يشهد لبنان حالة انتحار كل ثلاثة أيام، أي ما يقارب 150 حالة انتحار سنوياً بحسب إحصاءات قوى الأمن الداخلي. لا تشمل هذه الأرقام حالات الانتحار غير المسجّلة، أو «المكتومة»، لاعتبارات دينية واجتماعية. ويفتح الربط بين حالات الانتحار التي تظهر في الإعلام والحالات النفسية «غير المعالجة»، باب النقاش على مصراعيه حول الوعي العام تجاه العلاج النفسي وطبيعته وكلفته وقوننته كقطاع يشهد طلباً ملحوظاً ومتزايداً.

«واحد من كل أربعة أشخاص يختبر مشكلة نفسية في حياته»، بحسب جمعية «Embrace» لدعم ونشر الوعي حول الصحة النفسية في لبنان. وتشير إحصاءات قوى الأمن الداخلي إلى أن «حالة انتحار تقع كل ثلاثة أيام في لبنان»، والى أن أبرز دوافع الانتحار نفسية وعدم خضوع «الضحايا» لعلاج متخصص، بما يشير إلى تفاقم المعاناة النفسية للمرضى «بصمت» من دون الحصول على الدعم النفسي والاجتماعي والعائلي اللازم. مع الإشارة إلى أن أبرز الاضطرابات النفسيّة شيوعًا في لبنان هي الاكتئاب وأمراض التوتر والقلق.
في المقابل، يُسجّل إقبال متزايد على عيادات الطب والعلاج النفسي، وإن «بسريّة»، رغم مشاكل عديدة يعاني منها هذا القطاع في مقدمها الكلفة المرتفعة للعلاج وغياب القوننة. ووفق وزير الصحة في حكومة تصريف الأعمال غسان حاصباني «جرى الاتفاق أخيراً على لائحة شروط تخوّل المعالج النفسي مزاولة المهنة، وبدأ العمل على قانون ينظم مراكز العلاج النفسي». ما يعني أنّ لا شيء ملموسا لناحية «قوننة القطاع وضبطه» حتى الآن. وفي ما يتعلق بارتفاع كلفة العلاج في العيادات الخاصة قياساً بمدّته الطويلة حيث تتجاوز كلفة المعاينة الواحدة المئة وخمسين دولاراً، يشير حاصباني إلى «أن الوزارة تغطي الطب النفسي أي الاستشفاء، غير أن الخيارات محدودة بمراكز ومستشفيات معيّنة تابعة للوزارة». وهذه المراكز يقارب عددها الـ 200، وهي تتوزّع على كافة المناطق وتخضع لإشراف الوزارة وتضم عيادات للعلاج الطبي والنفسي مقابل تسعيرات رمزية. غير أن «ضبط تعرفة العيادات الخاصة ليس بمقدور الوزارة» بحسب حاصباني معتبراً أن «زيادة عدد العيادات ربما يحتّم مع الوقت انخفاض التعرفة».

«فوضى» العلاج
الازدهار في قطاع العيادات المتخصصة بالعلاج النفسي لقاء الطلب المتزايد على العلاج، فتح المجال أمام «الفوضى» في ظل غياب أي معايير ضابطة. «كل مين فاتح على حسابه» يقول أحد المعالجين النفسيين، لافتاً إلى ارتفاع عدد «الدخلاء» على المهنة «ممن يخضعون لدورات تنمية بشرية ثم يبدأون باستقبال المرضى النفسيين». ويتطرّق المعالج إلى الانبهار «ببعض الأسماء التي تظهر على شاشات التلفزة فيما أصحابها أقرب إلى التربويين والمرشدين الاجتماعيين وليسوا معالجين نفسيين، وبعضهم اكتفى بشهادة علم النفس من دون الحصول على إجازة مزاولة مهنة المعالج النفساني العيادي». وتتعدّى هذه الفوضى حدود الخطر حينما يلجأ «من لا يملك إجازة بمزاولة المهنة إلى وصف الأدوية لمرضاه». وهنا، بحسب الطبيب النفسي جوزيف الخوري، «يشكّل هذا الفعل انتحالاً لصفة الطبيب»، ويضيف «إذا لم يكن العلاج النفسي ملائماً وقام به شخص غير مؤهّل فإنّه يضر بالمريض ويفاقم حالته ويجعل علاجه صعباً».

