د. جورج قرم

يشهد لبنان، منذ عام 1975، عاصفة من الضوضاء وعدم الاستقرار والأمن، أدَّت إلى تدهور الأوضاع المعيشية والمهنية للبنانيين. وقد انعكست هذه الأزمات سلباً على جميع شرائح المجتمع اللبناني، ولا سيَّما الموظفون المدنيون وموظفو الإدارة العامة، وعلى مستوى معيشتهم. والجدير بالذكر أنَّ مستوى الرواتب المدفوعة في الإدارات العامة قبل عام 1975 كانت تسمح، في الإجمال، للموظفين بأن يعيشوا باطمئنان مادي، مما كان يحدُّ من تفشي الرشى لإنجاز المعاملات. أما اليوم، فإنّ الوضع مختلف تماماً، وذلك تحت تأثير عوامل عديدة. وبالفعل تأثرت الإدارات العامة بالآثار السلبية التالية:
1. هجرة كفاءات في الإدارات العامة نتيجة الحرب، مؤقَّتة الطابع في بعض الأحيان، ونهائية في أحيان أخرى.
2. عزْل لبنان عن التطورات التقنية والعلمية العالمية، ما أثَّر على القطاع العام أكثر من القطاع الخاص، نظراً لشلِّ الدولة طوال هذه الفترة وعدم إمكان تحديث الأجهزة الإدارية في مثل هذه الظروف.
3. انهيار الليرة اللبنانية الذي حصل ابتداءً من عام 1984 بعدما كانت العملة الوطنية قد حافظت على قيمتها تجاه العملات الأجنبية، مع جمود في رواتب القطاع العام، بحيث تآكلت القدرة الشرائية لرواتب العاملين في الإدارات العامة، وكذلك رواتب المتقاعدين.
4. عدم ملء الشواغر في الوظائف العامة في بعض المراكز الحساسة والحيوية وتكوين فائض من الموظفين في بعض الإدارات.
أمام هذه التطورات السلبية، لم تُجرِ الحكومات المتتالية بعد انتهاء الحرب عملية إصلاحية شاملة لأوضاع القطاع العام المدني، ولم تحدِّث وتجدِّد قوانين الخدمة المدنية التي كانت قد وُضِعَت في بداية عهد الرئيس فؤاد شهاب عام 1959، بل اكتفت بإجراءات مجزَّأة لسدِّ الثغرات الأكثر عرقلةً لأعمال الدولة، وخاصةً في ظل مقتضيات إعادة الإعمار، مع العلم بأنَّ تعيين وزير مكلَّف بشؤون الإصلاح الإداري كانت مبادرة هامة قامت بها الحكومة سنة 1991 وحظيت هذه المبادرة بدعم كبير من كلٍّ من الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي. علماً بأن المؤسسات الرئيسية في تنظيم شؤون الموظَّفين والمراقبة (مجلس الخدمة المدنية، التفتيش المركزي، ديوان المحاسبة، إدارة المناقصات العامة) أبقيت خارج هذه المبادرة، بالإضافة إلى عدم وجود صلاحيات تنفيذية للوزير المكلَّف بالإصلاح الإداري، واعتماد هذا الجسم المستحدَث على المساعدات الخارجية بشكل شبه حصري... هذه العوامل جعلت فاعلية هذه المبادرة محدودة للغاية.
فقد تكدَّست الدراسات الواحدة تلو الأخرى في أدراج الوزارة دون مشاركة فعلية لمجلس الخدمة المدنية والتفتيش المركزي وديوان المحاسبة والوزارات الرئيسية التي بقيت جميعها تشكو من قلَّة الموارد المالية لتحديث طرق عملها ومن عدم تجديد وتحديث ملفاتها الإدارية والفنية، كما لم تُجَدَّد القوانين العامة التي تنظِّم شؤون الإدارات، ولم توضع أيضاً قواعد جديدة قانونية لتحديث المحاسبة العامة وطرق وضع الموازنة وتنفيذها.
