«الحرب هي الحرب، الحرب الشخصية هي حقيقة إنسانية ولولا هذا، لاكتفينا بمشاهدة الأفلام الوثائقية، لكن الحقيقة أنك تملّ ولا تفهم كثيراً، وتودّ حقاً لو تشاهد أفلاماً تصوّر حروباً شخصية ضمن الحرب كما تعرف» (طالب شحادة ـــ في براءة قابيل/ شيء عن صعاليك العصور ــ مجلة «رحلة» عدد 7).

تَجهَد في التقاط أنفاسك قبل أن تَنقطع في كل مرّة تسمع أن عملاً سينمائياً يُصنّف على أنه تجريبي، بعد أن تلوّثت سمعة هذا النمط من تجارب أقل ما يُقال عنها، وبتهذيب، إنها رديئة. رداءة تَأخُذ من التأويل أحجية لتتمظهر، حسب طموح مؤلفها، على شكل غرابة.
عام 1998 صدَرَ فيلم تجريبي بعنوان «أشباح بيروت» (120 د. تقريباً) للمخرج اللبناني غسان سلهب. القاعدة الأولى التي عليك أن تتمسك بها كمشاهد هي فكرة بسيطة لعلّها تكون وجهة البوصلة، وُجدت في مقالة ألكسندر أستروك كاتب مانيفستو الطليعية الفرنسية الجديدة بعنوان «ولادة الطليعية الجديدة: الكاميرا القلم» ومفادها: «إن الأفكار والفلسفات المعاصرة للحياة هي من النوع الذي لا يمكن أن تُنصفه إلا السينما». مرادف هذا القول في حالة غسان سلهب هو النَّسَق العبثي، المتشظي للحرب اللبنانية واعتبار السينما الوسيط الوحيد الذي باستطاعته تجلّي تعقيدات وتصدّعات موضوع عصرّي مماثل. هنالك قاعدة ثانية لا يجب إغفالها لفهم سبب تموضع هذا العمل خارج معايير النقد المبتذل الذي يتكئ على معايير جمالية من فئة ما يحاكي الذوق العام، وهو قولٌ للمخرج الفرنسي جان لوك غودار: «لا أعتقد أنه يجب على المشاهد أن يشعر تجاه الفيلم، يمكنك أن تشعر تجاه امرأة. يمكنك أن تقبّل امرأة لا فيلماً». ليس المُراد من هذا القول طمس وظيفة الحواسّ أو نفي العلاقة المترتبة بين المشاهد والفيلم، بل قَصَدَ قائله أن يصقل من شأن العقل أثناء عملية المشاهدة، ليكون العين/ الأداة التي توظف لاستيعاب المشهد من دون أن يكون الأخير بمثابة سلطة عليا، تفرض نفسها على المشاهد كحقيقةٍ مطلقة. هذا هو بالضبط المفعول الرجعي لـ «أشباح بيروت»، إذ ما إن ينتهي العرض حتى تبدأ بمناقشة الحائط، في حال شاهدته بمُفردك، ضارباً حديثك بالحجج والأمثلة، على ما يحمل من دلالاتٍ رمزية ومداخل متشعبة لمَكانةِ المعنى.
على خُطى مخرجي سينما المؤلف، يحثّك سلهب على أن تكون طَرَفاً منحازاً في عملية الخلق، حيث لا تكتمل خريطة فيلمه ومعناه بدون تفاعل ذاتي واستنباط معرفي على قاعدة أن وجود الفيلم يكمن أولاً في داخلك، في صميمك، وليس خارجهما. في حركةٍ ديناميكية لكاميرا تكتب مشاهدها بانسيابية مدهشة، تتناسل الأحداث بوتيرة هادئة وبحركة بطيئة قبل أن تتصدّع وتتفكّك تدريجاً مع دخول عامل الأزمة «خليل»، الشخصية الرئيسية، الذي يشكل حضوره المفاجئ، بعد غياب طويل غير مبرّر، الحبكة الأساسية. في غمار نهار مُشرقٍ عادي يبدو كل شيء للوهلة الأولى سليماً ما عدا الوضوح. نحن في الفصل الأخير من الحرب اللبنانية الدامية، في أواخر الثمانينيات. هنالك بضعة أبنية ناجية من الدمار، كمية هائلة من الحصى وحواجز اسمنتية على أطراف الطريق، زحمة سير مُعتادة وبالطبع وقفة قصيرة في المطار لاستقبال الوافدين. إنها سيرورة الحياة اليومية بكامل قبحها. إنها تقريباً الصورة الثابتة للعالم الخارجي كما كان عليه في ذلك الوقت.
