«بالسراج والفتيلة»، بحث أبناء البقاع في الأيام القليلة الماضية عن المازوت بعدما استحال سلعة مفقودة في معظم محطات الوقود. وقد تصدّرت هذه الأزمة لائحة الأزمات التي يعانيها هؤلاء في مناطقهم المحرومة من كل شيء، ولا سيما أنه يشكّل السلعة الأساسية والمصدر شبه الوحيد لتأمين التدفئة، في ظل الارتفاع الجنوني لسعر مادة الحطب.

فقدان المازوت لا يرتبط فقط بزيادة الطلب في صقيع هذه الأيام، بقدر ما يرتبط بجشع شركات استيراد المحروقات وبعض أصحاب محطات الوقود، وهو ما بات نهجاً تتحمل مسؤوليته الدولة والوزارات المعنية. والخبر هنا أنه بحلول أمس عادت «الخراطيم» إلى عملها المعتاد، وكأنّ شيئاً لم يكن، بعد إصدار جدول التسعير الأسبوعي الذي ارتفع معه سعر الصفيحة 500 ليرة. وهو ما يطرح علامات استفهامٍ كثيرة حول توقيت «القطع» وتوقيت العودة. ففي الشق الأول، بدأت الأزمة بعد التدني الذي شهده سعر المازوت أخيراً، بموجب الجدول الأسبوعي. وبطبيعة الحال، ليست هذه البداية بريئة، ولها أسباب، منها ما يتعلق بالشركات التي تسعى إلى «ضبّ» مخزونها من المادة التي انخفض سعرها إلى وقتٍ لاحق لتعزيز هامش ربحها بعد ارتفاع الأسعار من جديد. وثاني الأسباب، هو امتناع معظم محطات الوقود عن بيع تلك المادة خوفاً من اضطرارها الى استعمال الـ«ستوك» بحسب نقيب أصحاب محطات الوقود سامي البراكس. وهو يقرّ بأن «بعض الطمع» يصيب بعض أصحاب المحطات. لكنها، ليست مسؤولية هؤلاء فقط، «فهم الحلقة الأخيرة من السلسلة، إذ تأتي في البداية الشركات التي تحسب الموضوع من ناحية الربح والخسارة». ويوضح البراكس أنّ لما حصل أخيراً سببين، أولهما أنه «خلال العاصفة الأخيرة، تأخرت بواخر المحروقات في الوصول، ما أثر على التسليم». والثاني هو انخفاض سعر المازوت «ما دفع الشركات إلى خفض الكميات التي تسلّمها خوفاً من الخسارة». إلى ذلك، هناك «النفسيات العاطلة» لبعض أصحاب محطات الوقود، «وتحديداً غير المرخّصة».

بدأت الأزمة بعد التدني الذي شهده سعر المازوت أخيراً


أما أصحاب محطات المحروقات، فيردّون ندرة المادة إلى زيادة الطلب عليها و«تقتير» الشركات والمصافي في تسليم الكميات المطلوبة للبقاع بحجة عدم تسلمهم الكميات من مصفاتي الزهراني وطرابلس وعدم وصول بواخر النفط. ويعيد هيثم الدبس، وهو صاحب محطة للمحروقات في بعلبك الأمر الى زيادة الطلب على المازوت «فالمنطقة التي كانت تحتاج إلى مليون ليتر يومياً، تحتاج في ظل تدني الأسعار إلى أكثر من 10 ملايين ليتر». ولفت إلى أن آلية التسعير المعتمدة من الدولة أسبوعياً تسمح للجميع بتوقع أدنى سعر ستصل إليه المحروقات، وموعد ارتفاعه، ما يدفع المستهلكين، عندما تنخفض الأسعار، إلى الشراء بكميات كبيرة لا يمكن تأمينها بالسرعة اللازمة». ويقول إنه قبل أن يصل الوضع إلى ما هو عليه، كانت الدولة «تستر» هذا الأمر، من خلال «التعويض علينا بتسليمنا ما تضعه في الستوك في مصافيها، أما اليوم، فقد أجّرت الدولة المصافي، ومنها مصفاة طرابلس، وتمارس النأي بالنفس عن المشاكل».