في الطريق إلى داخل الجديدة، من جهة نهر الموت، تستقبلك حديقة «إيليون جبارة». إن سألت السكان عن هويّته ستسمع أنه «الابن المتوفى لرئيس البلدية». امتطى الطفل البريء طائراً في المجسّم الصخري الضخم. والده رئيس بلدية الجديدة ــــ البوشرية ــــ السد أنطوان جبارة تربّع على عرش البلدية لعدة دورات متتالية. تفسيرٌ «منطقي» لإقامة حديقة باسم طفل في مكان عام.


الفاصل «الظاهر» بين نيو جديدة والبوشرية هو «ساعة الجديدة» الشهيرة: ساعة يوسف ابراهيم كنعان (والد النائب ابراهيم كنعان). هنا أيضاً شارع باسم اللواء خليل كنعان. في محيط الساعة التي تشكّل وسط المستديرة، يقع المبنى الضخم لبلدية الجديدة ــــ البوشرية ــــ السد بحيطانه الصفراء وزجاجه الذي يعكس زرقة السماء، وكذلك مبنى قائمقامية المتن، ومكتب حزب الكتائب في إقليم المتن، وسنتر عزام ومبنى السنترال. هكذا يتحدّد وسط المنطقة بكلّ تناقضاته.

خيم البازار

زُرعت حديثاً لافتة عند المحوّل تحت جسر نهر الموت تدعوك إلى زيارة «أسواق نيو جديدة». ربما كانت اللافتة الضخمة من لوازم البازار الذي نظّمه تجار نيو جديدة للمرة الأولى هذا العام خلال شهر شباط (الماضي) وافترشت خِيمه الرصيف على جانبي الشارع التجاري وأمام المحلات «الكْلاس» كما يصنّفها السكّان. خُفِّضت الأسعار مقارنة ببقية أيام السنة في سوق نيو جديدة، فتراوحت بين عشرة آلاف ليرة وأربعين ألفاً كحد أقصى للقطعة الواحدة. التفاوت «الطبقي» بين سوق نيو جديدة وباقي الأسواق التابعة للبلدية نفسها، مثل سوق البوشرية، أمر معروف للزائر والمقيم. توجد محلات للألبسة، للأحذية، للأزهار، للهواتف، للأقراص المدمجة... وكما في كلّ عام لم تبارح زينة الميلاد مكانها بعد انقضاء الأعياد. الزينة بدورها محطّ اختلاف بين السوقَين «الزينة من الباب الأول لنيو جديدة وعنا الفضلة» يقول أحد المقيمين في البوشرية.


في الروضة والسبتية
تغيب «عناية» المجلس البلدي وحتى «الزينة» مختلفة

تشكو سالي من منافسة محلات «الستوكات والماركات الأجنبية». سالي التي تملك محلاً لبيع الألبسة في نيو جديدة تقسم الأسواق إلى فئات: فئة أولى مثل الكسليك والداون تاون، وفئة ثانية مثل الزلقا وجل الديب، وثالثة مثل نيو جديدة، ورابعة وخامسة مثل البوشرية والسد. الأخيران في آخر سلّم التصنيفات لدى الجميع. تعزو مالكة المحل الفوارق في أسعار السلع إلى التفاوت في الإيجارات الذي يصل إلى «30 بالمئة بين الجديدة ونيو جديدة». مثل باقي المحلات، نصبت سالي خيمة للبازار الذي «يجذب الناس». تعرض «ستوكات الموسم حيث تباع بسعر الكلفة أو أقل».

التجّار: كل شي تغيّر

اعتاد العم جورج أن يفتتح كل صباح محله لبيع الحقائب النسائية في نيو جديدة، بالرغم من أن الزبائن قلائل كما يقول. «قد يدخل زبون أو اثنان للفرجة»، والسبب برأيه هو «أزمات السياسيين» التي تؤثر على حركة السوق. يعتبر الرجل الستّيني، الذي تهجّر إلى المنطقة، أنه «ابن المنطقة» لكنه حتى اليوم لا يستطيع التفريق بين مفاصلها «صرلي 40 سنة وما بعرف فرّق بينها».
تعمل لارا في محل للعطورات ومواد التجميل في نيو جديدة. زبائنها، كما تقول، «من الباحثين عن الأسعار الوسط». أما الجديدة والبوشرية «فشعبيّة أكثر». المحلّ للزبائن «الوسط والهاي مع أنهم يتضاءلون» هكذا ترتّب زبائنها. توزّعهم على طبقات بحسب العطور التي يبتاعونها. ثمة أسباب لتراجع «نوعيّة» الزبائن. السبب هو «أن السيدة اللبنانية أصبحت توفّر في حاجيّات لتصرف على أشياء أخرى، مثل السيارات والسَفر. السيدات تشترين المواد التي نبيعها من السوق الحرة».
يملك بسام محلاً للأدوات المنزلية في البوشرية، افتتحه والده قبل 50 سنة. بمعرفة الخبير بالسوق يقول: «كل عمره سوق البوشرية شعبي، أما النيو جديدة معتبرين حالن كلاس». بحسب صاحب المحل، فإن سوق البوشرية «يعود إلى الخمسينيات والستينيات فيما استحدث سوق النيو جديدة قبل 20 أو 25 عاماً». يتفق التجار في ما بينهم على توحيد الأسعار وعدم المسايرة. «المزاحمة السورية» أمر آخر يشكو منه أصحاب المحال، خصوصاً محلات الـ«وان دولار» التي «تضرب السوق من ثم تقفل بعد أشهر على افتتاحها» يقول بسام، مضيفاً «وجود النازحين العراقيين والسوريين أمر آخر ساهم في تغيّر نوعية المحلات وفقاً لذوق الزبون وما يطلبه من نوعية». النزوحان السوري والعراقي استجدّا قبل سنوات على المنطقة.