لكن وراء هذا المشهد، هنالك صورة أشد بؤساً مطبوعة على وجوه الممثلين: حزن منحوت يبدأ من نظرات الأعين وينتهي في حركة الشفاه مع حيرة خانقة تلتف حول الرقاب. لغة داخلية لامرئية تجسدها دارينا الجندي بمونولوغ صريح تختصر فيه جوّ «أشباح بيروت» بالجملة التالية: «بالنسبة إليّ الحرب لم تنته». الفترة الزمنية تلك، التي يتوغّل سلهب في تفاصيلها، تسمى فترة الحروب الصغيرة، بعدما تحوّل السياق الواقعي من «الحرب» إلى «المعارك». لكن تبقى سمة الفعل ونتائجه تعادل مثيلته السابقة، فكيف إذاً بالممثلة أن تدلي بتصريح كهذا؟ هنا تحديداً تأتي المفارقة التي تشكل جوهر العمل: في التداخل بين الحقيقي والخيالي، بين الممثل وشخصه، الفانتازيا مع الواقع، والحاضر الذي يُفصَح عنه تبعاً للتقنية «البريختية» في بورتريهات ترتكز إلى تثبيت الكاميرا على الوجه للتخاطب المباشر مُقابل ماض موّثق بصورٍ أو فيديو ذكريات، فتُترك وحيداً، تُركّب على قدر المستطاع بما توفر لديك من عناصر ثيمة الفيلم، كأنك أمام قصيدة كولاج تحتاج قراءتها إلى تمعّن. أمام هكذا نوع من سيناريوات ينعدم فيه الإسهاب السردي ويلتصق إلى حدّ بعيد بالأساليب البصرية المتعددة التي اعتمدها المخرج، تَفهم أن تجريبية سلهب تنبثق حصراً من الأسلوب ولا تنتهي عنده. والأهم من هذا كلّه أنها ليست غاية عمله الأسمى. القصة تصنع نفسها وغير متوافرة بشكلٍ معلّب بل ترتكز إلى وحدة الثنائيات، إلى التحام الأضداد وتلاصقها، والتي بتفاعلها يمكن في أي يوم مُشرق عادي، أن تُشكل وقوداً نارية للحرب.
«مثل لص يتسلل في وضح النهار» يظهر خليل بدون سابق إنذار بعد اختفاء دام عشرة أعوام. كل من يعرفه، كان على يقين في بادئ الأمر أنه توفي في إحدى المعارك. كل المبررات حيال غيابه بقيت، طوال الفيلم، مجهولةً. مُعطيات بسيطة متعلّقة بشأنه نعرفها من خلال الاستدلال. أحدها أنه يود بحماسة الانخراط مجدداً في راهنية الحياة كأن غيابه لم يكن، وآخر يظهر لاحقاً مع تواتر الأحداث، يَزعم أن الأخير خَدَع أصدقاءه في عملية سرقة مصرف كانوا قد نفذوها سابقاً واحتفظ بالمال وحده. الخزنة التي لم ينف خليل سرقتها من رفاقه، ليست ذريعة مُقنعة لاختفائه، حتى هُم، أي مروّجو هذه التهمة، راودهم الشكّ حيال دقتها. نحن أمام لغز محيّر، أمام رجلٍ عاد فجأة من الماضي، داحضاً كل المسلّمات حيال نهايته المزعومة. أنتَ مضطر في حالةِ مستعصية كهذه لأن تبني تفسيرك على ما هو ظاهر لكي تستطيع أن تفهم عنصراً محورياً في بالغ الأهمية، لا يكتمل العمل بدونه. عندها، لا مفرّ لديك، إلا أن تأخذ في الاعتبار صفات خليل الشخصية لتبني عليها من خلال الإسقاط. تبدأ من بلادته، غموضه، هدوئه، خروجه الدائم في الليل حتى تصل إلى دردشته مع صديقه المُخلص، مزوّر الهويات، الذي يمتاز خطابه بمفردات سمسار الحرب، لتستنتج أن البطل هنا ما هو إلا عنصر رمزي يُجسد الحرب ومزاياها. أمرٌ منطقي أن تكون ماهية الشبح الذي يطوف مدينته العزيزة مُبهمة وغير اَبهة بأي جدوى أكثر من الاستمرار في ملاحقة الأزمنة.