تتعدّى الفوضى حدود الخطر عندما يلجأ من لا يملك إجازة بمزاولة المهنة إلى وصف أدوية لمرضاه


وإذ تظهر مشاكل القطاع على درجات، فإن المشكلة الأساسية تكمن في الفهم الخاطئ للمرض النفسي واعتبار المريض ضعيف الشخصية والإرادة. وفي هذا الصدد، يوضح رئيس الجمعية اللبنانية للطب النفسي الدكتور وديع نجا أن «أسوأ ما يُقال للمريض مثلاً: شد حيّلك أنت لا تشكو من شيء، بما يشعره بالذنب كأنه مسؤول عن الحالة التي وصل إليها وينفر من المجتمع الذي يحتاج إلى دعمه». يفسّر نجا المرض النفسي بأنه ناجم عن «خلل في كيمياء الدماغ وعندما نقبل بهذه الحقيقة نتقبّل العلاج». وترتبط هذه الأمراض بعاملي «الاستعداد الوراثي والعوامل البيئية المحفّزة»، نافياً ما يشاع عن أن الدواء «يشبه المخدّر الذي لا يمكن المريض العيش بدونه أو من دون جرعات زائدة منه». هذا الاعتقاد يشمل «بعض الأطباء» الذين يحذّرون المرضى من زيارة طبيب نفسي خوفاً من أن يصف لهم دواء «لا مجال للتخلّي عنه». ويشدّد نجا على أهمية حملات التوعية لتشمل حتى الأطباء. «هل يمكن اعتبار علاج الربو أو الضغط على المدى الطويل إدماناً؟»، يسأل، مشيراً إلى أن الأدوية المستخدمة في العلاج لها عوارض جانبيّة «مثل أي دواء آخر». ويطمئن إلى أن نسبة الشفاء ترتفع كلما كان العلاج مبكراً، خصوصاً أن «النسبة الأكبر من الأمراض النفسية يمكن معالجتها، البعض يشفى بالكامل، والبعض الآخر تتحسن حالته ويزاول حياته بشكل طبيعي مع تناول أدوية، ليس لأنه تعلّق بها ولكن لأنه في حاجة اليها».

لبنان «بيئة حاضنة»
كثيراً ما يجري استخدام أدوية مثل «الإكزاناكس» و«ليكسوتانيل» على سبيل المزاح وفي معرض النكات، وفي الأمر «إيجابية» بحسب الخوري. فالحديث عن أدوية الأعصاب «ولو عن طريق المزاح فيه جزء من التوعية ومن كسر حدّة الخوف من المرض النفسي»، وفي الحد من «استخدام كلمة الجنون التي لا قيمة طبية لها، بل تحمل أذى وتحطيماً معنوياً للمريض».
الحديث عن الأمراض النفسية في لبنان لا يمكن فصله عن واقع الحياة الرديء في غياب والضمانات الاجتماعية والاقتصادية وفي ظل التقلّبات السياسية، حيث «يعيش الفرد صراعاً بين طموحاته الشخصية والضغوطات من حوله مما يسبّب لديه توتراً وكآبة ووساوس وغيرها من الأمراض» وفق الخوري. في النتيجة يلجأ الكثيرون إلى «قتل الوقت» عبر تعاطي «المواد المخدّرة» (النرجيلة والتدخين والكحول والمخدرات)، الأمر الذي يحذّر منه المعالجون ويشدّدون على أهمية تفادي ظواهر «الإدمان» لأنها تصعّب العلاج. في النتيجة، العديد من حالات المرض النفسي «غير سريريّة» أي أن «عوارضها موجودة لدى الشخص لكنها لم تصل بعد إلى أن تصبح مرضاً» كما يؤكّد الخوري. ويتابع «لن نصل إلى مرحلة يختفي فيها المرض النفسي، لأنه لا يرتبط بالظروف الخارجية فقط، فهو مرض عضوي ويجب أن نتقبّله على هذا النحو». وإذ يرى أن معالجة المريض «هي معالجة لعائلته ومن حوله لأنهم أكثر من يعانون معه»، يشدّد على أن المرض النفسي مرتبط «بالدماغ الذي يشكّل لغزاً كبيراً للعلم أيضاً».



الكآبة أولاً
لا اختلاف في نِسَب الأمراض النفسية بين لبنان والخارج. بحسب الدكتور وديع نجا، يحتل مرض الكآبة المرتبة الأولى بين الأمراض النفسية على مستوى العالم، وقد أعلنت منظمة الصحة العالمية سنة 2017 «سنة الاكتئاب». وتأتي اضطرابات القلق Anxiety في المرتبة الثانية. أما نسبة مرضى الفصام ــــ السكيزوفرينيا عالمياً فهي واحد في المئة. تختلف طريقة ظهور المرض حسب البيئة وحسب الثقافة، وتعد الحروب والاضطرابات الاجتماعية من أبرز العوامل المحفزة لظهور الأمراض النفسية بصورة سريرية.


العصفورية
في الذاكرة، اقترنت الأمراض النفسية بـ «العصفورية»، أول مصح للأمراض العقلية في الشرق الأوسط، أنشئ مطلع القرن الماضي على يد الإرساليات الأميركيّة. وتعود تسميته بـ«العصفورية» نسبة إلى كثرة العصافير في الحديقة التي كانت تحيط بالمستشفى الذي استقبل على مرّ السنوات الحالات المزمنة، تحديداً منها مرضى الاضطرابات الذهانية التي ترادف «الجنون» في العرف العام. وهكذا صار أي مشفى للأمراض النفسية يحمل اسم «العصفورية»، وصار كل من لديه مرض نفسي «مجنوناً». الخشية من «وصمة الجنون» دفعت الكثير من المرضى وعائلاتهم إلى التكتم ورفض الاعتراف بالمرض وبالتالي عدم العلاج.