واللافت أنَّ الضربة القاضية للقدرة الشرائية للموظَّفين المدنيين حصلت بعد الحرب، أي في ربيع وصيف 1992، عندما انهارت الليرة اللبنانية بشكل كبير من مستوى 880 ليرة للدولار الواحد إلى 2800 ليرة، ما أصاب كل الرواتب المحرَّرة بالليرة اللبنانية في القطاع العام كما في القطاع الخاص، وجعل عشرات الآلاف من اللبنانيين يعيشون تقريباً على خط الفقر. وقد كان لذلك تأثير كبير وحاسم في إبعاد أصحاب الكفاءات من الوظائف العامة غير وظائف الفئة الأولى أو الفئة الثانية.
في مقابل هذا الشلل في تنفيذ الإصلاح العام، بادرت الحكومات إلى سد الثغرات بطرق مختلفة، منها ما كان معمولاً به سابقاً، ومنها ما هو مستَحْدَث:
1. إنشاء مؤسسات عامة مستقلَّة الطابع للقيام بأعباء الإعمار (صندوق المهجرين ومجلس الجنوب وغيرها من المؤسسات)، بالإضافة إلى تقوية صلاحيات مجلس الإنماء والإعمار إلى أقصى درجة، وجعل هذا المجلس يحتكر العلاقة مع مؤسسات التمويل الدولية والدول المانحة، فيصبح وسيطاً إجبارياً في كل المشاريع بين الجهة المانحة للتمويل الخارجي والإدارات أو المصالح المستقلَّة المستفيدة من المشاريع. وهذا قد أثقل إلى حد بعيد سلسلة الإجراءات القانونية والإجرائية في تنفيذ مشاريع البنية التحتية أو مشاريع أخرى تتعلَّق بالقضايا الاجتماعية أو قضايا البيئة أو أية مساعدة تأتي من الخارج وتُصْرَف من طريق مجلس الإعمار ببطء شديد نظراً لتعقيد الإجراءات بين المجلس ووزارات الوصاية والمؤسسات العامة.
2. ابتداع أوضاع إدارية جديدة غير منصوص عليها في قانون الخدمة المدنية مثل جلب العاملين والعاملات بالساعة في الإدارات العامة، سواء لأعمال السكريتاريا أو أعمال إدخال المعلومات على الحواسيب، ولا يستفيد هؤلاء من أية حماية صحية ولا من إجازات، وحين يتغيَّبون لأسباب مرَضية يفقدون أتعابهم التي تحدَّد بالساعة وبمبلغ زهيد.
3. الاستعانة بمؤسسات دولية مثل الـ UNDP أو البنك الدولي لإنشاء وحدات خاصة في الوزارات تدفع رواتب عالية وتجلب الخبراء الأجانب أو اللبنانيين ذوي الشهادات العليا وتكون رواتبهم أضعاف رواتب موظفي السلك الإداري، ما يخلق أوضاعاً شاذة في الإدارات.
4. العمل بعقود خاصة في مجال المعلوماتية لتوفير مستوى أرقى من الرواتب تحتاج إلى موافقة مجلس الخدمة المدنية، لكن في كثير من الأحيان، في حال رفضه، يبتّها مجلس الوزراء متخطياً موقف المجلس.
5. التمايز المتزايد في بعض المنافع الملحَقة للراتب على بعض فئات الموظَّفين كالقضاة وتوسيع نطاق عمل صناديق التعاضد الخاصة بهم.
هذا هو الواقع الأليم الذي تشكو منه الإدارات العامة، وهو وضع يتَّصف بالتجزئة وقلَّة قيمة الرواتب المدفوعة باستثناء بعض المؤسسات المستقلَّة المستحدَثة أو بعض الوحدات الخاصة المذكورة سابقاً... وفي ظلِّ هذا الوضع، أصبحت بعض الإدارات تشكو من كثرة العاملين فيها، وبعض الإدارات الأخرى تشكو من قلَّة العاملين فيها، وخاصةً من ناحية شغور بعض المراكز الإدارية الهامة وتعبئتها بطرق غير رسمية لا تتطابق والقوانين المرعية الإجراء التي تحتاج أصلاً إلى إعادة نظر شاملةً.