د. غسان ديبة


مما لا شك فيه أن طلب الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني، الدكتور خالد حدادة «استعادة ملف باريس ـــــ3 لدراسته على أساس تلازم استنهاض الاقتصاد الوطني وتحقيق التوازن الاجتماعي» ضمن المبادرة الإنقاذية للحزب الشيوعي، يشكل خطوة مهمة وضرورية من أجل وقف عجلة اليمين الاقتصادي المهيمن على حكومة السنيورة، الذي تمثل الورقة الإصلاحية المقدمة إلى باريس ـــــ3 العنوان الأبرز لسياسة هذا اليمين الاقتصادية والاجتماعية. فمن الضروري وقف العمل بالسياسات المعادية للموظفين والعمال وأصحاب الأجر الذين يشكلون الغالبية العظمى من اللبنانيين التي تتمثل بزيادة ساعات العمل في القطاع العام وإنهاء ديمومة العمل عبر تسهيل «ميكانيزمات» طرد العمال (عبر تعديل قانون العمل الحالي) وتحويل مختلف أنظمة التقاعد، ومن ضمنها الضمان الاجتماعي إلى أنظمة رأسمالية الأساس، وأخيراً، وليس آخراً، زيادة الضرائب غير المباشرة ذات المفعول التراجعي التي يقع عبئها بشكل غير عادل على مجموعات الدخل المتوسط والأدنى، وقد أتى في هذا السياق قرار الحكومة بإلغاء عطلة يوم الجمعة العظيمة (بعدما كانت ألغت في السابق عيد المقاومة والتحرير) من أيام العطل الرسمية، وذلك ضمن ما يمكن تسميته «سياسات فرض العمل» على اللبنانيين وانتزاع المكتسبات والحقوق التاريخية التي أمنتها الديموقراطية اللبنانية ونضالات الحركة النقابية على مر السنين.
إن المطلوب في هذه المرحلة أن يكون لليسار اللبناني مشروع اقتصادي بديل يستطيع أن يجمع من حوله قوى أساسية في المجتمع اللبناني، ومن ضمنها الطبقات والفئات الرأسمالية المتضررة من المشروع «الليبرالي ـــــ الإنتاجي» مثل الصناعيين والمزارعين الرأسماليين، بالإضافة إلى قوى سياسية معارضة مثل حزب الله والتيار الوطني الحر اللذين يملكان نقداً وإن كان غير مكتملاً لأوجه أساسية لليبرالية ـــــ الإنتاجية.
إن الظروف السياسية والاقتصادية مواتية جداً في هذه المرحلة لطرح البديل الاقتصادي لعدة أسباب، أولها أن برنامج اليمين الاقتصادي قد اصطدم بشكل مباشر بالبنية السياسية، فالأزمة السياسية والدستورية الحالية تمنع الحكومة الحالية من ترجمة الكثير من بنود هذا البرنامج، وبالتالي تم تعطيله بالكامل بانتظار تشكيل حكومة جديدة وإجراء الانتخابات الرئاسية التي ستعيد تشكيل النظام الطائفي السياسي على أسس وتوازنات جديدة قد تطيح البرنامج الحالي برمته، وبالتالي قد تطيح دعم الدول المانحة في باريس ـــــ3 ودعم صندوق النقد الدولي الذي قد ينتهي مع القرض الحالي إذا لم تستطع الحكومة تنفيذ وعودها لعام 2007، ولاسيما أن المؤشرات تشير حتى الآن إلى أنها لن تتمكن من ذلك.
من دون هذا الدعم الدولي سيصطدم المشروع «الليبرالي ـــــ الإنتاجي» بشكل كلي (وليس آنياً كما يحدث الآن) بالنظام الطائفي السياسي الذي يعتمد بقاؤه في حلة نظام الطائف على «ميكانيزمات» التوزيع وإعادة التوزيع للريع المعتمدة منذ عام 1992، هذا الريع المُنتج ليس من القيمة الزائدة الاقتصادية، بل من تراكم الديون العامة الداخلية في المرحلة الأولى لإعادة الإعمار وأكثر فأكثر من الديون الخارجية في مرحلة ما بعد باريس ـــــ2. وبالتالي سينتج هذا التصادم «عرقنة» اقتصادية ـــــ سياسية حيث يتواجه في العراق مشروع نيوليبرالي ـــــ اقتصادي حاول فرضه الاحتلال الأميركي مع اندفاع الطوائف والإتنيات العرقية إلى التقاسم الطائفي للموارد الطبيعية للعراق.
أما على المستوى الإيديولوجي فقد فَقَدَ المشروع «الليبرالي ـــــ الإنتاجي» هيمنته على الخطاب الاقتصادي في الدول المتقدمة وعلى مستوى برامج وأفكار التنمية الاقتصادية، وبالتالي لن تكون الحكومة ولا منظرو اليمين الاقتصادي قادرين على مجابهة البدائل بشعارات أصبحت بالية وتخطاها الزمن، بل أكثر من ذلك، فإن أي بديل اقتصادي تقدمي ستكون له الغلبة في هذا الإطار بعد الفشل الذريع الذي آلت إليه السياسات النيوليبرالية في دول أميركا اللاتينية وآسيا وأوروبا الشرقية وانتهاء مفاعيل الحقبة الريغانية ـــــ التاتشرية في الولايات المتحدة وأوروبا.
وهنا على الحزب الشيوعي الانفتاح على التجارب اليسارية الاقتصادية في أميركا اللاتينية على الرغم من تنوعها من البرازيل إلى فنزويلا، وتأتي التجربة الأرجنتينية بدروس عديدة للوضع اللبناني نتيجة تشابه السياسات اليمينية في البلدين، وخصوصاً على مستوى السياسة النقدية والخصخصة التي استطاعت الأرجنتين القضاء على مفاعيلها بعد أزمة عام 2002.
وبالإضافة إلى التحولات الكبرى في أميركا اللاتينية، يشهد العالم أجمع متغيرات راديكالية ستنهي بشكل كامل النموذج «الليبرالي ـــــ الإنتاجي» و«الفترة الخاصة» التي مرّ بها العالم بعد تراجع نموذج اشتراكية الدولة. وهذه المتغيرات تشمل الأزمة الحالية التي يمر بها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والتي تتعدى أزمة القيادة الحالية إلى أزمة الدور العالمي لهذه المؤسسات وأزمة فشل سياستها منذ ثمانينيات القرن الماضي. وتشمل المتغيرات أيضاً الدول الصاعدة التي تشكل أقطاب النمو الاقتصادي العالمي الجديد، وهي الصين والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا، بالإضافة إلى تخلص روسيا من الهيمنة السياسية والإيديولوجية والاقتصادية الغربية ودعوتها إلى تحقيق عالم متعدد الأقطاب.
لقد آن الأوان الآن لليسار وللزملاء الاقتصاديين المعارضين لليمين الاقتصادي أن يبدأوا باستنباط بديل (أو عدة بدائل) يشكل نموذجاً اقتصادياً جديداً وليس فقط حمل «الهم الاجتماعي» أو شعار «التخفيف من الوقع الاجتماعي للإصلاحات» لأن المعضلة الأساسية ليست في تأثيرات المشروع «الليبرالي ـــــ الإنتاجي»، بل إنها تكمن أساساً في النموذج نفسه.