علّقت «تريش» حبل موتها بيدها. بتأنٍّ، لفّت الحبل حول رقبتها، واستسلمت لما يسمونه «قدراً» لعاملات المنازل المهاجرات. وعندما استراحت أنفاسها، حضرت القوى الأمنية لتباشر تحقيقاً، سينتهي عاجلاً أو آجلاً بالخلاصة التالية «انتحار خادمة». أما رب عملها فقد خرج بعد موتها، متحدثاً عن انتحارها «لأسباب شخصية كانت تعاني منها».

هكذا، انتهت قصة «تريش». تماماً، كما انتهت قصص أخرى لعاملات مهاجرات من بنغلادش والنيبال وإثيوبيا ومدغشقر... وربما كانت الفتاة النيبالية التي تحدثت أول من أمس ـــ في المؤتمر الذي أقامته منظمة «كفى عنف واستغلال» في ما يخص «تعزيز الحماية لعاملات المنازل المهاجرات من خلال مناقشة مسار عملية الهجرة من بلدان المنشأ إلى لبنان» ـــ لتكون إحدى المنتهيات بهذه الطريقة، لو لم تخرج من سجنها «بعد 3 سنوات، عشت فيها أسوأ أيام حياتي، حيث عندما كنت أقول بأنني مريضة ولا أستطيع القيام بهذا العمل، يحرق رب العمل يدي بالمكواة، إلى حين وصلت إلى يقين بأنني سأخرج ميتة أو بلا يدين». ولمن يريد أن يعرف أكثر عن أوضاع معظم عاملات المنازل المهاجرات، عليه زيارة مستشفى الأمراض العقلية، حيث تنقل أسبوعياً ما بين عاملتين وثلاث للعلاج من «الجنون». وغالباً ما يستند التشخيص إلى اعتقاد شائع لدى غالبية الأطباء النفسيين بأن «ذوي الأصول الأفريقية غالباً ما يصابون بأعراض ذهانية إثر الهجرة»، بحسب دراسة للطبيبة النفسية هلا كرباج. خلاصة مقززة لنظامٍ عرفي لاقانوني اسمه «نظام الكفالة». هذا الذي يعطي رب العمل الحق «بتملك العاملة». هذا النظام الذي تنتج منه «وفيّة كل أسبوع»، بحسب إحصاء أجرته منظمة هيومن رايتس ووتش العام الماضي عن معدل الوفيات «لأسباب غير طبيعية» بين عاملات المنازل المهاجرات في لبنان، بما في ذلك الانتحار والسقوط من طبقات عليا. هل سأل أحدكم عن سبب هذا الموت الكثير؟ هل فكرتم للحظة بأن هؤلاء ـــ ذوات الأصول الأفريقية ـــ يمتن بسبب سوء المعاملة، وليس لأنهن ميّالات إلى هذا «الموت»؟ هل سألتم عن نظام الكفالة الذي يملك بموجبه صاحب العمل إنساناً له حقوق، كما عليه واجبات؟ وكيف انسلّ هذا النظام إلينا؟ وكيف صار العرف قانوناً يعمل به؟
على المستوى الأول، مسؤولية هذا الموت تقع على عاتق نظام بأكمله، يبدأ من خداع الوسطاء في بلد المنشأ ويمتد إلى البلد المضيف. فما بين المنشأ ولبنان، عقد عملٍ تنتهي فيه الحقوق البديهية للعاملات الآتيات لكسب لقمة العيش ويثقل كاهل العاملة بديون قد لا تقوى على سدادها أبداً. وقد لا تعرف بفقدانها، وخصوصاً في ظل «توقيعها على عقدٍ مكتوب باللغة العربية». وبحسب الدراسة التي تقوم بها منظمة «كفى»، بالتعاون مع المفكرة القانونية حول الممارسات الخادعة والاستغلال الذي تتعرض له العاملات المهاجرات خلال الاستقدام، فإن «60% ممن وقّعن عقود عملٍ في لبنان لا يفهمن ماهيّة هذا العقود ولا ماذا تتضمّن». من هنا، يبدأ «الخداع على أساس طبيعة العمل»، وما يستتبع ذلك من حقوق ستصير بعد التوقيع في خبر كان، منها ساعات الدوام والحق بالإجازة الأسبوعية والحق بالخصوصية وقيمة الراتب المتفق عليه والحق بالاحتفاظ بأوراقها الثبوتية. لكن، ماذا لو عرفت العاملة بكل هذا قبل أن تأتي؟ «لكان ما حدا بيهاجر علبنان»، حسب ما يقول أحد مديري مكاتب الاستقدام. تلك المكاتب ـــ السمسرة التي تنشط كالفطر هنا. وبحسب وزير العمل، سليم جريصاتي، فلا وجود لإحصاء نهائي لتلك المكاتب «الكل عنده مكاتب، حتى السياسيون عندهم مكاتب. وما نقوم به نحن أننا نقفل مكتباً أو مكتبين يومياً».
