أباح نظام الكفالة الاستعبادي كل شيء من الحبس والضرب ومصادرة الأوراق، وصولاً إلى العمل أكثر من 18 ساعة يومياً مقابل أجرٍ زهيد، وأحياناً من دون أجر. أباح نظام الكفالة «الانتحار»، فقد «انتحرت» خلال 24 ساعة ثلاث عاملات في: طرابلس، الأوزاعي ونهر الموت. باري وُجدت مذبوحة في منزل كفيلها في طرابلس، وثانية وجدت مشنوقة في الأوزاعي، وثالثة رمت بنفسها عن سطح مبنى في نهر الموت. قبل هؤلاء، ماتت دايزي الإثيوبية في جبيل، وشنقت مالكة البنغلادشية نفسها في طرابلس. هؤلاء اخترن «الانتحار» وفق البيانات الرسمية التي تصدرها يومياً الأجهزة الأمنية، إنما التعبير الأنسب هو أنّ هؤلاء الفتيات قُتلن بسبب الظلم الذي يمارسه الكفيل متشبثاً بنظام الكفالة.


الطفلة التي دخلت بيت كفيلها عندما كان عمرها 12 عاماً هربت أول من أمس بعدما أصبح عمرها 17 عاماً. 5 سنواتٍ قضتها الطفلة «ج» تعمل من السادسة صباحاً حتى الواحدة بعد منتصف الليل في منزل كفيلها من دون يوم عطلة، تعرّضت للضرب، حُبِست في المنزل، مُنعت من التواصل مع أهلها ولم تُعط أجرها منذ 4 سنوات. لم تنجح براءة هذه الطفلة في إنقاذها من «الوحش» المسمّى كفيل. عانت لخمس سنوات من خوفٍ رافقها طوال سنوات طفولتها التي لم تعشها يوماً. منذ أيام، نسيت صاحبة المنزل الذي تعمل فيه أن توصد أبواب المنزل فاستغلت الطفلة الأمر وهربت. قد يبدو الأمر قصة خيالية من كتاب للصغار، إلا أن الأمر حدث فعلاً في لبنان منذ يومين.
عام 2010 غادرت الفتاة البنغلادشية بلدها متوجهةً الى لبنان من أجل إعالة والديها المريضين وأخيها. تروي مسؤولة قسم العمال الأجانب في كاريتاس ــ مركز الأجانب حِسِن صياح أن «الفتاة كانت تبلغ آنذاك 12 عاماً، فقام والدها بتزوير أوراقها مستديناً مبلغ 750 دولاراً من أجل ذلك، أما اليوم فعمرها 17 عاماً». فجأةً، تحوّلت ابنة الـ 12 عاماً الى صبية عمرها 25 عاماً، إذ أصبحت سنة ميلادها على جواز سفرها 1985. وصلت الفتاة الى لبنان في العام نفسه ومرّت عبر مركز الأمن العام الموجود في المطار، الذي على ما يبدو لم يلحظ الفارق «الواضح» جداً بين فتاة بعمر 12 سنة وفتاة بعمر 25 سنة. تؤكد صياح أن «الطفلة صغيرة من حيث الشكل، لذلك من المستحيل أن تظهر أكبر من عمرها».


أجبر الكفيل الطفلة
على العمل 19 ساعة يومياً

تسلّم الكفيل الطفلة واستغلها الى أقصى الحدود، إذ أجبرها على العمل 19 ساعة يومياً من دون يوم عطلة. هربت الفتاة منذ يومين بعدما نسيت صاحبة المنزل إقفال الأبواب قبل مغادرتها، فتوجهت الطفلة، وفق رواية صياح، «الى مكتب الاستقدام الذي أحالها الى السفارة البنغلادشية التي أرسلتها بدورها الى كاريتاس». تقول صياح إن «فحص العظام التمهيدي أظهر أن الفتاة عمرها 17 عاماً، ما يعني أنها دخلت الى لبنان في عمر 12 عاماً». أخبرت الفتاة كاريتاس أن الكفيل امتنع عن إعطائها أجرها على مدى 4 سنوات والذي يبلغ 5250 دولاراً. توجد الفتاة اليوم في مكتب كاريتاس، وجرى التواصل مع وزير العمل سجعان قزي الذي فتح تحقيقاً بالواقعة، كما أعلنت كاريتاس أنها ستتوجه إلى القضاء بعدما تواصلت مع وزارة العدل.

