كان عام 1969، قبل خمسين عاماً، يوم ذاع خبر تفوّق ابن بلدة الدوير الجنوبية، رمّال حسن رمّال، في الشهادة الرسمية في قسم البكالوريا وحيازته معدّل 19.5/20. لم تفِ وزارة التربية والتعليم، آنذاك، بوعدها بإعطائه منحة لاستكمال دراسته الجامعية. يومها، حلّ عدد من مشجعي العلم ومحبي عمل الخير مكان «الدولة»، فبادروا إلى جمع تبرعات للتكفّل بدراسة رمّال في فرنسا. بعد خمسة عشر عاماً، سيحصد الشاب الجنوبي لقب أصغر عالم في جيله، وسيصبح أحد أبرز علماء الفيزياء في عصره. لذلك، يُقاس عُمر «جمعية التخصّص والتوجيه العلمي» بعمر انطلاقة رحلة رمّال العلمية. ففي العام نفسه، 1969، قرّر أصحاب هذه المبادرة تكرار التجربة ومأسستها، فكانت بداية رحلة الجمعية مع المنح الدراسية تحت شعار بات قاعدة لم تحد عنها منذ نصف قرن: «المنحة للطالب الأكثر تفوقاً والأشدّ حاجة» في الوقت نفسه.

في الأعوام العشرين الأولى من عمرها، مانت غالبية المستفيدين من منح الجمعية من الطلاب المُسلمين الشيعة. لكنها ما لبثت أن وسّعت، في ما بعد، مروحة المُستفيدين من تقديماتها في التسعينيات لتشمل مختلف الطلاب أنّى كانت مناطقهم وطوائفهم. وأسقطت، تباعاً، من اسمها كلمة «الشيعية» عام 1984 ثم «الإسلامية» عام 2013 لتُصبح «جمعية التخصّص والتوجيه العلمي». ونظراً إلى طبيعة عملها، صُنّفت الجمعية بالمرسوم رقم 4857/88 تاريخ 30 أيار 1988 «مؤسسة ذات منفعة عامة»، ومُنحت عام 1994، لمناسبة ربع قرن على تأسيسها، وسام الأرز الوطني من رتبة ضابط.
مع إتمام الجمعية هذا العام يوبيلها الذهبي، وصل عدد المستفيدين من منحها منذ تأسيسها إلى أكثر من ثلاثة آلاف طالب وطالبة «تخرّج معظمهم من أفضل الجامعات الأساسية في لبنان، ومن جامعات فرنسا وألمانيا وإسبانيا وإيطاليا وبلجيكا وسويسرا، في اختصاصات مختلفة روعيت في اختيارها حاجات سوق العمل في القطاعين العام والخاص في لبنان والوطن العربي»، وفق نائب رئيس الجمعية علي إسماعيل. إذ تضع الهيئة الإدارية، مطلع كل عام، سياسة للمنح، وتحدّد الأولويات لاختيار مجالات التخصص بما يلبي حاجات السوق، لذلك فإن التركيز اليوم على «الاختصاصات المالية والبيئية والتكنولوجية والنفطية، فيما خفّفنا قدر الإمكان من منح الطب والهندسة، بعدما بلغ سوق العمل لهذين الاختصاصين مرحلة الإشباع».

تحدّد الأولويات في المنح التي تعطيها الجمعية للتخصصات التي تلبي حاجات السوق(مروان بوحيدر)