عطبٌ فردي ناجم عن خيبات وهزائم دفينة

حجة ناعمة كالشوق مثلاً، مُقنعة كفاية لتكون الدافع الحقيقي وراء زيارته. إلا أن الغرابة تجثم في التعارض الجوهري بين ارتطام رغبة الممثلين بأرضية الواقع. الاعترافات التي أدلى بها الأشخاص الآخرون، تفضح حسهم النوستالجي لعودة مناخ الحرب الساخط. رغبتهم الدفينة هذه، بعد أن تأخذ في الاعتبار ما ينعمون به من طابعٍ هامشي وسلبي، مفهومة للغاية. هُم عالقون وسط دوامة الحدث الأكبر: الحرب. والحرب في «أشباح بيروت» وما تَنسجها من علاقات اجتماعية هي الحدث الأكبر، وهي بدورها، مُجردة من أسبابٍ أو خلفيات منطقية لحدوثها. الحرب عبثية بامتياز، فارغة من كل جوهر، خاوية، بل مجحفة لكنها تمتاز بحركة حيوية أي الدمار والخراب كما يشتهي حاضر تلك الشخصيات لهذا الإعصار العاصف. وفي هذه الحالة بالذات، الحرب هي مشروع شخصي بامتياز، طاقة محفّزة لنسف رتابة الحاضر وجموده، مع أملٍ معقود على أن تشكل مغامرة تقترب فيها الذات إلى ذاتها.
اضمحلّت كل هذه الرغبات مع عودة خليل. عَصف حضوره الجديد ثبات الأمور. خلط الأوراق القديمة. زعزع كل أنواع الاستقرار بما فيها القناعات المتمثلة في أذهان أصحابها واستحالت علاقة محيطه به متناقضة، قائمة على أساس الحب والكره معاً، تماماً مثل تماهي رغبتهم في الحرب ورفضها إثر حدوثها. «من قال إن الحرب انتهت؟ أنا لا أريدها أن تنتهي» هكذا أفشت دارينا الجندي عن فكرتها. الحرب موجودة داخل الشخوص، في صميمهم، والخارج فقاعة كبيرة ما إن يعطي إشارة خضراء حتى تتراجع خطوات الجميع إلى الوراء. هناك فراغ وغياب لا يعوّضهما شيء أو أحد، عطبٌ فردي ناجم عن خيبات وهزائم دفينة. يحدث انفجار كبير أمام المنزل الذي يقطن فيه خليل يهز الأرجاء بعد ثوانٍ قليلة من خروجه. وُجدت سيارته مليئة بالرصاص. خليل بخير، هو مخطوف لكن لا وقت محدداً لإطلاق سراحه، هكذا يُطمئن قائد الوحدة العسكرية المسؤولة عن المنطقة معنيّيه. اختفى خليل من جديد وعادت النهاية تحتل البداية من جديد! أن تعي غياب شخص تعلم ضمناً أنه موجود، درامية أكثر من معرفتك أن غيابه هو نتيجة موتٍ، كونها تعزيزاً دامغاً للاوضوح المستغنى عنه. والخلاصة هنا تقول بأن التمثيل هو فعلُ انتحال وممارسة خائنة بحق العيش. وفي جميع الأحوال، كيفما تأتي النهايات سيكون الشيء ونقيضه حاضرين على الدوام معاً. هذا ما أراد لنا «أشباح بيروت» أن نفهمه: الحرب حالة متأصّلة في الوجدان، مصنع يُعيد تكرير الحاضر إلى ماض، الحرب وسواس قهري لا يمكن التغلب عليه لا بالكبت أو الإفشاء، ولا بالتمنّي.


* أفلام غسان سلهب متوافرة على aflamuna.online
* «أشباح بيروت» على MUBI