وزارة العمل: يا محلا المكاتب قدام السفارة

مصدر مطّلع على الملف في وزارة العمل، أكّد لـ»الأخبار» أنّ «هناك فريقاً من 3 أشخاص يحقق في القضية، لكن حتى أمس لم تتمكّن الوزارة من معرفة المكتب الذي استقدم الفتاة»، علماً بأن صيّاح أكدت سابقاً أن المكتب هو الذي أحال الفتاة الى السفارة. ويشير المصدر إلى أن «المشكلة تبدأ من بلد الاستقدام، وهناك مسؤولية ثلاثية تتحملها أولاً الدولة البنغلادشية، ومكتب الاستقدام في لبنان والكفيل الذي قبل بتشغيلها». واستطرد المصدر لاحقاً أن «هناك مسؤولية أيضاً على الأمن العام الذي سمح بإدخال الطفلة للعمل، إذ إنه لا يمكن قبول فكرة أنهم لم ينتبهوا الى أن الطفلة صغيرة». إلا أنّ المصدر استغرب «كيف أحالت السفارة الفتاة الى كاريتاس عوض تبليغ وزارة العمل»، معتبراً أنه «كان على السفارة أن تبقي الفتاة لديها من أجل التحقيق بالأمر وتأمين حماية لها، إلا أنه على ما يبدو تبقى المكاتب أفضل بكثير من السفارة».

عمالة الأطفال... أمرٌ عادي

لم يفاجأ رئيس نقابة أصحاب مكاتب الاستقدام هشام برجي بالحادثة، إذ كشف لـ»الأخبار» أنّ هذا الأمر يحصل كثيراً مع دولة بنغلادش، «هناك حالات كثيرة من هذا النوع، حيث يقوم الأهل بتزوير أوراق العاملة»، نافياً بشكل قاطع أي علاقة للمكتب أو للكفيل في تحمّل المسؤولية. يقول برجي «المفروض أن تتم ملاحقة المكتب الذي زوّر أوراق الفتاة في بنغلادش. فالمكاتب في لبنان لا ترى العاملة قبل استقدامها، إنما تقتصر معلوماتها على المعطيات التي يرسلها المكتب في بنغلادش».
ولكن ماذا بعد أن يكتشف المكتب المعني أن العاملة المستقدمة طفلة بتاريخ ميلاد مزوّر؟ ألا يصبح شريكاً مع الكفيل في جريمة الاتجار بطفلة واستعبادها... واستغلالها. من الصعب تصديق انتفاء العلاقة بين مكاتب لبنان ومكاتب بنغلادش، فالعصابة واحدة بمهمة واحدة: الإتجار بالبشر.
لا يرى أصحاب المكاتب أي خلل في نظام الكفالة، «فالنظام جيد، إنما عدم احترامه من قبل البعض يجعله سيئاً». وللتصدي لمسألة التزوير، يعلن برجي أن «النقابة توصلت الى اتفاق مع وزارة العمل البنغلادشية من أجل إنشاء مركز تدريب للعاملات في بنغلادش مهماته: التأكد من الوثائق، تأهيل العاملة للعمل، الإضاءة على حقوقها وواجباتها وشرح بيئة العمل وطبيعته». ويوضح برجي أن «حكومة بنغلادش وافقت على المشروع وقدمت 3 أبنية للمركز الذي سيكون نموذجياً لباقي الدول التي ترسل عمالة منزلية». يقول: «وضعنا الخطوط العريضة، ومن المتوقع أن يباشر المركز عمله خلال الأشهر الـ 6 المقبلة. كما أخذنا وعداً من وزير العمل البنغلادشي بحصر استقدام العمالة في لبنان والأردن بهذا المركز، بحيث لا يمكن لأي عاملة بنغلادشية أن تدخل الى لبنان والأردن من دون أن تمر على المركز». ويضيف برجي إنه «لا يمكن للمركز إرسال أي عاملة الى لبنان ما لم يكن المكتب الذي يستقدمها منتسباً للنقابة. نحن نحاول أن نطوّر ونحسّن لأننا يئسنا من الجهات الرسمية والمنظمات الدولية». لا علم لوزارة العمل إطلاقاً بما يتكلّم عنه برجي، إذ يؤكد المصدر أنّ «هذا الاتفاق يجب أن يحدث بين وزارتي العمل اللبنانية والبنغلادشية وليس عبر النقابة»، لافتاً الى اتفاقية اكتملت بين الدولتين تتعلق بكيفية استقدام العاملات وشروط العمل سيعلن عنها قريباً.
وحاول البرجي أن يبرّئ النقابة من حوادث موت العاملات، معلناً أن العاملة التي وُجدت مذبوحة في طرابلس استقدمها مكتب غير مرخص، إلا أن المصدر أكّد أن «المخالفات التي ضُبطت في الأشهر الأخيرة كانت جميعها عبر مكاتب مرخصة».