كومة من القمامة السخيفة. لا شيء مثير للاهتمام هنا. «المنصة» (2019) فيلم وهمي باطل مدّع ومزيف. قصة ضعيفة، وكذلك الشخصيات ودوافعها. لا جديد هنا ولا حتى تفكير سليم. لعله أحد أسوأ الأفلام التي رأيتها منذ فترة طويلة. يحاول جاهداً أن يكون شيئاً، لكن بدون جدوى. لكن دعونا نعترف بأن الضجة التي أُثيرت حول «المنصة» في هذه الظروف، أمر مفهوم. يقدم المخرج الإسباني غلدر غازتلو يوروتيا «البطل» غورينغ (إيفان ماساغو) الثلاثيني، الذي يستيقظ في غرفة مع شخص آخر يبدو معتاداً على المكان. تقع هذه الغرفة في الطابق 33 من مبنى ضخم يستحيل رؤية قاعه. وسط الغرفة، حفرة كبيرة، على الأرض والسقف. من خلالها، تمرّ المنصة على شكل طاولة كبيرة مليئة بالطعام، تبقى في الغرفة لبضع دقائق. الطعام ما هو إلا بقايا الأكل الذي تركه من في الأعلى، يأكل النزلاء ما يستطيعون أكله بسرعة، ثم تكمل المنصة نزولاً، تاركةً بقايا الطعام، أو لا شيء على الإطلاق لمن هم في الأسفل. يعيش شخصان في كل غرفة. ومن خلال الحفرة، يستطيعان رؤية من فوقهما ومن تحتهما. بعد شهر في زنزانة معينة، يستيقظ النزلاء في غرفة أخرى، قد تكون أعلى أو أسفل. وبذلك يتمكنون من تجربة كيف يعيش «الأغنياء» و«الفقراء» و«الأقل فقراً»: إن كنت في الطوابق الأولى، فالطاولة مليئة بالطعام لاختيار ما تشاء، بينما من هم في الأسفل يتقاتلون على البقايا. يتبع الفيلم غورينغ، كشاهد وراوٍ لتجربة دموية وعنيفة وقاسية. يبدأ «البطل» شيئاً فشيئاً بمحاولة تغيير هذا «العالم»، لكن محاولاته تبقى فاشلة، لأنّ البشر في العموم مروعون، أنانيون، قاسيون... لذلك، فـ«تحسين المجتمع» مهمة مستحيلة على ما يبدو. الفيلم والفكرة مجهزان ليكونا مجازاً. المبنى مجاز بحد ذاته، ولا شيء أبعد من ذلك المجاز، لأنّ لا شيء أبعد من ذلك المبنى.
الفيلم وهمي باطل مدّع ومزيف

هذه الاستعارة مصمّمة لانتقاد المجتمع الرأسمالي والتنافسي الذي نعيش فيه، وانتقاد النظام الهرمي حيث مَن هم فوق لديهم الكثير من الامتيازات، ومن في الأسفل يُتركون بلا شيء. والمستوى الثاني من الاستعارة هو عدم التضامن لدى الناس الذين يعيشون في المبنى، فالفكر السائد هو الفردية. لا أحد في أيّ مستوى يفكّر في بقية المستويات لأنه ببساطة لا تستطيع أن تساعد من هم في الأسفل لأن أولئك الذين فوق، لن يساعدوك أبداً. قد يبدو مفهوم الفيلم ذكياً، إلى أن ندرك حدوده الواضحة... بمجرّد أن نفهم إلى أين يتجه (سردياً وأيديولوجياً)، كاتالوغ السلوكيات والمصائب التي تحدث، تصبح واضحة. ليس ذلك فحسب، بل إنّ الفيلم مشوه، والجهد المبذول بادّعاء «العمق» بدا واضحاً تماماً. فأبسط مستوى من التحليل، يمكن من خلاله تدارك ما يريد المخرج تقديمه. في «المنصة» الناس مروعون، والعالم غير عادل وبطل القصة يقرأ كتاب «دون كيشوت» («هو الوحيد الذي جاء بكتاب»، قيلت عشرات المرات في الفيلم، مثل العديد من العبارات الأخرى التي تتكرر). ويريد حرفياً بعث «رسالة» إلى الإدارة، كما أراد المخرج حرفياً أن يمرغ في وجهنا رسالته السامية. يبدأ الفيلم بفكرة، ثم يتمدد بها إلى ما لا نهاية. خلال ذلك، تدور معارك دامية، وحوارات متكررة وتفسيرية بحت (يعتقد المخرج بأن المشاهد غبي لا يفقه شيئاً)، وآليات استدلالية وفلسفية ورمزية بطريقة مباشرة وبدائية جداً. نثرات فلسفية ملونة بمشاهد بغيضة، ودم وبراز لجذب جمهور أفلام الرعب. الشخصيات دائماً متأخرة، لا نعرف عنها شيئاً، فالمشاركة العاطفية معها صعبة. رغم أنه يبدأ كنقد اجتماعي واضح، إلا أنه يتطور ليصبح فيلماً عن النجاة، ثم فيلم أكشن ورعب وقتل وأحشاء. يمشي عبر رموزه التي لا تصل إلى مكان، وفي أوقات يتسارع ليقدم فكرته على عجل، وفي النهاية الكثير من الصراخ لتوصيل وتوضيح نهايته ورسالته.

اعترف المخرج بأن هدفه ورسالته الرئيسة (كأنه يصح أن يكون أي عمل فني مجرد رسالة) مواجهتنا نحن المشاهدين بالأنانية واللامبالاة التي نعبّر عنها جميعاً بشكل غير مباشر تجاه معاناة الآخرين. بطريقة أخرى، يقول لنا بأن الناس وحوش أنانيون قبيحون وقادرون على فعل أشياء سيئة ومقرفة باستثنائه هو وبطل الفيلم. يدعي العمل أنّه ذو خطاب تقدمي، والشيء الوحيد الذي يظهره مراراً وتكراراً هو مدى البؤس الذي يمكن أن تبلغه البشرية. لا يوجد سوى القليل جداً للتوضيح أو «الفهم» في هذا الفيلم الواضح. مع ذلك، فالشيء الوحيد الذي يبدو موجوداً، مراراً وتكراراً على الإنترنت اليوم، هو المناقشات حول نهايته. ليس فقط لفهم ما يحدث (لأنه واضح) حرفياً بل لتفسير «معناه». لعلّ الجواب على تفسير معنى الفيلم، هو ما قاله شكسبير قبل 400 عام تقريباً: «قصة يرويها أحمق، مليئة بالضجيج والغضب، ولا تعني شيئاً».

The Platform على نتفليكس