تُشغّل زينب الراديو على إذاعة «البشائر»، إنها الساعة السابعة صباحاً بتوقيت حارة حريك.

تقول إنها تنتظر على هذه الإذاعة يومياً في هذا التوقيت ــــ أو ما يقاربه ــــ الشذرات العرفانية والأناشيد الوجدانية ومقتطفات من خطب السيد محمد حسين فضل الله. ترتاح لهذه العادة، لتصير جزءاً من صباحاتها المتكررة. الراديو «الرّفيق»، تُسمّيه. يبدأ نهارها بعد إتمامها لصلاة الصّبح.

تدخل إلى المطبخ وتُحضّر قهوتها الشقراء مع الهال. تحمل الصينيّة الصغيرة وتومئ برأسها لنتبعها إلى غرفة الجلوس. كانت تعيش قبل زواجها في منطقة زقاق البلاط في بيروت، انتقلت للعيش في حارة حريك في الضاحية الجنوبية لبيروت بعد زواجها منذ عشرين عاماً. صار بيتها قريباً من مسجد الحسنين التابع للسيد محمد حسين فضل الله.
تحكي عن خصوصية هذا القرب، بعدما صارت زيارة المسجد عادة أخرى ضمن برنامجها اليوميّ. بعد انتقالها إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، بقيت وقتاً طويلاً حتى اعتادت المكان. وما كان يُشعرها بالإلفة وكسر «غربتها»، كما كانت تسمّيها، هو صوت القرآن المنبعث من مكبرات الصوت في الجامع، والوفود التي كانت تقصده في أوقات الصلاة. جرّبت مرة أن تنزل، كان يوم الجمعة، وكما العادة كان السيد فضل الله يؤمّ الصلاة. جلست في الخلف وصلّت. شيء ما جذّر انتماءها إلى المكان الذي صارت تسمّيه مع الوقت بيتاً. صارت تُنهي الطبخة في الصباح لتقصد المسجد وقت الظهر وتعود إلى البيت. تعرّفت على نساء كثر في المسجد وفي المحاضرات، صارت تزورهن، حتى قررت معهنّ تأسيس جمعية تُعنى بالتثقيف الديني. تقول إن الضاحية بيئة حاضنة لهذه النشاطات، وكان لوجود مسجد الحسنين في هذا المكان خصوصية معينة، وهي أنه المُحفز الروحي لأي نشاط ديني، وخصوصاً للنساء، وذلك لما عبّأته المحاضرات في أنفسهن من قدرة على التغيير والإنجاز، بحسب رأيها.
تختلف حياة إيمان عن زينب. الامرأتان تعيشان في البيئة نفسها، غير أن نظرتهما إلى المكان تختلف. إيمان تعمل معلّمة لغة عربية في إحدى مدارس الضاحية. لا تقصد النشاطات الدينية أو الجامع إلا نادراً. الضاحية بالنسبة لإيمان هي «المكان المختبئ عن بيروت الفاضحة».

لماذا؟

«لأن عدداً كبيراً من النساء في الضاحية يذيّلن أسباب عيشهنّ في الضاحية بالأمان»، والأخير لا علاقة له بالأمن المعيشي إنما بالعزلة عن «الغرباء». تلتقي إيمان مع زينب في فكرة أن الجامع أوقات الصلاة وفي كل ليلة خميس هو مكان حاضن، ويمتد هذا الاكتفاء الروحي إلى التعلق أكثر بهذا المكان، لكنها لا تعتبر ذلك كافياً. لأن الاكتفاء الإنساني برأيها لا تُكمّله الأمور الدينية بل الاختلاط بالتجارب الفكرية والعملية «الموجود في الضاحية أصلاً». ولكن مطلوب أيضاً تفعيله بين هذه المنطقة والخارج، على رغم بعض الصعوبات التي لا تزال تعيشها بعض النساء حين يقررن الخروج من الضاحية وصناعة نشاطات ثقافية في الخارج. صعوبات نفسية أكثر منها عملية.
لم تخرج ايمان من الضاحية إلا بعد انتهاء المدرسة، بعدما صارت في الجامعة. كانت جامعتها في منطقة الأونيسكو، صارت مع الوقت تحبّ الخروج مع الأصدقاء في أوقات الفراغ بين المحاضرات، لكنها لم تكن تعرف أسماء المناطق التي يمكن ــ برأيها ــ لفتاة محجبة أن تقصدها. تخاف ولا تعلم من ماذا. مع أن أحداً لم يمنعها من الخروج إلى بيروت، أو حتى إلى البحر. لكنها كانت حذرة جداً طوال الوقت. فلا يكاد ينتهي يومها حتى تعود إلى بيتها وتشعر بالارتياح. تقول إنها مع الوقت صارت تنتبه إلى أن الضاحية ليست خياراً. هو مكان يشبه كل مناطق بيروت، شبه الناس والعشرة. تحبّ في الضاحية أنها مثل القرية، يمكن للقاطن فيها أن يحفظ شوارعها كلها وأسماء الدكاكين. ولا تحبها لأنها «تشبه بعضها بعضاً»، التناقضات فيها قليلة وفردية. كثيرون نصحوها أن تختار مدرسة تشتغل فيها خارج الضاحية، لكنها رفضت. تقول إن أمها لا «تؤمّن». ووالدة إيمان قارئة عزاء وخروجها من الضاحية نادر جداً، لهذا كانت ستبقى قلقة طوال الوقت إن عملت في الخارج، خصوصاً أن والدتها لا تزال تتحدث عن بيروتين، «شرقية» و«غربية»، من دون أن تنتبه، وهذا خوف دفين ممتد منذ أيام الحرب الأهلية.
تستغرب مريم الطرح كلّه. تقول إن الحديث عن النساء في الضاحية فكرة ذكورية. لأنه برأيها، لم يُرسّخ هذا الطرح سوى الفكرة النمطية عن أن «منع» النساء من الخروج من الضاحية أو حتى ممارسة حياتهن العادية فيها هي بسبب الرجل الذي يمنع ويسمح... «وأنا لا أنكر وجود مثل هذه النماذج»، التي ترى في الضاحية الجوّ الديني الأنسب لعائلاتها، وبالتالي تمنع نساءها من الاختلاط مع الخارج بمفردهن. هذا موضوع شائك، يتعلق بشخصية المرأة من الأساس وكيف تتلقف هذا المنع، وبين الحرية الفردية في هذه البيوت. ولكن في المجمل، تعتبر مريم أن حياة النساء في الضاحية لا تختلف عن حياة غيرهنّ في الخارج.
المنطقة المغلقة على نفسها نوعاً ما، تتيح لبعض النساء أن يبتكرن الخروج، والأخير ليس محصوراً بالمكان إنما بالداخل أيضاً. تعمل مريم في الإدارة، ولديها موهبة الرسم. تقول إنها تستمتع بإقامة النشاطات الثقافية في الضاحية وزيارة من يقطنون في الخارج لها. والسبب هو «متلازمة الدهشة الدائمة من قبل البعض منهم، خصوصاً تجاه النساء، أن لدينا فناً يتخطى أطراف بيروت».