عندما رُحّلت سوليانا إلى بلادها، بعد عامين من العمل المضني، لم تكن تعرف أنه كان يحقّ لها بيومٍ من الراحة الأسبوعية. لم يخبرها أحد بذلك. حتى عقد العمل لم ينفعها إذ كان مصاغاً بلغةٍ مشذّبة، لكن غير مفهومة لها. بصمت بإبهامها عليه، من دون أن تفقه ما يتضمّنه.

عامان من العمل المضني عاشتهما بلا وقتٍ مستقطع. بلا خصوصية. كان الليل يتصل بالنهار. كأنّه دوام عملٍ واحد. مع ذلك، عملت ورحّلت، ولم تعرف أبسط حقوقها. سوليانا ليست الوحيدة التي أتت إلى هذه البلاد وعادت منها بلا حقوق. معظمهن سقطت حقوقهن بسبب... «اللغة». هكذا، تقف اللغة عائقاً أمام تحصيل الحدّ الأدنى من العيش اللائق. وهنا، يصلح التعميم، إذ أن غالبية عقود العمل التي توقّع عليها العاملة (والعامل) في الخدمة المنزلية مع صاحب العمل لدى الكتّاب بالعدل مكتوبة بالعربية. ونادراً ما تحظى العاملة بـ«ميزة» الترجمة لما تتضمنه تلك العقود التي صيغت بالتشارك بين وزارة العمل والسفارات المعنية من حقوق وواجبات.
اليوم، ثمّة من تنبّه لهذا الخلل، على الأقل لدى دوائر الكتاب بالعدل، حيث «المكان الوحيد الذي يمكن أن تطّلع فيه العاملة على حقوقها وواجباتها»، يقول جوزف بشارة، رئيس مجلس الكتّاب بالعدل. صحيح أن العربية هي لغة البلاد هنا، إلا أنها ليست «ممثّلة»، في ظل الخصوصية التي يتمتع بها المجتمع، لناحية «تنوّع الجماعات واللغات خصوصاً تلك التي نفتقد فيها الى مترجمين»، مثل الأمهرية والأورومو (إثيوبيا) والبنغالية والنيبالية وغيرها. من هنا، ولدت فكرة ترجمة عقد العمل إلى ثماني لغات هي الفرنسية والإنكليزية والنيبالية والإثيوبية والبنغلادشية والسريلانكية (لغتان) والمدغشقرية.

عقد العمل بات متوافراً بالفرنسية والإنكليزية والنيبالية والإثيوبية والبنغلادشية والسريلانكية والمدغشقرية


في البداية راودت الفكرة بشارة في إطار «المساعدة الشخصية» لفئة لا بأس بها من المهمّشين، ثم وجد من لاقاه من وزارة العمل ومنظمة العمل الدولية. مع هذه «الجَمعة»، استحالت الفكرة واقعاً منذ أربعة أشهر، وصار «ستاند» الحقوق والواجبات باللغات الثماني موجوداً «لدى 20 كاتباً بالعدل». هي خطوة أولى من المفترض تعميمها على نحو 230 كاتباً بالعدل. مع ذلك، لاحظ بشارة في الفترة الأخيرة أن فئة من الشابات والشباب الآتين من بلاد غريبة لم يجتذبهم هذا الكتاب، نظراً لكون بعضهم لا يتقن القراءة. كانت هذه نقطة تحدٍّ دفعت ببشارة الى «اختراع» حلٍ مكمّل، فكانت فكرة «الفيديوهات» التي تقصّ عليهنّ حقوقهنّ، والتي انطلقت لدى الكتّاب بالعدل أخيراً.
هذه الخطوة، التي يفرح بشارة لإنجازها، تبقى منقوصة ما لم يجر تعميم تلك التجارب على مناحٍ أخرى هي في صلب درب الجلجلة، ومنها مكاتب استقدام العاملات في الخدمة المنزلية التي هي الأصل. فإلى اليوم، لا تزال تلك المكاتب «تستخدم» في مكاتبها إحدى العاملات للترجمة، وغالباً ما تقف معرفة هذه بالترجمة عند حدود معينة. يعرف بشارة أن هذه الحلقة مطلوب وصلها إلى العمل الأساسي، وقد لمس تجاوباً من قبل نقابة هؤلاء، ولكنها تبقى رهناً بالنيات.