مارسيل خوري، عمّتها، في بيتها؛ ثالثة مع أخويها، إيلي وغابي، في حديقة «فندق الماريوت» في حي الزمالك؛ رابعة مع سارة، ابنتها، بين فرنسا وكوبا؛ وأخيرة، بالصّوت فقط مع جدّتها، ماريكا. وفيما عقدت ماريان كلّ المقابلات بنفسها، فإن شاهين نفسه هو من أدار المقابلة الأخيرة مع أمه قبل مدة طويلة على ما يبدو.
بالإضافة إلى المقابلات، يُظهِر العمل صوراً ومقاطع فيديو من أرشيف العائلة، لا سيما ذاك الخاص بماريان. في هذا الأرشيف، نرى أفراد العائلة وارتحالهم من الإسكندرية إلى بيروت والعكس، وحياتهم في القاهرة ضمن أوساط ضمت نجوم سينما كبار، أمثال عمر الشريف وصباح وهدى سلطان، وأعراسهم وحفلاتهم ومآدبهم.

ماريان خوري وسارة

ولما كان شاهين، أو «جو» كما اعتاد المقربون والأصدقاء نعته، قد جسد بجرأة كبيرة نساء العائلة في أعماله السيرذاتية، خصوصاً «إسكندرية... ليه؟» (1978) و«حدوتة مصرية» (1982)، صار لازماً ومتوقعاً أن يضم الفيلم، الذي يحكي قصة هؤلاء النسوة عبر واحدة منهن، مشاهد من أفلامه. الفكرة التي حرضت ماريان على صناعة الفيلم تبدو واضحة جداً في عقلها، وإن كانت غير قادرة على إقناع ابنتها بها على نحو تام: لقد تلازم الموت والحياة في تاريخ هذه العائلة بصورة مميزة. بشكل أوضح، لطالما تقاطعت أحداث الحياة، مثل الزواج والولادة، مع حدث الموت. فليلة زواج كل من جان وإيريس، والدي ماريان، توفيت أم جان. وعندما عرفت إيريس أنها حامل بماريان، أرادت إجهاض الجنين وحددت بالفعل موعداً مع طبيب لإجراء ذلك. وقد تدخلت العمة، مارسيل، وأوقفت الأمر وهو على وشك الوقوع. التأمل في هذه التعاقبات هو بالتحديد ما حرك صانعة الفيلم.
كان الموت من التكرار في حياة ماريان، وهي التي عاشت رحيل الجدة والأب والأم والخال والزوج الثاني، بحيث شكل صورة الحياة في وجدانها، إلى حد أنها، ضمن حوارها مع ابنتها، سارة، تحدثت بشكل واضح عن مسائل تخص الإرث وإدارة شركة الإنتاج وما إلى ذلك، مسكونة بهاجس الرحيل.

من الفيلم

من جانبها، تبدو سارة، وهي الأكثر بلاغة في التعبير عن نفسها، مهجوسة بأمور أخرى خلال المقابلة متعددة الأمكنة. فقد ولدت لأم مسيحية مصرية لها جذور شامية وأب مسلم مصري له جذوره المغاربية، ونشأت بين مصر وكندا وفرنسا، وتتحدث الفرنسية بشكل أساسي، وجعلها هذا كله تطرح على نفسها أسئلة تخص هويتها ومكانها في هذه المساحات البينية. وقد بدا كما لو أن الابنة، التي نراها متشككة وأحياناً متهكمة تجاه أسئلة الأم منذ بداية العمل، تصنع مساحة واضحة بين همومها وانشغالاتها وبين تلك الخاصة بالأم.
شاهين يجيب، بخفّة ظل ولسان لاذع، عن أسئلة ماريان بشأن العائلة، خصوصاً أخته، إيريس. وهو لا يتردد، مثلاً، في السخرية من إحدى نساء العائلة والإشارة إلى بخلها الشديد و«اللامنطقي» بحسب تعبيره، والحديث بشكل واضح عن عدم حصول أي انسجام بينه وبين جان والد ماريان. وجان عمل لصالح استوديوهات كبرى مثل «يونيفرسال» و«فوكس»، وأنتج أيضاً بعضاً من أفلام شاهين التي لم يكتب لها النجاح، وهو ما وتّر العلاقة بينهما بشكل أكبر.
يضم الشريط مقاطع من أفلام يوسف شاهين الذي جسد بجرأة كبيرة نساء العائلة في أعماله السيرذاتية


بالرغم من أن العمل لم يتطرق إلى أي أحداث سياسية، فإن موضوع سياسات التأميم التي انتهجها نظام جمال عبد الناصر كان حاضراً. فقد طالت هذه السياسات أملاك جان خوري. وكان شاهين، بسبب قربه من رجال في السلطة آنذاك، أول من أُخبِر بأن خوري جاء على قائمة من ستؤمم أملاكهم، ومن ثم أبلغ سَلِفه حتى «يجهز الأوراق» الخاصة بالممتلكات. وخلال حكيه الموضوع، أشار إلى أن السلطات اللاحقة أعادت الأملاك المصادرة إلى أصحابها باستثناء والد ماريان. خلال الأجزاء المعروضة من المقابلة، لم يعلق المخرج الكبير على هذه الوقائع العائلية بصورة سياسية، بالرغم مما عرف عنه من تسيّس واضح في حياته وأعماله ومقابلاته. وربما من المفيد هنا العودة إلى المقابلة التي أجراها معه جوزيف مسعد، في 25 أيلول (سبتمبر) 1998، لصالح مجلة «الدراسات الفلسطينية»، التي يسهب فيها سياسياً.
بينما لم يمتلك الأخَوان أي حماسة في البدء للإجابة عن أسئلة أختهما بشأن الأم، فإنهما لانا في النهاية وشاركاها ذكرياتهما. ومن جانبها، كانت العمة الأكثر تعاوناً، وربما الأقوى ذاكرة بالرغم من أنها بلغت من العمر مداه، في رسم إطار للحياة التي عاشها والدا ماريان.
المقابلة الصوتية التي عقدها شاهين مع أمه تجتر المشاعر وتضفي ـــ خصوصاً حين يمتزج صوتها بصوت تلاطم موج البحر ـــ حالة سينتمنتالية على الأمر برمته. هنا، تتحدث «نونا ماريكا» عن الفقر الذي عانته عائلتها وعن الحب الذي لم ينشأ قط بينها وبين زوجها. ابنتها، إيريس، أيضاً سوف ينتهي بها الحال إلى «زواج الصالونات» هذا، وكذلك حفيدتها، ماريان، في زيجتها الأولى. كأن نساء العائلة بأجيالهن المختلفة كتب عليهن العيش بين ندرة الحب ووفرة الموت.

* يطلق فيلم «احكيلي» في «سينما زاوية» في القاهرة بدءاً من بعد غد الأربعاء