يصنّف بعضهم «لا يمكننا العودة إلى المنزل مرة أخرى» (1973) لنيكولاس راي بالتحفة البصرية، بينما يهزأ به آخرون. أما نيكولاس راي نفسه (1911 ــ 1979)، فيطلق عليه «كاتدرائية الفنون». وفي حال لم يكن تحفة سينمائية، فإنّه بالتأكيد صورة استثنائية عن الابتكارات التجريبية للمخرج الأميركي العظيم، عن وجه المجتمع في لحظات حرجة في التاريخ الثقافي والسياسي، وأيضاً صورة ملتهبة لروح المخرج. في عام 1971، بدأ نيكولاس راي مع طلابه في «كلية هاربور»، في «جامعة بينغهامتون»، تدريباً عملياً على صناعة الأفلام لإعادة تعريف واختراع السينما، كما تنبأ المخرج الفرنسي جان لوك غودار قبل سنوات عديدة عندما قال: «السينما هي نيكولاس راي».


نيكولاس راي

قام راي وطلابه بتصوير وتجميع مقاطع فيديو (35، 16، 8 مم) في فيلم تجريبي «غير مكتمل»، حاول راي فيه تحليل الاضطراب الجنسي والاجتماعي والسياسي للمجتمع في أواخر الستينيات. الفيلم فوضوي، مربك وغير منظّم، ولكن سحر راي، العاشق للسينما والمتعاطف مع طلابه، والقوة العاطفية الخام التي حاول بها الطلاب التعبير عن شخصياتهم، وعبقرية راي في الإخراج والمونتاج والسيناريو، والروح التجريبية في الفيلم... كلها تجعل المشاهدة استثنائية. عمل لا يمكن تصنيفه، يتأرجح بين المخدّرات والجنس والماضي والحاضر والقلق الفردي والصراعات الاجتماعية.
منذ أوائل حياته السنيمائية، كان راي أحد أهم المخرجين الذين صوّروا الشباب الساخطين في عدد من الدراما الاجتماعية. كان رائداً في تسليط الضوء على قلق المراهقين. أتقن خلق الشخصيات التي ترفض الاندماج في المجتمع مثل «متمرد بلا قضية» (1955) الذي تألق فيه جيمس دين في دوره الأكثر شهرة قبل رحيله المأساوي قبل أشهر من عرض الفيلم. وهناك أيضاً فيلمه «جوني غيتار» (1954) الذي يقول عنه مارتن سكورسيزي: «لا يمكن أن تصبح مخرجاً إن لم تشاهد «جوني غيتار»». كثيرة هي أفلام راي التي عزّزت إرثه وجعلته محبوباً من نقّاد الموجة الفرنسية الجديدة ومجلة «دفاتر السينما»، الذين نصّبوه إلهاً على عرش صناعة الأفلام.
نحن اليوم في عام 2020، ويمكننا مشاهدة فيلم راي الذي عُرض في «مهرجان كانّ» عام 1973 على منصة «موبي». واصل راي المونتاج بعد العرض وظل يغيّر ويجدد فيه حتى موته عام 1979. تم ترميم الفيلم وعرضه في «مهرجان البندقية» عام 2011 في الذكرى المئوية لولادة المخرج. ففي آخر أفلامه، لا يزال راي يبحث عن أسباب تمرد الشباب، بمشاهد قاسية ومؤلمة تحتلّ ذاكرة وروح طلابه وعلى الحدود بين الواقع والخيال. فيلم تجريبي، درسٌ في السينما، عن حياة الطلاب وسيرة ذاتية قصيرة عن راي. صورة خلفية غير واضحة موجودة طوال الفيلم. المشاهد تحدث أمامها وهي تتغيّر مع الوقت. الصورة تعمل كإطار. غالباً ما نسمع مقاطعَ سردية، خاصة في أول الفيلم مع صور عن قمع التظاهرات في الولايات المتحدة. ثم يصبح الفيلم صورة ذاتية لراي نفسه والطلاب، وفيلماً عن الدافع لإنتاج الأفلام. التصوير لراي هو أسلوب حياة، سينما ينطبق عليها جملة الناقد الأميركي جوناثان روزنبماوم: «سينما إلى أقصى عواقبها». هذا ما يتضح في المشهد الختامي، حين يحاول راي إنقاذ توم الذي يتعلق عن طريق الخطأ بحبل، ويموت. في النهاية، يتردّد صوت راي كأنه يعطينا ويعطي طلابه درساً أخيراً «اعتنوا ببعضكم بعضاً».

* we can’t go home again على Mubi