موضة «النيو»

يطالب السكان والتجار في البوشرية ــــ السدّ بالمساواة مع الشارع التجاري في نيو جديدة «لأننا ندفع الرسوم البلديّة نفسها». هم اليوم يحاولون، أسوة بجيرانهم، إعادة تفعيل لجنة تجمعهم كتجّار «لتكون لسان حالنا أمام البلدية». لم يشعر التجّار هنا بأثر كبير للمولات على سوقهم «زبائن المول من غير طبقة زبائننا، أما محلات الـoutlet فقد أثّرت بشكل كبير لأن فيها ماركات بأسعار متدنّية».
السيارات تملأ الشوارع وتزدحم على جانبيها. الأسباب عدة، منها غياب المواقف العامة والتصميم القديم للأبنية الذي يجعلها بلا مواقف. يطالب السكان بعدادت للوقوف بجانبي الطريق كي لا تتضرّر مصالحهم من الوقوف الطويل للسيارات الآتية من خارج المنطقة. يؤكد ماهر، وهو من سكان البوشرية، أن «النيو» تسمية درجت في أوائل الثمانينيات. وهذا ينسحب على «نيو روضة».
في ذلك الحين، يتذكّر: «أتَوا ليطلقوا اسم نيو على المنطقة، من هنا من سنتر عزام، لكن والدي الذي يملك السنتر الشهير رفض». وشهرة السنتر تعود، بحسب ماهر، «إلى أنه كان يضم الكثير من المحلات الشهيرة منها أول محل أدخل الجينز إلى لبنان، ومحلاً راقياً للملابس كان يبيع بنحو 30 ألف ليرة في اليوم».

أضخم بلديّات المتن

مما لا شكّ فيه أن المنطقة الواقعة في نطاق بلدية الجديدة ـــ البوشرية ــــ السدّ ضخمة، وهي تعتبر مركزاً لقضاء المتن الشمالي والمدخل الشمالي لمدينة بيروت، وتضمّ نحو 48 ألف مسكن و4 مدن صناعية ومعامل عديدة بعضها أقفل مثل معمل العسيلي للنسيج «الذي كان يشغّل سكان المنطقة» ولا يزال أحد الشوارع يحمل اسمه. التفاوت في «خدمة» البلدية للبلدات الواقعة ضمن نطاقها لا يقتصر على البوشرية والجديدة. الروضة ونيو روضة والسبتية تابعة عقارياً للبوشرية، لكنّها تقع ضمن نطاق بلدية الجديدة ـــ البوشرية ـــ السد. هناك في الروضة والسبتية تغيب «عناية» المجلس البلدي المؤلف من 21 عضواً (بينهم تسعة أعضاء للبوشرية وسبعة لسدّ البوشرية): لا شرطة، لا رفع للنفايات ولا كنس للطرقات، حتى «الزينة» مختلفة.
يؤكّد مختار البوشرية شربل خوري أن البوشرية هي الأكبر عقارياً إذ تبدأ عقاراتها من سوق السمك وصولاً من جهة البحر إلى «السيتي مول» ونهر الموت. يرسم المختار خريطة المنطقة على ورقة أمامه. وبحسب الخريطة فإن سوق نيو جديدة يفصل عقارياً بين البوشرية التي تقع لجهة البحر والجديدة لجهة الحكمة. تتسع حدود البوشرية لتصل إلى حيّ المدور حيث كلية العلوم التي تعدّ أول عقار في الفنار، وتتصل بحدود الروضة والسبتية و«مجمّع إميل لحود الرياضي» الذي يشكّل أول عقار في الدكوانة-مار روكز، كما تضمّ المدينة الصناعية حتى جسر الأشرفية، وشارع مار يوسف-الدورة. فيما تضم الجديدة الأحياء التالية: العمّارية، الرويسات، الحكمة، اليزبكية، الوادي الصناعي، حي الأنوار، شاليه سويس ونيو جديدة.




«ساعة كنعان»


تعود الساعة الشهيرة وسط الجديدة لملك يوسف كنعان، والد النائب ابراهيم كنعان، الذي شيّدها ووهبها للبلدية كما يقول أحد موظّفي البلدية. الساعة القائمة كبرج وسط المستديرة تفصل بين الجديدة والبوشرية ونيو جديدة. تتقدّم عقاربها على التوقيت المحلي في بيروت. لكنها أيضاً تضم ساعات صغيرة بتوقيت مدن عالمية، هي نيويورك ولندن وطوكيو، قد لا يلاحظها العابرون بسيّاراتهم. أما الدخول إلى برجها والصعود إليه ليس متاحاً للعامة إلا بطلب من «صاحب المفاتيح».





أسعار العقارات: «بتفرُق على شارع»


تتفاوت أسعار العقارات بين المناطق الواقعة تحت حكم بلدية الجديدة- البوشرية- السد، تماماً مثل اختلاف أسعار السلع وتفاوت نوعيّة الخدمات. في الجديدة يرتفع سعر متر الأرض ليبلغ «ألفي دولار للمتر المربع الواحد» يؤكد المختار شربل خوري، بينما «تهبط الأسعار في البوشرية والسد وتختلف بحسب الشارع وتتراوح بين 1500 و1800 دولار كحدّ أقصى».