لم يكن مفاجئاً أن يبدأ «موسم» حرائق الغابات مبكراً هذه السنة. كل المؤشرات، وفي طليعتها تغير المناخ وسوء الإدارة والاهمال الرسمي والشعبي، كانت تؤكد أن الحرائق آتية لا محالة، وبشكل اقوى بكثير من الفترات السابقة… باستثناء الاماكن التي قلّت فيها الغابات والاحراج، أو تلك التي احترقت قبل عام!

تاريخ متابعة هذا الملف تؤكد أنه لم يتم احترام المبادئ الاستراتيجية المفترضة لحماية الغابات والغطاء الأخضر بشكل عام. فلا الحملات التي اطلقت من السراي الحكومي عام 2013 حلّت مشكلة الاعتمادات، ولا حملات التبرع عام 2014 لشراء طائرات لإطفاء الحرائق نفعت، ولا تبنّي مجلس الوزراء لاستراتيجية مكافحة حرائق الغابات عام 2009 نجحت في توزيع المهام بين الوزارات المعنية وتقسيمها، ولا التعديلات التي طالت القوانين ذات الصلة منعت او حاسبت المتسببين، ولا نيابة عامة أوقفت تاريخياً مفتعل حريق... الخ.
عدم احترام المبادئ في المعالجة كان ولا يزال علة العلل. فحرائق الغابات لا تصنف ضمن الكوارث الطبيعية كالزلازل. بل هي ضمن «الكوارث التي يمكن تجنبها». لذلك، كان يفترض احترام المبادئ الاساسية للتعامل معها، وفي طليعتها عدم النظر الى حرائق الغابات بمعزل عن الادارة المتكاملة لها وحمايتها من شتى أنواع التعديات، مع الأخذ في الاعتبار الاستعمالات القديمة والحديثة لمنتجات الغابات. وهذا ما افتقدته الاستراتيجية التي لم تكن شاملة كفاية، لا سيما في الجوانب الاخرى التي تهدد المساحات الخضراء في لبنان كالتمدد العمراني، لا سيما العشوائي منه، مع ما يستتبعه من شق طرقات وتدمير قسم كبير من الاحراج، وسوء التخطيط، والسماح بالتعديات، والبناء ومخالفاته ومشاريع قوانين تسوية المخالفات... الخ.
اذا عدنا الى المبادئ التي لم يتم احترامها، نرى أن في طليعتها «مبدأ الوقاية»، اي تحاشي الحرائق عبر تشحيل الاحراج قبل موسم الجفاف. وقد طرح الكثير من الافكار الخلاقة في الـ20 سنة الاخيرة، كبديل عن الاجراءات التي كانت متبعة لحماية الاحراج من الحرائق، كاستخدام منتجات التشحيل في الطهي المنزلي او في صناعة الدبس او الكلس او غيرها من الصناعات التي كانت تحتاج الى الكثير من هذه المنتجات لتوليد الطاقة. بين الأفكار الجديدة، فرم منتجات التشحيل وتحويلها الى حطب وتوزيعه على الاهالي في كثير من القرى التي لا تزال تعتمد على الحطب للتدفئة، بديلا عن المازوت.
اما المبدأ الثاني الذي لم يحترم فهو «مبدأ المراقبة» الذي يقوم على أن «الحريق اذا ما عرف في بدايته، سهل إطفاؤه». إذ يحتاج في الدقائق الاولى الى ضربة غصن اخضر او دلو ماء، وبعد ربع ساعة الى خزان مياه، وبعد نصف ساعة او اكثر، لن تنفعه كل مروحيات الجيش اللبناني والجيوش الصديقة. والدليل على ذلك حرائق الولايات المتحدة التي لا تزال مشتعلة منذ ايام. لذلك كان اللوم على وزارة الداخلية حين تحمست، قبل أعوام، لجمع 25 مليون دولار لشراء طائرات مخصصة لإطفاء الحرائق (ثبت عدم جدواها لاحقا)، وتنفيع شركات اجنبية، بدل أن تصرف تلك المبالغ الضخمة لخلق فرص عمل، وتدريب جهاز بشري محلي وتوظيفه في مراقبة الأماكن الحساسة المعرضة للحرائق، من ضمن نظام توقع الحرائق الذي يمكن أن يستعين بتقنيات صغيرة ومتطورة للرصد ايضا. وهنا يأتي دور المبدأ الثالث، اي «التدخل السريع»، الذي يتطلب دفاعاً محلياً (وليس مدنياً)، مخصصاً لحرائق الغابات والاحراج وليس لحرائق المدن والبنايات، يكون مؤلفاً من عناصر رشيقة ومتدربة على الدخول الى الغابات، تقيم ضمن أبراج مراقبة ومجهزة بتجهيزات صغيرة وحاسمة للتعامل مع أي حريق فور اندلاعه.
يضاف الى كل ذلك، بالطبع، تطبيق قانون الغابات القديم الذي يمنع اشعال النيران في فصل الحرائق، وتوعية أصحاب البساتين بالكف عن عادات التقشيش والحرق، وتفعيل حراس الاحراج وعديدهم، والطلب الى النيابات العامة التشدد في ملاحقة مفتعلي الحرائق، وضبط عادات الصيادين السيئة في اشعال النيران أثناء رحلاتهم، ومنع استخدام الاسهم النارية في الاحتفالات، والتشدد في تطبيق التعديلات المهمة التي أدخلت على القوانين، لاسيما منع تغيير وجهة استعمال الأراضي الحرجية والغابات التي تتعرض للحرائق ومنع تغيير عوامل الاستثمار فيها، واعادة تشجير الاحراج والغابات المحترقة، والمحافظة على الصفة الحرجية للمساحات المحترقة، والتشدد في تطبيق المادة 587 من قانون العقوبات اللبناني بحق مفتعلي الحرائق.
واذ يفترض اعادة تعديل وتفعيل الاستراتيجية لمكافحة حرائق الغابات، وتحميل الوزارات المعنية (لا سيما الزراعة والبيئة والداخلية والعدل) مسؤولياتها، يمكن المراهنة ايضا على دور البلديات التي يمكنها أن تساهم بشكل كبير في أعمال الوقاية عبر البدء بتشحيل الأحراج، القريبة من الطرقات بداية، اليوم قبل الغد، والمساعدة في المراقبة والتبليغ السريع، وعدم التراخي من الان وصاعدا، لا سيما أننا في «آب اللهاب»، والنار لا تزال تحت رماد الغابات، آخر رئة متبقّية لهذا الكيان الهش.