عذّب وزير البيئة طارق الخطيب نفسه بالصعود الى منطقة نيو سهيلة، امس، اثر ورود شكوى الى الوزارة عن حرق نفايات وردميات. فهو، على ما يبدو، لم يجد شيئاً يذكر(!) بحسب الخبر والصورة اللذين وزّعهما مكتبه الاعلامي. اذا لم يشر الخبر الى ما عُثر عليه في الموقع. ولم يظهر في الصورة إلا القليل من الرماد من مصادر نباتية على ما يبدو، يوجد مثلها الكثير في مثل هذه الأيام (موسم التشحيل) في معظم المناطق الزراعية.


ليست المرة الاولى التي يزور فيها الوزير مواقع بناء على شكاوى، بحسب ما يُعلن. لكن علامات استفهام تُطرح حول ما إذا كانت زياراته هذه محصورة بمواقع معيّنة. فالتيقّن من اهتمامه بمثل هذه الشكاوى وبمتابعتها بفاعلية، يعني أن المئات منها ستصله يومياً. ويعني، تالياً، أن معاليه سيجول البلاد، طولها وعرضها، لملاحقة هذه الشكاوى، وإلا كان غير عادل، أو صاحب غرض معين!
على أي حال، لم يشأ الوزير أن يعود وسلته فارغة. فاستفاد من المناسبة للإعلان عن موافقة مجلس الوزراء على تكليف مجلس الانماء والاعمار بإعادة تأهيل المكبات، بكلفة اولية تقدر بـ 20 مليون دولار، على أن يبدأ العمل في جبل لبنان.
وبالمناسبة، ايضاً، توقعت مصادر بيئية مطلعة أن تذهب الـ20 مليوناً هدراً. إذ لم تأت هذه الخطة، بعد وضع استراتيجية لمعالجة كل انواع النفايات، المنزلية وغير المنزلية، الصناعية والطبية... اضافة الى الردميات. علماً أن السياسة المستدامة للإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة التي وضعتها وزارة البيئة، ووافق عليها مجلس الوزراء في قراره الرقم 45 بتاريخ 11/1/2018، ليست استراتيجية، بدليل أن الفقرة السادسة منها، توضح ان الوزارة ستعدّ الاستراتيجية فور إقرار هذه السياسة!
ليست المشكلة فقط أن الوزارة (والحكومة ضمناً) تعمل وتصرف من استراتيجية، كأنها تصرف من دون موازنة، ولا المشكلة انها أقرت سياسات قبل أن تقر الاستراتيجية. بل بكونها اختارت منطقة للبدء بمعالجة مكباتها، قبل أن تضع الخطة المتكاملة لمعالجة كل انواع نفاياتها، بشكل منتظم ومتكامل ومستدام. لا بل أن المنطقة (جبل لبنان) التي اختيرت، بداية، هي الأضعف بين غيرها من ناحية الجاهزية!
تنص المادة 2 ــــ 2 من ملخص السياسة المستدامة الذي اشرنا اليه، على ان وزارة البيئة ستتواصل مع البلديات، استنادا الى المخطط التوجيهي لتأهيل المكبات (راجع «الاخبار» في 23/2/2018)، للبدء في تنفيذ هذا المخطط «تزامناً مع إنشاء مراكز المعالجة والتخلص النهائي الجديدة». فأين هي مراكز التخلص النهائية (أي المطامر) في جبل لبنان؟
كان يمكن لهذه الفقرة أن تكون منطقية ومفهومة، لو لم يتم شطب البند الأخير من الجانب الاجرائي في ملخص السياسة، في جلسة مجلس الوزراء في 11/1/2018، والذي كان ينص على «استحداث مطامر صحية للعوادم في محافظة جبل لبنان وبيروت… في مواقع تقترحها اتحادات البلديات…». أي أن تكون هناك مطامر لما يتبقى من المعالجات التي ستقوم بها البلديات بعد إنشاء معامل، كمكان للتخلص النهائي من العوادم أو المتبقيات. بعد شطب هذا البند، وبعد تقرير مجلس الانماء والاعمار الذي يؤكد أن مطمر برج حمود بلغ قدرته الاستيعابية نهاية 2017، وان القدرة الاستيعابية في مطمر الجديدة (zone d) تنتهي اول آذار 2019… كيف يمكن تفسير موافقة مجلس الوزراء على صرف 20 مليون دولار لإعادة تأهيل مكبّات، قبل التأكد من أن الازمة لن تعود، ولن نعود الى المكبات؟!
اما إذا كان الأمر يندرج في إطار «الصرف الانتخابي» من المال العام (كفالات المقالع والكسارات في وزارة البيئة المخصصة لاعادة تأهيل مواقع المقالع المشوهة للبيئة)، فهكذا نكون أمام هدر للمال العام وللبيئة معاً. وهذه فضيحة اخرى، نعود اليها لاحقاً.