سجال المحارق: أين نذهب بالرماد؟

  • 0

يحتدم النقاش مؤخراً حول اعتماد المحارق كحل لأزمة النفايات التي استفحلت في 17 تموز 2015. هذا النقاش يفتقر إلى الكثير من المعطيات العلمية التي لم يوضحها أحد بشكل مبسط وواضح؛ هذه المعطيات لا بد من عرضها.


لنبدأ بالمقارنة بين المحرقة الكلاسيكية وبين المحارق التي تعتمد تقنية التفكك الحراري، في الأولى يتم حرق النفايات مباشرة في غرفة نار، بينما في الثانية تكون غرفة النار عبارة عن غرفتين واحدة ضمن الأخرى يتم إدخال النفايات إلى الغرفة الداخلية ويتم إشعال النار في الغرفة الخارجية (هذا هو المبدأ العام، قد تختلف التقنيات بحسب المُصمم) فتعلو الحرارة جداً في الغرفة الداخلية وبفعلها «تتفكك» المواد الموجودة وتتحول إلى غاز يمكن الاستفادة من شق منه لإشعال النار في الغرفة الخارجية. ولكن قسماً لا بأس به يتطاير من خلال داخون يجب أن يكون مجهزاً بفيلتر متطور لضبط أكبر كمية ممكنة من الانبعاثات الغازية الضارة. وهناك ما لا يقل عن 30 بالمئة من المواد «المفككة» التي تبقى في أسفل غرفة التفكك كرماد. هذا الرماد سام جداً ويجب التعامل معه على أنه نفايات خطرة (عودة إلى هذه النقطة لاحقاً).
إن تقنية التفكك الحراري هي عالية الكلفة من حيث كلفة المصنع وكلفة التشغيل، أي لن تكون كلفة حرق طن النفايات بتقنية التفكك الحراري أقل من مئة دولار أميركي للطن الواحد أضف إليه كلفة إدارة الرماد والفلاتر التي يجب تغييرها كل ثلاثة إلى ستة أشهر حسب نوعية النفايات التي يتم تفكيكها. ماذا يفعل من سبقنا بتقنيات الحرق والتفكك؟ في ميونخ مثلاً، يفرض القانون على القيمين على المحرقة تعبئة الرماد والفلاتر التي يتم تغييرها في مستوعبات من الباطون يُحكم إقفالها ويتم إنزالها إلى مناجم الملح حوالى 700 متر تحت الأرض ليتم حفظها هناك بعيداً عن الناس. اللافت أن القيمين هناك يقولون إنه لا يجوز مزج هذا الرماد مع الأسفلت للاستعمال في تعبيد الطرقات أو مع الأسمنت للاستعمال في البناء، «إلّا إذا أردنا تمديد السموم على أكبر مساحة ممكنة». كذلك، في هولندا، حيث يُمنع حفر المناجم، يقوم المسؤولون في مدينة ALKMAAR بالتخلّص من الرماد والفلاتر المنتهية الصلاحية عبر تعبئتها في مستوعبات محمكة الإقفال ويتم شحنها بالقطار لتُدفن في مناجم ألمانيا مقابل رسم يُدفع للألمان! الانطلاق من هذين النموذجين يُعد أساسياً للتساؤل حول آلية «تصريف» الرماد السام والفلاتر المنتهية الصلاحية، وما هي كلفة «إيوائها»؟
وإذا كان موضوع إدارة المحارق الكبيرة التي تتبع التفكك الحراري بهذا التعقيد والخطورة فكم بالأحرى بالمحارق الصغيرة التي يخطط لزرعها في أكبر عدد ممكن من القرى وهي محارق متعارف عليها علمياً وتقنياً بأنها لا تتحلى بمستوى عال من الفلترة للغازات المنبعثة... علماً أنه لا يوجد في لبنان ولا مختبر واحد قادر على قياس مستوى غازات الديوكسين المنبعثة جراء حرق بلاستيك الـ PVC الذي صار موجوداً بكثرة في نفاياتنا. الجدير ذكره أن الكلفة المبدأية التقديرية لتجهيز المختبر البيئي في الجامعة الأميركية بتقنيات فحص الديوكسين لا تقل عن مليوني دولار أميركي. وبالتالي، إنه من الخطر الداهم اعتماد محارق صغيرة في ظل عدم القدرة على قياس انبعاثات قد تكون مسرطنة.


لن تكون كلفة حرق طن النفايات أقل من مئة دولار للطن الواحد


وبالتالي، فإن خيار المحارق المطروح حالياً سيحتّم كلفة عالية من دون أي استرجاع للقيمة، إذ إن الحديث عن توليد الطاقة من نفايات كنفايات لبنان (فيها ما لا يقل عن 65% مواد عضوية غنية جداً بالمياه) هو غير مدروس. ومن يدعو له، يجب أن يعي أن كل محارق أوروبا وأميركا تلجأ إلى فصل المواد العضوية عن مجمل النفايات، ذلك أن هذه المواد بحاجة إلى طاقة لتحترق ولن تعطي أي قيمة حرارية لعملية الحرق. وخيار الفصل هذا هو بالمبدأ خيار بيئي واقتصادي بدأت كبرى مدن العالم باعتماده، وهو مبدأ الفرز وإعادة التصنيع. وقد وضعت مدن متل سان فرنسيسكو (وهي مدينة أكبر بقليل من مدينة بيروت) هدف الوصول إلى مبدأ صفر نفايات بحلول عام 2020.
وما لا يعرفه كثيرون أن البنية الصناعية التحتية موجودة الآن في لبنان. هذه البنية تعمل منذ سنين على «تحويل» أكبر كمية ممكنة من النفايات المفروزة إلى مواد تُستخدم في الاستعمال المحلي كالورق والكرتون، فضلاً عن ما يُصدّر إلى الخارج، وهي الألياف المؤلفة من تحويل مادة الـPET المستعملة في عبوات المياه والكولا.
كذلك، هناك مئات المصانع الصغيرة التي تحوّل أنواعاً أخرى من البلاستيك إلى أقفاص للخضار تستعمل في التبادل الزراعي وفي تصدير المنتوجات اللبنانية إلى الخارج. من هنا، يجب على صناع القرار العمل على تكبير وتفعيل هذه الصناعات، فيتم خلق وظائف أكثر وزيادة الإنتاج المحلي جراء العملية الصناعية لتحويل هذه المواد بدل حرقها.
وأيضاً ما لا يعرفه كثيرون أن مصرف لبنان وضع تعميماً بتمويل المشاريع ذات الطابع البيئي «GREEN» بقروض طويلة الأمد بفوائد متدنية جداً وكل مشاريع لها علاقة بموضوع معالجة أو إعادة تدوير النفايات هي قابلة للتمويل ضمن هذا التعميم. مثلاً خسر لبنان مؤخراً آخر معمل لصناعة الزجاج SOLIVER وكان هذا المصنع يلبّي حاجة 40% من الصناعات الغذائية اللبنانية التي ستضطر الآن إلى استيراد عبواتها الزجاجية، وكان في الوقت نفسه يستوعب كل الزجاج الشفاف المفروز من النفايات ويعيد تصنيعه ويحقق وفر 30% من الطاقة المستهلكة في تصنيع زجاج جديد. إن لبنان اليوم بحاجة إلى ثلاثة مصانع لتصنيع الزجاج لتكفي الإنتاج الغذائي المحلي وهذه المصانع كلها يمكنها الاستفادة من تعميم مصرف لبنان.

* مهندس بيئي متخصص في تقنيات معالجة النفايات الصلبة

0 تعليق

التعليقات