هذا ما تقوم به وزارة العمل على الصعيد العملي. أما على الصعيد القانوني، فالوزير فرح بإنجازه «مشروع قانون خاص بالعاملات المنزليات هو الآن في الأمانة العامة في مجلس الوزراء، ويفترض أن يلغي من طيّاته نظام الكفالة ويعطي للعاملة حرية التمتع بأوراقها الثبوتية وإجازتها السنوية، إضافة إلى أنه يقضي على عرف التنازل بحيث تصبح العاملة حرة من صاحب/ة عملها بعد مرور ثلاث سنوات على عقد عملها، بحيث لها الخيار إما بالعودة الى بلدها الأم، وإما البقاء في لبنان والتعاقد مع صاحب/ة عمل جديد/ة، على أن يصدر لهذه الغاية ما يسمى تأشيرة مجاملة». ولكن، هل المطلوب قانون منفصل؟ لماذا لا يتم العمل على إدماج هؤلاء في قانون العمل اللبناني؟ برأي الوزير «لا يمكن ذلك، فما يطبق على اللبناني في ميدان العمل العام، لا يمكن تطبيقه على خصوصية العاملة في الخدمة المنزلية، إن كان على صعيد الراتب أو الإيواء...». هذا ما يقوله. وهو رأي بطبيعة الحال. لكن، من قال إن هناك مصطلحاً منفصلاً اسمه خدمة منزلية؟ «ليس هناك كيان ينشأ منفصلاً، فليس هناك عامل أجنبي وآخر غير أجنبي، وليس هناك خدمة منزلية وخدمة غير منزلية، هناك عمال وهناك قانون عام»، بحسب الوزير السابق شربل نحاس. وعلى هذا الأساس، يفترض العمل على قانون العمل اللبناني كي يصبح قانوناً موائماً لحقوق الإنسان. كي يضم فئات همّشت بلا سبب. تهميش هذه الفئات «كاستثناء العاملات في الخدمة المنزلية من أحكام المادة 7 من قانون العمل، خلقت قصة العقود الخاصة ونظام الكفالة»، بحسب المحامية موهانا إسحاق التي تطرقت إلى الحديث عن نقص الحماية لعاملات المنازل. وأيضاً، بما أن المادة 4 من المرسوم رقم 17561/1964 الذي ينظم عمل الأجانب في لبنان توجب أن يتضمن طلب الموافقة المسبقة تحديد اسم صاحب العمل الذي يرغب الأجنبي في العمل عنده، مع وجوب أن يذكر هذا الاسم على بطاقة الإقامة وإجازة العمل، صار التعميم واقعاً، حيث صار ملاصقاً لكل أجنبي آتٍ إلينا. ومع الوقت ومع ازدياد أعداد العاملات المهاجرات، بدأت تتشكل شيئاً فشيئاً هوية «الكفيل»، الذي نال صلاحيات ليس أقلها «حجز حرية العاملة من خلال حجز أوراقها الثبوتية». ولتوضيح فكرة الكفيل أكثر، من المفيد أن يعرف الكثيرون أنه «استنسخ خلسة من نظام الكفالة الذي كان معمولاً به في دول الخليج، وقد طبق في لبنان من خلال الربط بين أمرين: علاقة العمل بين العاملة ورب العمل وعلاقة أخرى مبنية على أن صاحب العمل مسلّفها مبلغاً يشمل مجموع الأكلاف التي دفعها مقابل عملها لديه. ولكي يتأمن تنفيذ هاتين العلاقتين معاً، استعين بالأمن العام ليكون هو ضامن الدين الذي سجله صاحب العمل على هذا الشخص العامل لديه»، بحسب نحاس. وهي عملية تشبه تماماً «الرهنية». هذه الرهنية التي تعطي صاحب العمل «الملكية» الكاملة لإنسانية العاملة. وفي دراسة كفى التي شملت عينة مركزة من 200 عاملة منزلية، سنتعرف أكثر إلى نتائج تلك «الكفالة». سنعرف مثلاً أن 96% من العاملات المنزليات يحتفظ أصحاب العمل بأوراقهن و90% لا يستطعن الخروج بمفردهن، وإن خرجن بعد عام ربما «فلرمي النفايات» وأكثر من 50% يحبسن في البيوت بغياب أصحابها و43% يتواصلن مع عائلتهن مرة في الشهر و62% منهن ينمن في المطبخ و11% ينمن في غرفة الغسيل أو الحمام و32% منهن لم ينلن الطعام الكافي، و77% ممن تركن العمل بسبب العنف الجسدي والجنسي في غالب الأحيان. وبعيداً عن تلك النسب المئوية، يمكن الحديث عن ملكية تدفع صاحب العمل إلى الاعتقاد أن من حقه قص شعرها مثلاً أو إجبارها على الاستحمام بدواء القمل لأنها حكماً «وسخة». هذه النسب يتسبب بها العرف الذي صار راسخاً على أرض الواقع، كما في الوعي الاجتماعي الذي انسلّ إلى القضاء، فصار ترك العاملة للعمل «فراراً» ... كيف لمجتمع أن يتحرّر إذا كان يقبل «الرق» بأبشع أشكاله.