يؤكّد إسماعيل أن الجمعية «تحوّلت على مرّ السنوات إلى فرصة لكل راغب في عمل الخير ومقصداً لكل طالب متفوّق غير ميسور، من أي منطقة أتى وإلى أي طائفة انتمى»، لافتاً إلى جملة من المعايير لقبول طلبات المنح تتعلّق بمعدل الطالب وتفوّقه وشخصيته ومستواه الاجتماعي والاختصاص الذي يختاره. وفي ما يتعلق بالتمويل، يؤكد إسماعيل أن الجمعية لا تتلقى أي تمويل قد يضعها في اصطفاف سياسي معين، «ونعتمد في الجمعية على تمويل ذاتي عبر اشتراكات الأعضاء من أمناء ومنتسبين وعلى تبرّعات بعض المتموّلين. أما خارجياً، فالتمويل الوحيد يأتي عبر تبرعات من الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان ومن رجال أعمال كويتيين».
ينص النظام الأساسي للجمعية على «المساهمة في نهضة لبنان وتقدّمه من خلال جهود مشاريع إنمائية تقوم بها أو تساهم فيها بمختلف الوسائل والطرق المُلائمة»، لذلك لم تكتفِ بمشاريع تقديم المنح الدراسية، بل «ترجمنا ذلك عبر خمس مؤسسات انبثقت من الجمعية»، بحسب إسماعيل.
الأولى، «مؤسسة سنابل لرعاية اليتيم» التي تأسست عام 1984 التزمت برنامج عمل اجتماعي - إنمائي تحت عنوان «مشروع تكفّل الأيتام داخل أسرهم». وهو يهدف إلى العناية بصغار الأيتام حتى سنّ الخامسة عشرة من دون سلخهم عن أسرهم ووضعهم في مياتم. وقد فاق عدد هؤلاء، منذ عام 1984، ثلاثة عشر ألف يتيم يتوزّعون على مختلف المناطق.
الثانية، «مؤسسة رعاية المُسنّ» التي تأسّست عام 1995، وعملت على إنشاء دار نموذجية للعناية بالمُسنّين سُمّيت «واحة علي حجازي»، في بلدة كفرفيلا في إقليم التفاح.
الثالثة، «مؤسسة طموح للتنمية الاجتماعية» التي أُنشئت عام 2010 وتهدف إلى المُساهمة في تحقيق تنمية مُستدامة في شتى الحقول الاجتماعية والتربوية والثقافية كحملات التشجير في مختلف المناطق، وصولاً إلى تزويد بعض الأندية الثقافية والمكتبات بكتب علمية وثقافية وأجهزة كمبيوتر وغيرها.
الرابعة، نادي الخرّيجين الذي أنشئ عام 1986 بهدف جمع شمل الخرّيجين الذين استفادوا من منح الجمعية. وقد حُدّدت أهداف النادي بتنظيم وتفعيل دور الخرّيجين والتعاون فيما بينهم تأميناً لمصالحهم ودعماً للجمعية في تحقيق أهدافها الإنمائية.
الخامسة، المنبر الثقافي الذي أُنشئ عام 2001 بهدف إيجاد مساحة إضافية للحوار الثقافي على مستوى الوطن.


مؤسسو الجمعية
نبيه بري، جميل إبراهيم، بشر جابر، علي إسماعيل، إحسان شرارة، زيد الأمين، علي حجازي، حاتم صباح، إبراهيم حلاوي، عباس نحلة، خضر منصور، أسامة جابر، حسن الحاج.


منحة راشيل كوري
عام 2003، قدمت الجمعية أربع منح في الدراسات العليا باسم الناشطة الأميركية راشيل كوري التي استشهدت عند محاولتها إيقاف جرافة عسكرية إسرائيلية كانت تهدم مباني مدنية في مدينة رفح في قطاع غزّة. وشُكلت لجنة ضمت الوزراء السابقين ميشال اده وعبد الرحيم مراد وغازي العريضي وعضو المجلس الدستوري محمد المجذوب ورئيس الجامعة اللبنانية السابق ابراهيم قبيسي وناشر جريدة «السفير» طلال سلمان ورئيس الجمعية جميل ابراهيم ونائب رئيسها علي اسماعيل، عملت على اختيار اربعة طلاب لنيل منح في الدراسات العليا على أن تكون القضية الفلسطينية محور الأطروحات التي يعدّونها. كذلك خصصت الجمعية عام 2005 عشر جوائز للإبداع الفني تحت عنوان «راشيل كوري شهيدة الإنسانية في فلسطين» مُنحت للفائزين في مباراة للرسم بين طلاب معهد الفنون في الجامعة اللبنانية.